
في صباحٍ عراقيٍّ يختلط فيه الغبار برائحة القلق، يقف عامل اليومية عند زاوية شارعٍ مزدحم، لا ليتأمّل المارّة، بل ليراقب احتمالات الرزق. لا يعنيه كثيراً أن هذا اليوم يصادف عيد العمال العالمي، فالأيام عنده لا تُقاس بالتواريخ، بل بما تحمله من فرصة عملٍ أو خيبة انتظار. في مثل هذا اليوم، تحتفي دولٌ كثيرة بعمالها، ترفع الشعارات، وتستعيد تاريخ النضال من أجل الحقوق، لكن في العراق، يبدو المشهد مختلفاً؛ إذ يتحوّل العيد إلى لحظة تساؤل هادئ، وربما موجع: ماذا يعني أن تكون عاملاً في بلدٍ تتأرجح فيه الحياة بين الأمل واللايقين؟
ليس من المبالغة القول إن العامل العراقي يعيش في قلب معادلة اقتصادية قاسية، لا تمنحه الاستقرار الذي يستحقه، ولا تترك له مساحةً كافية للحلم. فبين بطالةٍ مقنّعة تبتلع طاقات الشباب، وسوق عملٍ غير منظّم يعتمد في جزءٍ كبير منه على العمل المؤقت أو "اليومي"، تتآكل فكرة الأمان الوظيفي تدريجياً. يقف كثير من العمال على أرصفة المدن، لا كجزءٍ من مشهد عابر، بل كحالةٍ مستمرة، حيث يتحوّل الانتظار إلى مهنة بحد ذاته. وفي بلدٍ يمتلك من الموارد ما يكفي ليضمن حياةً كريمة لمواطنيه، يبدو هذا التناقض أكثر حدّة، وأكثر إثارة للأسئلة.
قد يقول قائل إن القوانين موجودة، وإن التشريعات التي تنظّم العمل وتكفل حقوق العمال ليست غائبة، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما. غير أن المشكلة في العراق لا تكمن دائماً في غياب النص، بل في هشاشة تطبيقه. فكم من عاملٍ يعمل من دون عقدٍ واضح، وكم من يدٍ تتعب من دون أن تجد مظلة ضمانٍ اجتماعي تحميها من تقلبات الزمن؟ في المسافة بين القانون والواقع، تضيع حقوق كثيرة، وتُختبر قدرة الدولة على تحويل النصوص إلى حماية فعلية. ليس المطلوب هنا استحداث قوانين بقدر ما هو تفعيل الموجود منها، وجعلها جزءاً من الحياة اليومية للعامل، لا مجرد موادّ تُقرأ في الأوراق الرسمية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال العمل النقابي بوصفه أحد أكثر الأسئلة تعقيداً. فالنقابات، التي يُفترض أن تكون صوت العمال وحصنهم، تبدو في العراق مشتتة بين تعدد الجهات وتباين المرجعيات. هذا التعدد، الذي قد يبدو في ظاهره دليلاً على الحيوية، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى عامل إضعاف، حيث يغيب الصوت الموحد القادر على التأثير الحقيقي. العامل، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى كثرة العناوين، بل إلى جهة تمثله بصدق، وتدافع عنه بفعالية، وتملك القدرة على تحويل مطالبه من مجرد مطالب إلى حقوقٍ قابلة للتحقق.
ولا يمكن قراءة واقع العمال بمعزلٍ عن التحولات الاقتصادية الأوسع التي يشهدها البلد. فالتذبذب في فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفجوة بين الدخل والاحتياجات الأساسية، كلّها عوامل تجعل من حياة العامل سلسلةً من التحديات اليومية. يصبح التفكير في المستقبل ترفاً، ويغدو التخطيط للحياة مؤجلاً إلى إشعارٍ آخر. في مثل هذه الظروف، يفقد العيد معناه الرمزي، ويتحوّل إلى تذكيرٍ غير مباشر بما ينقص، لا بما تحقق.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست معتمة بالكامل. ففي هذا الواقع المليء بالتحديات، ما زال العامل العراقي يحتفظ بشيءٍ من الإصرار الذي يصعب تفسيره بسهولة. هناك قدرة على الاستمرار، وعلى التكيّف، وعلى البحث عن فرصةٍ حتى في أكثر الظروف قسوة. هذا الإصرار، وإن كان في ظاهره فردياً، إلا أنه يحمل في طياته إمكانية التحول إلى قوة جماعية، إذا ما توفرت له الظروف المناسبة، والإطار الذي ينظّمه ويوجّهه.
إن الحديث عن عيد العمال في العراق يجب أن يتجاوز حدود الوصف إلى أفق التفكير في ما يمكن أن يكون. فإعادة الاعتبار للعمل بوصفه قيمة أساسية، لا مجرد وسيلة للبقاء، تحتاج إلى جهدٍ متكامل تشترك فيه الدولة والمجتمع. يبدأ ذلك من توفير بيئة عملٍ عادلة، مروراً بتفعيل القوانين، وصولاً إلى إعادة تنظيم العمل النقابي على أسسٍ أكثر فاعلية. ليست هذه مطالب مثالية، بل شروط ضرورية لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار الحقيقي.
ربما يكون السؤال الأهم في هذا السياق: أيّ عيدٍ نريد للعمال في العراق؟ هل نريده مناسبةً تُستعاد فيها الخطابات، أم لحظةً يُعاد فيها النظر في السياسات؟ الفرق بين الاثنين كبير، وهو ما يحدّد ما إذا كان الأول من أيار سيبقى يوماً عادياً في حياة العامل، أم سيتحوّل إلى علامة فارقة.
لا يحتاج العامل العراقي إلى كثير من الشعارات، بقدر ما يحتاج إلى اعترافٍ حقيقي بجهده، وإلى منظومةٍ تحمي هذا الجهد من الاستنزاف. حين يشعر أن عمله ليس معركةً يومية، بل طريقٌ نحو حياةٍ أكثر استقراراً، يمكن عندها فقط أن يحمل العيد معنى مختلفاً. وحتى يحين ذلك، سيبقى عيد العمال في العراق أقرب إلى سؤالٍ مفتوح، ينتظر إجابة لا تُكتب بالكلمات، بل تُصنع بالقرارات.







