
لقد شهد العراق بعد احتلاله في نيسان 2003 لليوم، تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، وكان من المفترض بعد رفع الحصار عنه وزيادة صادراته النفطية الى عشرات مليارات الدولارات سنويا، أن تفتح الأبواب أمامه في تحولات جذرية لبناء دولة حديثة تحترم مواطنيها وتقوم على اساس القانون والمواطنة. لكن الذي حدث كان العكس تماما. إذ استغلت القوى السياسية والأقتصادية التي تقاسمت السلطة، التوترات السياسية والانقسامات الاجتماعية لتأسيس شبكات مصالح واسعة، تمكنت تدريجيا من التغلغل داخل مفاصل الدولة وتحويل جزء كبير من مواردها إلى مصدر دائم للنفوذ والثروة.
كثيرة هي المخاطر التي تهدد العراق، لكن مفتاح هذه المخاطر واكثرها تأثيرا هو الفساد. وما يميّز هذا الفساد ليس حجمه ومساحته فقط وقدرته المستمرة على انتاج نفسه، بل أستنساخ نفسه وتطويرها. لقد مرّت دول عديدة في دورة فساد محدودة مقارنة بالفساد عندنا، لكن كشف فضيحة كبيرة ( لدينا فضائح كبرى) أو محاسبة مسؤول كبير فيها أدى الى اضعاف الشبكات الفاسدة وتقليص نفوذها. أما في العراق فأن الفساد يمتلك قدرة ذاتية على التعافي من الضربات واستعادة توازنه بسرعة. فالمسؤولين والأشخاص قد يتغيرون لكن الآليات تبقى، والوجوه قد تتبدل لكن المصالح تستمر، والحكومات قد "ترحل"، لكن منظومة الفساد تظل قادرة على حماية نفسها وإعادة ترتيب صفوفها.
منظومة الفساد في العراق لا تقتصر مهماتها بالحفاظ على مكتسباتها، بل تعمل دوما على اعادة انتاج نخب سياسية فاسدة لتوصلها الى مراكز اتخاذ القرار لأعادة دورة الفساد وتطويرها. الشعب العراقي ومعه أحزاب سياسية ومنظمات ومثثفين يظنون خطأ عند تشكيل وزارة جديدة، ان مرحلة انتهت والقادمة ستأتي بمشروع اصلاحي، ليصطدموا من أن البنية التحتية والعميقة للفساد قائمة وقادرة على التكيف مع شعارات المرحلة الجديدة وما "تحمله" من متغيرات. وحينها يثار الجدل حول العلاقة بين الثروة ( المنهوبة اصلا) والنفوذ السياسي، وبين الطريقة التي ينتقل بها السياسيون وحتى الطارئون على العمل السياسي الى مراكز القرار العليا، وهذا ما نشاهده في بلادنا اليوم. ووصول هؤلاء الى قمة السلطة تعني، أن منظومة الفساد لن تتراجع، وسوف تعيد ترتيب نفسها محافظة على جوهر الفساد القائم على تبادل المصالح وتقاسم النفوذ والمغانم. أن منظومة الفساد عندنا تعتمد على ميليشيات مسلحة لتعزيز نفوذها وقمعها لأي تحرك جماهيري يطالب بتحسين أوضاع بلاده، كما حدث في انتفاضة تشرين. وقد أستطاعت قوى الفساد من أيصال ما يقارب المئة برلماني من هذه الميليشيات الى البرلمان، ما يعزز نفوذها ويفتح المجال امامها بشكل اكبر لتكريس الفساد والاستمرار به.
أن القوى المتنافسة سياسيا تجد نفسها وعند الحديث عن تقاسم المكاسب والمنافع، أكثر قدرة وحرص على التفاهم والتوافق مما هي عليه عند معالجة مشكلات الوطن والناس. فالخلافات التي تبدو كبيرة في ملفات الخدمات والتنمية والإصلاح تتراجع في الغرف المغلقة أمام تفاهمات المصالح وتقاسم النفوذ. وهذا يعني إن العدالة التي فشلت وتفشل الدولة في تحقيقها بين المواطنين، نجحت وتنجح منظومة الفساد في تحقيق نسخة خاصة منها داخل دوائرها المغلقة، حيث توزع الأرباح والمغانم وفق معادلات دقيقة جدا تضمن استمرار الشراكات وتحافظ على توازن المصالح عند الفرقاء.
لقد دفع المجتمع العراقي ثمن منظومة الفساد هذه وعلى مدى سنوات طويلة باهضا، فالأموال التي كان يمكن أن تستثمر في بناء المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات الكهرباء والمياه ومكافحة الفقر من خلال شبكات الرعاية الاجتماعية، تم هدرها في عقود مشبوهة ومشاريع متعثرة وصفقات تفتقر إلى الشفافية. والنتيجة كانت كارثية، فبلد كالعراق يمتلك ثروات طبيعية هائلة وإمكانيات بشرية معظمها من الشباب يؤهلانه لولا الفساد في أن ينتقل الى مصاف الدول المتقدمة، لازال يعاني من مشكلات أساسية في الخدمات والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية.
أن الفساد لا يبقى حبيس جانب واحد، لذا نراه اليوم يمتد الى النسيج الاجتماعي والثقافة العامة. فعندما يرى المواطن أن النجاح لا يتحقق بالكفاءة والعمل والإبداع، بل بالعلاقات والتحزب والنفوذ والوساطات، تتعرض منظومة القيم المجتمعية للاهتزاز. ومع مرور الوقت يتحول الفساد من ظاهرة مرفوضة اجتماعيا إلى سلوك يتعايش معه الناس بوصفه أمرا واقعا ما يزيد من رقعته، وهو ما يمثل أحد أخطر الانتصارات التي تحققها منظومات الفساد في أي مجتمع. وحينها وبهذه الانتصارات يصبح الفساد عقبة مباشرة أمام النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.
يعتقد البعض أن الفساد في ظل سلطة المحاصصة رغم اتساعه وتحوله الى مؤسسة قائمة بذاتها، قابل للعلاج من خلال تناوله تجارب شعوب استطاعت مواجهة الفساد في بلدانها، أو أعتمادا على نظريات سياسية وأقتصادية مختلفة، الا ان هذا البعض يتجاوز الطرق التي ادت الى نجاح تلك الشعوب في مسعاها. واهمها توفر الإرادة السياسية والمؤسسات الرقابية والقضاء المستقل والعادل وحرية الأعلام ووصوله الى المعلومات الكفيلة بفضح الفاسدين. لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ قبل كل شيء بالأعتراف بالمشكلة وحجمها، والمطلوب اليوم هو النظر إلى الفساد باعتباره منظومة متكاملة تحتاج إلى مواجهة شاملة، لا تقتصر على معاقبة بعض الأفراد وعادة ما يكونوا من صغار الفاسدين، بل أستهداف وتفكيك بناه التحتية التي تسمح بإعادة إنتاجه واستمراره. ولاننا في الحقيقة لسنا بحاجة الى اصلاح بل الى تغيير شامل لسلطة المحاصصة، فأن القوى السياسية المتضررة من استمرار نظام الفاسدين ومن اجل انقاذ ما يمكن انقاذه، عليها التفكير جديا بحشد كل طاقاتها التنظيمية والسياسية، في قيادة اكبر نسبة من جماهير شعبنا المتضررة هي الاخرى واشراكها في النضال اليومي. قوى الفساد لن تتنازل عن امتيازاتها بسهولة، وعلينا مواجهتها بوقفات مطلبية واضرابات وتظاهرات، وصولا الى عصيان مدني وانتفاضة جماهيرية.
إن السؤال الذي يواجهنا اليوم ليس ما إذا كان الفساد موجودا!! فذلك أمر أصبح واضح للجميع وكما يقول المثل البغدادي( مينرادلها روحه للقاضي)، بل كيف يمكن بناء دولة تكون أكثر قوة وتنظيما من شبكات الفساد التي تنخر مؤسساتها. فالمعركة الحقيقية ليست بين فاسدين ونزيهين فحسب، بل بين منطق الدولة ومنطق الغنيمة، بين المواطنة والمحاصصة، بين القانون والمصلحة الخاصة. لكن من هي القوى التي تستطيع ان تمضي في هذه المهمة الصعبة، وما هي امكانياتها وادوواتها..؟
حينما نتحدث عن الفساد ونهب المال العام في العراق، فإننا نتحدث عن غزارة في إنتاجه وتطويره وتوسعته من قبل قوى الفساد، وعدالتها في توزيع الأرباح فيما بينها. وهذه ليست مجرد عبارة ساخرة كالتي قالها الأديب الأيرلندي جورج برناردشو والتلاعب بها، بل هو واقع حال نعيشه بكل اسف. وليس توصيف مبالغ فيه، بل هي محاولة لقراءة واقع تشكل عبر سنوات طويلة، حتى أصبح الفساد فيه ظاهرة بنيوية تتجاوز حدود الرشوة والاختلاس والتلاعب بالعقود، لتتحول إلى منظومة متكاملة تمتلك أدواتها وشبكاتها ومراكز نفوذها وآلياتها الخاصة في البقاء والتكيف والتوسع. ولأننا نتحدث عن برناردشو أرى أن نأخذ مسرحيته بجماليون كمثال لننهي به مقالتنا. ففي الوقت الذي نجح فيه البروفيسور هيغينز في تعليم إليزا دوليتل وهي بائعة ورد تتحدث بلغة سوقية، في تعليمها لغة الأرستقراطيين وعاداتهم في المسرحية. نرى فشل السوقيين واللصوص والفاسدين في تعلم كيفية أدارة الدولة وخدمة الشعب وبناء الوطن في مسرحية الفساد الذين هم ابطالها.







