
إيليو غابّوغّياني (في الوسط)، مناضل في حركة الأنصار ضد الفاشية الإيطالية، وعمدة مدينة فلورنسا من عام 1975 حتى عام 1983.
في سبعينيات القرن الماضي، تمكن الحزب الشيوعي الإيطالي في إقليم توسكانا من السيطرة في الانتخابات على بلديةٍ تلو الأخرى، وناضل من أجل توفير السكن للجميع ومن أجل مزيدٍ من الديمقراطية. غير أنه، رغم ابتعاده عن النموذج السوفييتي، لم يتمكن من الصمود بعد عام 1989.
في 11 أيلول 1975، عَزفت فرقة الفولكلور التشيلية "Inti Illimani"، التي كانت تعيش في المنفى، تحت الأروقة القروسطية في ساحة بيازا ديلا سينيوريا في فلورنسا، دعت فيها إلى التضامن الأممي. كان ذلك في الذكرى السنوية الثانية للانقلاب العسكري الذي أُطاحت بالحكومة الاشتراكية في تشيلي بالقوة، من قبل الدكتاتور أوغستو بينوشيه، وارتُكبت مجزرة هزّت ضمير العالم وأثارت صدمة واسعة. حمل أعضاء فرقة "Inti Illimani"، الذين أُجبروا على مغادرة وطنهم، رسائلهم المتمردة إلى إيطاليا. وكانت إيطاليا آنذاك مركزاً مهماً للتضامن مع تشيلي، وفي الوقت نفسه ساحةً بدأت فيها ملامح تشكل اختراقا كبيرا لليسار.
قبل ذلك بقليل، في انتخابات حزيران 1975، حقق الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) نتائج تاريخية غير مسبوقة، إذ حصل على أكثر من أحد عشر مليون صوت، وتسلّم السلطة في عشرات البلديات في مختلف أنحاء البلاد. وفي عاصمة إقليم توسكانا، فلورنسا، أصبح الشيوعي والمناضل السابق في صفوف المقاومة، إيليو غابّوغّياني، رئيساً للبلدية. وفي أيلول استقبل فرقة "Inti Illimani" في مدينته خلال مهرجان «فيستا دي لـ’أونيتا» لصحيفة الحزب "لونيتا"، وهو مهرجان يجمع الموسيقى والطعام بأسعار معقولة ورموزاً يسارية من أنحاء العالم.
في ذروة الحرب الباردة، أصبح الشيوعيون ثاني أقوى حزب في إيطاليا، لكنهم ظلوا مُستبعدين من الحكومة الوطنية. وقد أيقظت نتائج الانتخابات البلدية الناجحة آمالاً بأن التقدم التدريجي عبر السيطرة على المدن والبلديات سيقود في النهاية إلى النصر الحاسم.
منذ أول انتخابات إقليمية شهدتها البلاد عام 1970 ــ والتي تأخرت أكثر من عقدين بعد المصادقة على دستور ما بعد الحرب ــ كان اقليم توسكانا إحدى ثلاث قلاع رئيسية للحزب الشيوعي في وسط وشمال إيطاليا. وكان غابّوغّياني نفسه ناشطاً على المستوى السياسي الإقليمي قبل توليه منصب رئيس البلدية. وبحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، أصبحت العديد من بلديات المدن الكبرى تحت إدارة الشيوعيين، ومن بينها، إلى جانب فلورنسا، مدينة بيزا أيضاً.
ولا تخلو العلاقة بين سكان المدينتين التوسكانيتين من التوتر، ففي مركزيهما تنتشر كتابات جرافيتي (على الجدران) تصف نادي كرة القدم في المدينة الأخرى بأنه «قمامة». كما أن الفروع المحلية للحزب الشيوعي كانت تتنافس آنذاك حول من يمتلك قدرات أفضل على الحشد والتنظيم.
في تلك المرحلة المضطربة من تاريخ إيطاليا، حيث كانت الحركة العمالية لا تزال في حالة صعود، برزت في كلتا المدينتين مطالب متشابهة كثيرة. لم تعد إيطاليا في منتصف سبعينيات القرن الماضي ذلك البلد الفقير الذي كان يحاول النهوض من أنقاض الحرب العالمية الثانية. لقد أصبحت مجتمعاً صناعياً، تميّزه زيادة الاستهلاك، لكن أيضاً تصاعد المطالب النسوية وحضور طلابي قوي في المدن.
لم يعد الناس يكتفون بمجرد حدٍّ أدنى من مستوى المعيشة، بل كانوا يتطلعون إلى ما هو أبعد من ذلك. وكثيرون علّقوا آمالاً كبيرة على رؤساء البلديات المنتمين إلى الحزب الشيوعي الإيطالي.
في السنوات السابقة، أدخلت الحكومات الوطنية التي قادها الديمقراطيون المسيحيون والاشتراكيون الديمقراطيون إصلاحاتٍ مهمة، من بينها «قانون حقوق العاملين» لعام 1970 الذي ضمن قدراً أكبر من الأمان الوظيفي. كما جرى تقنين الطلاق بموجب قانون، وجرى تأكيد هذا التغيير في استفتاء عام 1974 صوّتت فيه الإيطاليات والإيطاليون لصالح الإبقاء عليه. وقد بدا واضحاً أن إيطاليا كانت تتحرر تدريجياً من طابعها المحافظ والأبوي. غير أن هذا التقدم لم يخلُ من الصراعات، فنهج الحزب الشيوعي الإيطالي القائم على التدرّج خطوةً خطوةً تعرّض بدوره لانتقادات داخل أوساط اليسار.
المصوّر الألماني الشرقي توماس بيلهارت، الذي زار توسكانا الخاضعة لإدارة الشيوعيين عام 1975، التقط شيئاً من روح تلك المرحلة. فقد عرضت صوره لجمهور المانيا الشرقية صورةً عن «اشتراكية أكثر تحرراً»، لا تُبقي الناس أسرى خلف جدار: شيوعيون إيطاليون يصغون إلى الأغاني الشعبية بين التماثيل القروسطية في توسكانا، يطالعون صحف الحزب ويستمتعون بأطباق معكرونة «بيتشّي». وقد نُشرت صوره عام 1976 في ألبوم فوتوغرافي بعنوان «ما يزال البرج المائل قائماً...». ويحمل هذا العنوان دلالة مزدوجة: فهو يشير بدقة إلى أن حكم الحزب الشيوعي لم يؤدِّ إلى الفوضى والخراب اللذين حذّر منهما خصومه، لكنه يلمّح أيضاً إلى أن «الحصون الحمراء» الجديدة قد لا تبقى إلى الأبد.
صعود اليسار
كان الشيوعيون، الذين شكّلوا خلال الحرب أكبر قوة في صفوف المقاومة المناهضة للفاشية، قد تولّوا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لفترة وجيزة مناصب رفيعة في بلديتي بيزا وفلورنسا، وكذلك على المستوى الوطني في روما. غير أن الحزب الشيوعي الإيطالي لم يتمكن خلال العقدين الأولين من الحرب الباردة من دخول الحكومة مجدداً، إذ ظلّ الديمقراطيون المسيحيون، المؤيدون للبرجوازية ولحلف شمال الأطلسي، القوةَ الأقوى، وبالتالي أصحاب القرار في تشكيل الائتلافات.
في ستينيات القرن الماضي، حصد الحزب الشيوعي في مدن توسكانا نحو ثلث الأصوات بانتظام، لكنه لم يحقق أغلبية مطلقة. ومع نشوء مجتمع إيطالي أكثر حداثة وأقل هرمية، بدأت هيمنة الديمقراطيين المسيحيين تتآكل، واضطرت هذه القوة المحافظة إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الحزب الاشتراكي الإيطالي كشريك.
غير أن هذا التحالف لم يكن مقدّراً له أن يدوم في كل مكان. ففي عام 1971، انتخب المندوبون المحليون للحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي في بيزا معاً شخصية مستقلة ــ هو إيليا لازّاري، العضو السابق في الحزب الديمقراطي المسيحي ــ رئيساً للبلدية. وظهر الإرهاق على الحزب الديمقراطي المسيحي الذي طالما هيمن على الساحة. وفي ظل حركة عمالية قوية حققت نجاحات كبيرة خلال الطفرة الاقتصادية لما بعد الحرب، شهدت انتخابات عام 1975 تحوّلاً قوياً نحو اليسار: حصل الشيوعيون في بيزا على 39.7 بالمئة من الأصوات، وفي فلورنسا على 41.5 بالمئة. وفي كلتا المدينتين تشكّلت إدارات بلدية بقيادة الشيوعيين وبدعم من الاشتراكيين. أصبح غابّوغّياني رئيساً لبلدية فلورنسا، بينما خلف رفيقه في الحزب لويجي بولّيري لازّاري في رئاسة بلدية بيزا.
تُعرف بيزا وفلورنسا اليوم بكونهما من أبرز الوجهات السياحية: فكل من يسافر إلى إيطاليا يرغب بالتقاط صورة مع البرج المائل أو مع تمثال داود لمايكل أنجلو. وكان القطاع السياحي ضخماً بالفعل في سبعينيات القرن الماضي ــ أي قبل عقود من معاناة السكان المحليين من تبعات منصات مثل «أماكن أقامة سكن سياحية من خلال بيوت مؤجرة». غير أن النسيج الحضري في هاتين المدينتين كان يضم دائماً أكثر من مجرد المعالم السياحية. فقد وُجدت فيهما حركة طلابية مؤثرة ــ وكانت بيزا على وجه الخصوص مركزاً لليسار الراديكالي ــ إلى جانب قطاع صناعات خفيفة واسع، مثل صناعة النسيج في ضواحي فلورنسا، والصناعات الزراعية والهندسة الميكانيكية في بيزا.
في بيزا، جعل رئيس البلدية، لويجي بولّيري من مكافحة الإخلاءات القسرية علامته الفارقة. وأعلن «الحرب على المُلّاك الذين يتركون الشقق شاغرة» ولم يجعلوها صالحة للسكن.
وفي المجمع السكني المتداعي (فيلاجّو تشينتوفيوري)، ظهر رئيس البلدية بوشاحه الرسمي ذي الألوان الثلاثة، ومزّق بنفسه الحواجز التي أُقيمت حول المباني. كان بولّيري، وهو عامل زراعي سابق، يتمسّك بمبدأ واضح: «السكن للجميع». وقد لجأت إدارته البلدية إلى استخدام «صلاحيات طوارئ» (رمزية من الناحية القانونية) لمصادرة الشقق غير المستغلة أو تلك التي أُخلي سكانها قسراً. وبلغ الأمر حدّ مقاضاة أصحاب الشقق. كانت عشرات الشقق هناك قد احتلتها عائلات بلا مأوى، وقد دعمتها إدارة بولّيري مباشرة، وأعلنت أن العقارات أصبحت تحت مصادرة البلدية.
إلى جانب دعم عائلات العمال في مواجهة الإيجارات الجشعة، انخرط الشيوعيون في بيزا أيضاً في نضالات اجتماعية أوسع، إذ قدّموا أنفسهم مثلاً كمدافعين عن المجتمع المحلي في مواجهة شركات لوّثت المياه الجوفية. كما أولوا أهمية كبيرة لهوية المدينة. فقد شارك الحزب الشيوعي الإيطالي بنشاط في الاحتفالات تكريماً للقديس المحلي الحامي "رانيري". وفي يوم ذكراه، في 16 حزيران، يضيء سكان بيزا مدينتهم بعشرات آلاف الشموع المثبّتة على هياكل خشبية بيضاء تُعلّق على المباني المطلة على ضفاف النهر. وكان أعضاء الحزب يطرقون الأبواب في الأيام التي تسبق هذا العيد ذات الطابع الديني للتأكد من أن الإنارة تتم بشكل موحّد. وبحسب حجة الشيوعيين، فإن هذا التقليد العريق هو في النهاية نتاج بشري أكثر منه وحياً إلهياً ــ وروح الجماعة فيه ينبغي احترامها ورعايتها، بغضّ النظر عن الموقف من الكنيسة.
أما في فلورنسا، فقد أطلق إيليو غابّوغّياني، بدوره مشاريع لتطوير المدينة. وشملت هذه المشاريع ترميم سوق (سان لورينزو) وتوسيع التنمية من مركز المدينة باتجاه الشمال الغربي. وكان الهدف، كما قال غابّوغّياني، تعزيز الحِرَف الصغيرة وورش الإنتاج المحلي. كما سعى فريقه إلى منح المواطنات والمواطنين دوراً أكبر في اتخاذ القرارات الديمقراطية على المستوى المحلي. ولهذا أُنشئت مجالس أحياء جديدة مستقلة عن البلدية.
لقد أدى التوسع العمراني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إضافةً إلى إعادة الإعمار بعد فيضان نهر آرنو المدمّر عام 1966، إلى زيادة الضغط على التخطيط الحضري. وسعت الإدارة اليسارية إلى لامركزية عملية صنع القرار. وأسفرت هذه الموجة الأولى من الهياكل المحلية الجديدة في المدن الإيطالية عن تنظيم أول انتخابات على مستوى الأحياء في تشرين الثاني 1977، بلغت نسبة المشاركة فيها 82 بالمئة، وهي نسبة تُعد حلماً بالمعايير البلدية الراهنة.
النزعة الأممية وروابط التضامن
رغم أن الإدارات البلدية التي قادها الشيوعيون كانت تشتكي أحياناً من ضعف الدعم القادم من الحكومة الوطنية في روما، فإنها تجنّبت الدخول في مواجهة حقيقية معها. ففي أوج قوتها أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت هذه الإدارات تُسيّر شؤون مدنها في ظل قيادة وطنية يهيمن عليها الديمقراطيون المسيحيون. وبدلاً من محاولة إسقاط حكومة الأقلية تلك، انتهج الحزب الشيوعي الإيطالي سياسة تقوم ــ بذريعة الحفاظ على الاستقرار ــ على ترك السلطة الحكومية في يد الديمقراطيين المسيحيين. كما كان الشيوعيون يأملون في إثبات قدرتهم على إدارة المالية العامة بمسؤولية وكفاءة.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتولى فيها الحزب الشيوعي رئاسة بلديات كبرى، لكن الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الباردة في أواخر أربعينيات القرن العشرين أدى إلى إسقاط العديد من تلك الإدارات المحلية. وفي الشمال، في معقل اليسار الأحمر (بولونيا)، بقي الحزب الشيوعي في السلطة بلا انقطاع طوال عقود ما بعد الحرب. ومع ذلك، شكّل رؤساء البلديات الشيوعيون في توسكانا منتصف السبعينيات منعطفاً داخل الحزب: فقد اتخذوا موقفاً أكثر تصالحاً تجاه الحكومة الوطنية من أي قيادة شيوعية سابقة، لكنهم في الوقت نفسه جعلوا من الحرب الباردة موضوعاً حاضراً في خطابهم السياسي.
وكما صرّح رئيس بلدية فلورنسا، إيليو غابّوغّياني بعد توليه المنصب بقليل: «لن نتصرف كما تفعل قيادة الحزب في بولونيا. إن الإدارة الجيدة أمر مهم، وكذلك التخطيط الحضري، لكن فلورنسا لن تكتفي بذلك. سنحاول أن نربط أنفسنا بالبُعد الدولي للسياسة».
وبالفعل، أطلقت البلدية مبادرات تعكس هذا التوجّه. فقد تبنّت قضايا يسارية تقليدية مثل رفض نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ودعم «مؤتمر أوروبي– عربي»، والمطالبة بنزع سلاح القوى العظمى. بل أعلن غابّوغّياني فلورنسا «مدينة شريكة» لمدينة نانجينغ الصينية.
غير أن الجناح الذي مثّله غابّوغّياني حرص أيضاً على إبعاد الحزب الشيوعي الإيطالي عن الاتحاد السوفييتي. ففي كانون الثاني 1979 استضافت فلورنسا مؤتمراً بعنوان «الاختلاف والديمقراطية في بلدان أوروبا الشرقية»، نظمته إدارة المدينة. كما استقبل غابّوغّياني في قصر فيكيو (Palazzo Vecchio) يلينا ساخاروفا، زوجة الفيزيائي والمنشق السوفييتي أندريه ساخاروف.
في نيسان 1977 أصبح إيليو غابّوغّياني، أعلى مسؤول في الحزب الشيوعي الإيطالي يزور الولايات المتحدة حتى ذلك الحين. كان قد تلقّى دعوة من كولمان يونغ، أول عمدة أسود لمدينة ديترويت، المدينة الشريكة لفلورنسا. في البداية بدا من غير المرجّح أن يحصل على تأشيرة دخول، إذ كانت السلطات الأمريكية تنظر بعين الريبة إلى الحزب الشيوعي الإيطالي، بل وتجاهلت حتى جهود الديمقراطيين المسيحيين الإيطاليين الذين سعوا إلى التعاون مع الشيوعيين. لكن في إطار ما سُمّي بـ«التسوية التاريخية» بقيادة الأمين العام للحزب أنريغو برلنغوير، سُمح لغابّوغّياني في النهاية بدخول الولايات المتحدة، فشارك في افتتاح «رينيسانس سنتر» (مركز النهضة) في ديترويت.
وقال غابّوغّياني لصحيفة «نيويورك تايمز»: «قبل عامين كان من غير المتخيَّل أن يحضر شيوعي إيطالي مثل هذه المراسم. الرأسماليون يسيرون في طريق، وأنا في طريق آخر، لكن هذا لا يعني أنني سأشعر بعدم الارتياح وأنا أصافح هنري فورد (الابن)، أحد كبار ممولي المشروع». كما التقى بعالم الاجتماع الشاب آنذاك، روبرت د.بوتنام، والذي سيصبح لاحقاً مؤلف كتاب (Bowling Alone) حول انهيار وإحياء المجتمع الأمريكي، الذي رافقه مترجماً في جامعة ميشيغان.
انحدار بطيء
من ناحية ما، فتحت رئاسات البلديات التي قادها الحزب الشيوعي آفاقاً جديدة. فبعد رحلة غابّوغّياني إلى الولايات المتحدة، قام قياديون بارزون آخرون في الحزب، مثل جورجيو نابوليتانو (الذي أصبح لاحقاً رئيساً لإيطاليا)، بزيارات مماثلة. وكان يُفترض أن تمهّد هذه الانفتاحات الطريق أمام صعود الحزب إلى موقع السلطة المؤسسية على المستوى الوطني. غير أن الجهود المحلية تعرّضت في الوقت نفسه لضغوط متزايدة، نتيجة تحوّل سياسي على مستوى الحكومة الوطنية، ولا سيما الصعود المتنامي لشعبية الحزب الاشتراكي بقيادة (بيتينو كراكسي)، الذي أصبح قوة منافسة بل ومعادية للشيوعيين.
وكان للإرهاب السياسي في تلك الحقبة أثرٌ حاسم أيضاً، إذ أضعف موقع الشيوعيين التفاوضي. وأشهر هذه الأحداث كانت خطف واغتيال السياسي ورئيس الوزراء السابق ألدو مورو، أبرز محاوري برلينغوير من الحزب الديمقراطي المسيحي، على يد منظمة «الألوية الحمراء» اليسارية المتطرفة. وتناقل كثير من الشيوعيين همساً أن مورو قُتل ــ أو على الأقل تُرك ليموت عمداً ــ بفعل أجهزة استخبارات كانت تنظر بعين الشك إلى أي تقارب محافظ – شيوعي.
لكن العامل الأهم تمثّل في تراجع النمو الاقتصادي، الذي أعلن نهاية طفرة ما بعد الحرب والحركة العمالية التي قامت عليها. ورغم أن فلورنسا وبيزا واصلتا النمو السكاني، وأن الطبقة العاملة لم تكن قد دخلت بعد في انحسار واضح، فإن فئات اجتماعية أخرى أخذت في التوسع. فقد شكّل الموظفون الأعلى تعليماً قاعدة دعم قوية للحزب الاشتراكي. وفي عام 1983 لم يكتفِ كراكسي بتشكيل حكومة وطنية بدعم من الديمقراطيين المسيحيين، بل انسحب الاشتراكيون أيضاً من الإدارة البلدية التي كان يقودها الشيوعيون في فلورنسا، ما أدى إلى إنهاء ولاية غابّوغّياني. وفي العام نفسه أصبح هو وبولّيري عضوين في صفوف المعارضة داخل البرلمان الإيطالي. وهناك لعب رئيس بلدية فلورنسا السابق دوراً قيادياً في التحقيقات المتعلقة بمحفل «بي 2» الماسوني السري، الذي سعى إلى زعزعة الديمقراطية الإيطالية بطرق سرية وعنيفة.
من المؤكد أن بضع سنوات من التقارب مع الحكم الديمقراطي المسيحي باسم «التضامن الوطني» لم تكن كافية لتقويض القاعدة العمالية للحزب الشيوعي في المدن. لكن على المدى الطويل، غيّرت قابلية الحزب للتكيّف مع عقيدة الموازنات المتوازنة ودعمه (غير النقدي إلى حد بعيد) للمشروع الأوروبي الذي اتضحت ملامحه تدريجياً. ولم تكن الأفكار الإجرائية ــ مثل التشديد على الديمقراطية المحلية، وانتخابات الأحياء، وشعار «القرب من الناس» ــ كافية لمواجهة ضغط التقشف المتصاعد.
بصورة عامة، تحوّل الحزب الشيوعي الإيطالي داخل الإدارات المحلية إلى قوة معتدلة، لكنه ظل يعتز بتسميته «شيوعياً» فهو الحزب الذي قاد (المقاومة (ضد الفاشية. غير أن هذا الإرث نفسه أصبح عقبة أمام طموحه في جعل فلورنسا مركزاً لتحول سياسي دولي. وبتعبير المصوّر القادم من ألمانيا الشرقية توماس بيلهارت: لم يكن الخطر أن يُسقط شيوعيون غير أكفاء برج بيزا المائل، بل إن المشكلة تمثّلت في أن الحزب وهويته الشيوعية كانا محكومين إلى حدّ كبير بالنظام الدولي واستقطاب الكتلتين خلال الحرب الباردة.
وعندما سقط جدار برلين عام 1989، لم يعد بوسع حتى حزب شيوعي كان يتباهى بكثرة انحرافاته عن النموذج السوفييتي أن يصمد. لقد تلطّخ اسم «الشيوعية» وأصبح منبوذاً، فأُعيد تأسيس الحزب عملياً على أسس جديدة ـ واهنة ـ تنسجم مع الروح ما بعد الحداثية في أوائل تسعينيات القرن الماضي. وطالبت أصوات مؤيدة لليبرالية السوق بإعادة صياغة جذرية و«يسار جديد» يتحرر من الإرث العمالي للحزب. صحيح أن مقاربات الإصلاح على المستوى البلدي استمرت، وأن الحزب وخلفاءه تمكنوا من البقاء في السلطة في العديد من المراكز الحضرية، وغالباً بفضل البنية التحتية التي بنتها الحركة العمالية. لكن ما غاب هو الإحساس بأن ثمة مشروعاً أشمل لتحويل المجتمع لا يزال قيد المتابعة، حتى لو كان هذا التحول مؤجلاً إلى مستقبل بعيد.
عمدة إيطاليا
بعد سلسلة طويلة من الانقسامات والاندماجات، انضم الحزب الشيوعي السابق إلى فصائل أخرى لتأسيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحالي. غير أن هذه العملية لم توسّع قاعدته الانتخابية فعلياً، بل جمعت شظايا قيادات من أحزاب قديمة متعددة. وقد أدت التحولات السياسية في إيطاليا مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى تراجع عام في قيمة الأحزاب وبرامجها، إذ أصبح رؤساء البلديات يُنتخبون مباشرة بصفتهم أفراداً، لا ممثلين لبرامج حزبية محددة.
لم تكمن المشكلة الأساسية فقط في أن الشيوعيين السابقين داخل الحزب الديمقراطي تحالفوا مع خصومهم السياسيين القدامى. بل إن إعادة توازن القوى الطبقية والسياق الاجتماعي العام الذي نشأت فيه هذه التحالفات دفعا اليسار تدريجياً نحو اليمين. ففي بيزا عام 1971، عندما دعم الشيوعيون انتخاب رئيس بلدية سابق من الديمقراطيين المسيحيين، كان بإمكانهم أن يبرهنوا على أن الحركة العمالية قوة لا يمكن تجاهلها. أما بعد أزمة 2008، حين انهارت ثقة الجمهور في النظام الحزبي وأصبحت سياسات التقشف الخيار المهيمن، فقد اتخذت مثل هذه التحالفات طابعاً مختلفاً تماماً.
وكانت الآمال الكبيرة المعقودة على الحزب الديمقراطي في توسكانا مثالاً دالاً على ذلك. ففي عام 2009 انتُخب الوسطي الشاب (ماتيو رينزي)، وكان يبلغ 34 عاماً آنذاك، رئيساً لبلدية فلورنسا. وقد وعد بدمج تقاليده الديمقراطية المسيحية مع «الاشتراكية الديمقراطية ذات الطريق الثالث» على طريقة بلير. بالنسبة لرينزي، شكّل قصر البلدية في فلورنسا منصة انطلاق نحو السياسة الوطنية. وبرأيه، فإن خبرته في إدارة القضايا المحلية تؤهله لقيادة حكومية وطنية عقلانية وبراغماتية. ومنذ عام 2014 أصبح بالفعل رئيساً لوزراء إيطاليا ــ ضمن ائتلاف مع أطراف من اليمين المعتدل ــ متعهداً بأن يتصرف بوصفه «عمدة إيطاليا».
لكن هذا التركيز على نموذج «العمدة» اتضح فيما بعد أنه نسخة مُفرَّغة من الديمقراطية. فالحقيقة أن السياسة اتخذت في هذه المرحلة رؤية تكنوقراطية، تقوم أساساً على «حل المشكلات» وربطها بشخصية الزعيم الحكومي ــ أي رينزي نفسه. فالعمدة غابّوغّياني لم يسافر ذات يوم طلباً لشراكات استثمارية فحسب، بل أيضاً لإظهار التضامن الدولي وبنائه. أما اليوم، فقد بدأت الظروف المالية الطارئة تهيمن على عمل الإدارات المحلية، بل وحتى على عمل رئيس الوزراء الإيطالي. وكان رينزي العقل المدبر لتحوّل الحزب الديمقراطي نحو مركزية ليبرالية جديدة، ما أثار استياء القاعدة التقليدية للعمال.
فبينما أصدرت حكومة الوسط – اليسار في سبعينيات القرن الماضي قانون حقوق العاملين لضمان الأمان الوظيفي، ركّز رينزي في إصلاحاته العمالية على إلغاء هذا الحماية. والنتيجة: انهارت شعبية الحزب الديمقراطي، ولم يفز منذ ذلك الحين بأي انتخابات وطنية.
اليوم، تُعد فلورنسا مدينة ذات طابع اجتماعي ديمقراطي، وقد أسس رينزي حزباً صغيراً خاصاً به ذو توجهات تتبنى ليبرالية السوق، بينما تُدار بيزا من قبل ائتلاف يميني صارم. ولم تعد نسبة المشاركة في الانتخابات في أي من هاتين المدينتين التوسكانيّتين تصل إلى مستويات العقود الماضية. وتبيّن هذه التجربة أن حتى المناطق التاريخية اليسارية يمكن أن تميل إلى اليمين بمجرد اختفاء مصادر التعبئة والأمل السابقة.
ومع ذلك، لم تختفِ البنية التحتية للحركة العمالية القديمة بالكامل. ففي المراكز اليسارية والحانات الحيوية في توسكانا الريفية، لا يزال هناك من يتذكّر كيف حملت فرقة الفولكلور "Inti Illimani" رسالتها المقاومة من تشيلي. لكن بعد خمسة عقود، أصبح من الأسهل تخيل عمدة يحمل صبغة يسارية اسمياً وهو يتودّد لرئيس تنفيذي لشركة سيارات، على أن يحتفل بالتضامن الأممي في شوارع وساحات توسكانا.
----------------------------
(*) ديفيد برودر: مؤلف كتاب "أحفاد موسوليني: الفاشية في إيطاليا المعاصرة".







