لم يكن الدور الذي لعبته سلطنة عمان في السنوات الماضية تفصيلا عابرا في مسار الصراع الإقليمي، بل شكل أحد أعمدة التوازن الهش بين التفاوض والتصعيد فقد استطاعت مسقط، بحكم موقعها السياسي وعلاقاتها المتوازنة، أن تكون وسيطا مقبولًا نسبيًا بين أطراف متنازعة، رغم تعاقب الإدارات الأمريكية من باراك أوباما إلى جو بايدن وصولا إلى دونالد ترامب، وما رافق ذلك من انتقالات حادة بين الاتفاق والتراجع عنه.

غير أن التحولات الأخيرة في الإقليم كشفت حدود هذا الدور فمع تصاعد التوتر، وتزايد احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع، لم تعد الوساطة محصنة كما في السابق، بل أصبحت بدورها عرضة لضغوط الصراع، بل وامتداداته المباشرة أحيانا إذ لم يعد الفصل ممكنًا بين طاولة التفاوض وميدان الاشتباك، خاصة مع تداخل أدوار قوى فاعلة مثل إيران وإسرائيل، وارتباط مسار التهدئة بحسابات تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي.

في هذا السياق، يبرز طرح نقل أو توسيع دور الوساطة ليشمل باكستان، باعتبارها دولة تمتلك علاقات متشعبة مع الأطراف الدولية والإقليمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة غير أن هذا الطرح، بدل أن يقدم حلا، يفتح بابا لإشكالية أكثر تعقيدا: هل تغيير الوسيط يعني فعلا تقليل مستوى الخطر، أم أنه يعيد توزيع هذا الخطر جغرافيا وسياسيا؟

إن تجربة الوساطات في المنطقة تشير إلى أن الحياد ليس صفة ثابتة، بل توازن دقيق بين المصالح والعلاقات ومن هنا، فإن انتقال الدور من سلطنة عمان إلى باكستان لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تبديل في الأدوار، بل كتحول في طبيعة البيئة التي تدار فيها الوساطة فباكستان، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من بؤر التوتر في جنوب آسيا، وارتباطها بشبكة معقدة من التحالفات، قد لا تكون بمنأى عن تداعيات أي تصعيد، بل قد تجد نفسها جزءا من معادلة الردع ذاتها.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام وساطة جديدة، أم أمام نقل لدائرة الخطر؟

وهل يمكن لوسيطٍ يرتبط بعلاقات وثيقة مع أحد أطراف الصراع أن يحافظ على المسافة اللازمة لضمان دوره، أم أن هذه العلاقة نفسها قد تجعله عرضه للاستهداف في لحظة التصعيد؟

إن ما يجري لا يتعلق فقط بأسماء الوسطاء، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي بات يميل أكثر فأكثر إلى تسيس كل الأدوار، بما فيها الوساطة وعليه، فإن البحث عن وسيط "أكثر أمانا" قد يكون في حد ذاته وهما، ما دام الصراع يتجاوز حدوده التقليدية، ويتحول إلى شبكة متداخلة من المصالح والضغوط والرسائل العسكرية، في المحصلة، لا يبدو أن استبدال وسيط بآخر سيؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأمان، بقدر ما يعكس إعادة تموضع في خارطة المخاطر.