منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، ارتبطت صورة الجمهورية الإسلامية بفكرة “الإسلام الثوري”، وغالبًا ما جرى اختزالها في هذا البعد الأيديولوجي. وعلى امتداد العقود الماضية، تكررت التوقعات بقرب سقوطها، غير أن هذه القراءات أغفلت حقيقة أساسية مفادها أن تلك الثورة لم تكن دينية فحسب، بل كانت أيضًا تعبيرًا عن تطلعات عميقة نحو الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية، وهي القيم التي دفعت إلى إسقاط نظام ملكي استبدادي..

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، تعود هذه الأسئلة إلى الواجهة في سياق مختلف تمامًا، حيث تواجه إيران أزمة مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتبدو أحداث يناير/كانون الثاني 2026، بما حملته من عنف وتحولات، وكأنها لحظة فاصلة قد تعيد طرح مصير النظام برمته، لا سيما في ظل ما يظهر من عجز متزايد عن الاستجابة لمطالب المجتمع..

لقد تغيّرت إيران بشكل عميق منذ 1979. فالمجتمع الذي كان في معظمه ريفيًا ومحافظًا، أصبح اليوم حضريًا ومتعلمًا إلى حد كبير. ارتفعت معدلات التعليم، خصوصًا بين النساء، واتسعت قاعدة الطبقة الوسطى، ولم تعد القيم الحديثة والانفتاح على العالم حكرًا على النخب. والمفارقة أن السياسات التي هدفت في بدايتها إلى “أسلمة” المجتمع، مثل الثورة الثقافية وتوسيع التعليم، ساهمت في خلق مجتمع أكثر وعيًا واستقلالية، وأقل خضوعًا للسلطة الدينية التقليدية..

في المقابل، لم يتمكن النظام السياسي من مواكبة هذه التحولات. ورغم أن الجمهورية الإسلامية حافظت على مؤسسات انتخابية، فإن القيود المفروضة عليها، من إقصاء للمرشحين إلى شبهات التزوير، أضعفت ثقة المواطنين بجدواها. ومع تكرار الاحتجاجات، خاصة منذ عام 2019، بات واضحًا أن جزءًا متزايدًا من الإيرانيين لم يعد يرى في النظام تعبيرًا عن تطلعاته..

تتفاقم هذه الأزمة الداخلية بفعل التوتر المستمر مع الولايات المتحدة، الذي ظل لعقود أحد أعمدة الخطاب السياسي الإيراني. غير أن هذا الصراع كان له ثمن اقتصادي باهظ، خاصة بعد انهيار الاتفاق النووي عام 2015 وعودة العقوبات، ما أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية وتآكل آمال الطبقة الوسطى في الانفتاح. وفي ظل هذه الضغوط، تبدو طهران اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى القبول بتسوية مع واشنطن، رغم ما يحمله ذلك من تناقض مع خطابها الأيديولوجي..

على الصعيدين الداخلي والخارجي، تتراكم التحديات. فقد تراجعت قدرة النظام على فرض بعض القيود الاجتماعية، وتعرض نفوذه الإقليمي لاهتزازات، فيما تتصاعد التوترات مع إسرائيل، وتتعمق الأزمة الاقتصادية. كما كشفت موجات القمع المتكررة عن اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، بل وعن انقسامات داخل بنية السلطة نفسها..

ومع ذلك، فإن النظام الإيراني ليس كتلة صلبة، بل هو شبكة معقدة من مراكز القوى. ولا تزال هناك تيارات إصلاحية وشخصيات سياسية تسعى إلى إحداث تغيير من داخل النظام، مستفيدة من شبكاتها داخل مؤسسات الدولة. في المقابل، تدعو أطراف أخرى، خصوصًا في الخارج، إلى تغيير جذري قد يصل إلى حد إعادة النظام الملكي، وهو خيار لا يبدو أنه يحظى بإجماع داخل إيران..

في ضوء هذه المعطيات، تقف إيران أمام عدة سيناريوهات مفتوحة، تتراوح بين إصلاح تدريجي من داخل النظام، أو تسوية سياسية مع الولايات المتحدة، أو تصاعد الاحتجاجات نحو مسار أكثر اضطرابًا. غير أن المؤكد هو أن إيران لن تعود إلى ما كانت عليه، وأن أي نظام قادم، أياً كان شكله، سيجد نفسه مضطرًا للتكيف مع مجتمع أكثر وعيًا، وأكثر إصرارًا على المشاركة في تحديد مستقبله..

في النهاية، ورغم ثقل العوامل الدولية، يبقى العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة هو الداخل الإيراني نفسه. فالمجتمع الذي تغيّر بعمق خلال العقود الماضية، لا يزال يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والحرية، في لحظة تاريخية قد تحدد مستقبل البلاد لعقود قادمة.

*مدير أبحاث فخري في المركز الوطني للبحوث العلمية وعضو هيئة تحرير مجلة أورينت

لوموند دبلوماتيك- مارس/اذار 2026