
· العنف والاستبداد في الخارج والداخل هما تعبير عن أزمة بنيوية في النظام الرأسمالي
يعيش مفهوم الإمبريالية فترات ازدهاره دائماً حين تمارس الدول العنف بشكل علني ضد دول أخرى. وليس من المستغرب أن يُعاد اليوم تداول هذا المفهوم حتى في الخطاب السائد، بالنظر إلى تطورات القرن الحادي والعشرين: فقد شهد المفهوم أول عودة قوية مع حرب العدوان التي شنتها الولايات المتحدة على العراق، والتي انتهكت القانون الدولي (2003–2011). واليوم ينتشر مجدداً في سياق حرب العدوان التي تخوضها روسيا ضد أوكرانيا (منذ 2022)، وكذلك في ظل سياسات العنف العلني أو الكامن للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي (بنما، فنزويلا، كوبا، غرينلاند)، إضافة إلى سياسات الحرب الأمريكية والإسرائيلية في غرب آسيا (غزة، لبنان، إيران).
هل تناضل الأممية من أجل القانون الدولي؟
عندما يجري الحديث عن الإمبريالية، فإن ذلك يكون دائماً مؤشراً على اضطراب تاريخي عالمي. لكن الأمر لم يكن كذلك دائماً. فإلى جانب الاستخدام السلبي، الذي يدين الإمبريالية، شهدنا أيضاً ـ خصوصاً فيما يتعلق بسياسات الحرب الغربية في العراق وأفغانستان ـ استخداماً إيجابياً يرحب بهذه السياسات صراحة.
فبالنسبة لمنظّري هذا الاتجاه، مثل ميشائيل إيغناتيف وروبرت كاجان وهرفريد مونكلير، كان وجود «إمبراطورية» غربية ضرورياً لفرض النظام الرأسمالي عالمياً والحفاظ عليه، حتى باستخدام وسائل الحرب. وكما صاغ ذلك مبكراً توماس. إل فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز عام 1999:
«اليد الخفية للسوق» تفترض وجود «قبضة خفية».
فشركة «ماكدونالدز» لا يمكنها «الازدهار من دون شركة ماكدونيل دوغلاس»، المُصنِّعة لطائرات إف -15 المقاتلة.
الإمبريالية وصعوبة التعرّف على العنف
اليوم أصبحت هذه الأصوات، التي كانت تروّج لسياسة هيمنة غربية ذات طابع كوني، أكثر خفوتاً. ويرجع ذلك إلى سببين أساسيين:
أولاً، مع صعود الصين والجنوب العالمي، أصبحت الهيمنة المنفردة للولايات المتحدة جزءاً من الماضي. فالولايات المتحدة (ومعها أوروبا ضمن هياكل حلف الناتو) تمثل إمبراطورية في حالة تراجع، بينما تصعد الصين والجنوب العالمي، أي الدول التي كانت مُستعمَرة سابقاً من قبل أوروبا. وقد انتقل مركز الاقتصاد العالمي من الشمال والغرب إلى الجنوب والشرق. وأصبح العالم متعدد الأقطاب بشكل لا رجعة فيه.
ثانياً، فشلت السياسات الإمبريالية الغربية في تحقيق أهدافها المعلنة. فبحسب مشروع "تكاليف الحرب"، قُتل ما يقارب مليون مدني بشكل مباشر في الحروب الغربية في العراق وأفغانستان وليبيا. كما تُقدّر دراسة لجامعة براون الأمريكية أن ما بين 3.6 و3.8 ملايين شخص إضافي قضوا بشكل غير مباشر. وفي الوقت نفسه، أصبح الواقع المعيشي في العراق وأفغانستان وليبيا اليوم أكثر فقراً، وأقل أفقاً، وأكثر استبداداً، وكذلك أكثر عنفاً مما كان عليه قبل بدء تلك الحروب.
وقد حلّت محل فكرة «عبء الرجل الأبيض» ـ التي كانت تُستخدم سابقاً لتبرير الهيمنة الاستعمارية بوصفها مهمة حضارية ـ سياسةُ قوى كبرى قومية تسعى فقط إلى فرض نفسها في «عالم ذئب». إذ إن من لا يتسلّح، ينتهي به الأمر على قائمة الطعام.
بالاستعانة بـ برتولت بريشت وكتابه «كتاب التحولات»، يمكن القول إن المسألة تتعلق بـ«صعوبة التعرّف على العنف». ففي الواقع، إن الحرب المباشرة، والاحتلال، والسيطرة الرسمية على أراضي دول أخرى ـ كما في حرب روسيا ضد أوكرانيا ـ تمثل أشكالاً من إمبريالية بدائية. غير أن التاريخ يبيّن حدود هذا النمط.
فحرب العراق لم تُحدث فقط دماراً هائلاً على مستوى التاريخ العالمي، بل أسهمت أيضاً في تسريع تراجع الولايات المتحدة، مع تكاليف تجاوزت 8 تريليونات دولار على دافعي الضرائب الأمريكيين، ومع التحولات الجديدة في الجنوب العالمي (مثل تأسيس مجموعة «بريكس» عام 2009، وتوسيع "منظمة شنغهاي للتعاون" وغيرها).
وبالمثل، يُحتمل أن تؤدي الحرب على إيران، التي بدأت في 28 شباط/ فبراير 2026 من قبل الحكومات اليمينية المتطرفة في إسرائيل والولايات المتحدة، إلى تسريع هذه الديناميكيات بشكل كبير.
أما روسيا، فيبدو أنها تحقق مكاسب شكلية في حرب أوكرانيا (أو على الأقل لا تخسرها). لكن الخاسر الفعلي ـ إلى جانب الحكومة الأوكرانية ـ هو الاتحاد الأوروبي، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. وعلى وجه الخصوص، فإن أكبر اقتصاداتها، أي الاقتصاد الألماني، قد تعرض لاهتزازات عميقة نتيجة سياسة العقوبات، التي ـ كما بيّن مانفريد زون ـ كالعصا المرمية التي ترتد على صاحبها.
وبما أنه من غير المرجح جداً أن تدفع روسيا تعويضات بعد انتهاء الحرب، فقد يُجبر الاتحاد الأوروبي على شطب قروض الأسلحة، وكذلك تمويل إعادة إعمار أوكرانيا المدمّرة والمفلسة بمفرده.
ومع ذلك، فإن الحكومة الروسية نفسها قد أساءت التقدير بشكل كبير في هذه الحرب. فحتى في حال تحقيق «نصر»، سيكون ذلك بثمن عسكري واقتصادي وسياسي باهظ، قد تترتب عليه عواقب خطيرة على الحكومة وعلى الأوليغارشية التي تقف وراءها. ولن تكون هذه أول حرب في روسيا تؤدي إلى مثل هذه النتائج، كما تُظهر ثورات عام 1905 وثورتي شباط/ فبراير وأكتوبر1917.
إن أكثر أشكال الإمبريالية كفاءة هو ذلك الذي يستخدم وسائل عنف هائلة، ولكن من دون أن تسقط قنابل، ومن دون أن يُقتل أو يُشوَّه أو يُصدم نفسياً مدنيون أو جنود. فالإمبريالية التي لا تُطلق فيها رصاصة واحدة يمكن أن تتخذ أشكالاً متعددة:
أولاً، تظهر في شكل «دبلوماسية الزوارق الحربية»، أي التهديد العسكري العلني ضد الدول الأصغر، كما في تهديدات جو بايدن لجزر سليمان في حال استضافتها قاعدة عسكرية صينية، أو تهديدات دونالد ترامب بالحرب ضد بنما إذا لم يقم هذا البلد ـ الذي نشأ أساساً بفعل السياسة الإمبريالية الأمريكية ـ بنقل الاستثمارات الصينية إلى شركة «بلاك روك»، أكبر صندوق رأسمالي في العالم ومقره الولايات المتحدة.
ثانياً، تتجلى في سياسات العقوبات، مثل الحصار الأمريكي المفروض على كوبا منذ ثورة 1959، والذي أدخل البلاد في أزمة اقتصادية وسياسية عميقة.
ثالثاً، تعمل على تسييس سلاسل التوريد، وتحويل تنظيمها إلى أداة ضغط من خلال العقوبات أو الرسوم الجمركية أو قيود الوصول إلى الأسواق، كما في استخدام الوصول إلى السوق الداخلية الأمريكية كسلاح، حيث أجبر رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي اليابان. وفي عام 2025 أجبر دونالد ترامب الاتحاد الأوروبي وشركاء تجاريين آخرين ـ لكن ليس الصين ـ على الرضوخ.
رابعاً، يمكن استخدام الديون لفرض فتح الأسواق وعمليات الخصخصة، أو لخلق «مناخ استثماري صديق للأعمال» عبر سياسات تحرير الاقتصاد، كما حدث في أزمة الديون التي تفاقمت بسبب «صدمة فولكر» عام 1979، أو في عام 2015 عندما خُنقت حكومة سيريزا الاشتراكية في اليونان مالياً من قبل الاتحاد الأوروبي.
وهكذا، تعمل الإمبريالية بأفضل شكل عندما تتبع «الإكراه الصامت للعلاقات الاقتصادية» (كارل ماركس)، وهو ما يفسر كما أشار برتولت بريشت في «كتاب التحولات».
صعوبة التعرف على العنف
هناك طرق كثيرة للقتل. يمكن طعن إنسان في بطنه بسكين، أو حرمانه من الخبز، أو عدم علاجه من المرض، أو وضعه في مسكن سيئ، أو إنهاكه بالعمل حتى الموت، أو دفعه إلى الانتحار، أو إرساله إلى الحرب، وغير ذلك. والقليل فقط من هذا محظور في دولتنا، ـ ويجب أن نضيف: في النظام العالمي الرأسمالي وفي النظام العالمي للدول ـ القليل منه «محرّم».
أربع أزمات نظامية – أربع موجات من نظرية الإمبريالية
لقد عاد مفهوم الإمبريالية إلى الواجهة. فقد انتهت تلك الفترة التي كانت فيها الدراسات التاريخية تحصر المفهوم في الحقبة الممتدة من 1878 إلى 1945. إذ إن الإمبريالية الكلاسيكية القائمة على العنف المباشر تشهد اليوم عودة قوية. كما أن «النظام العالمي الجديد» الحالي يشبه في الواقع فترة ما قبل عام 1914.
منذ عام 2007، تمرّ الرأسمالية العالمية بأزمة نظامية، وهي الرابعة في تاريخها. وكل واحدة من هذه الأزمات هي أزمة تحوّل، تنشأ خلالها أشكال جديدة من الرأسمالية والإمبريالية، مع تغيّرات عميقة في علاقات رأس المال بالعمل وبالجندر، ومع ظهور أنواع جديدة من الدولة (ليبرالية أو سلطوية)، وكذلك علاقات جديدة بين الدول (التجارة الحرة أو الحمائية، التعاون أو الصراع، إلخ).
ومع كل نوع جديد من الرأسمالية والإمبريالية، طوّرت الحركة العمالية الاشتراكية أيضاً نظرية جديدة للإمبريالية.
فمن الأزمة النظامية الأولى بين 1873 و1895 نشأت النظرية الكلاسيكية للإمبريالية لدى كل من جون هوبسون، رودولف هيلفردينغ، روزا لوكسمبورغ، فلاديمير إيليتش لينين، نيكولاي بوخارين وغيرهم. وقد ركزت هذه النظرية على التنافس الإمبريالي المتصاعد بين الدول القومية ذات الطابع القومي والعسكري، والذي انتهى إلى الحرب العالمية الأولى.
ومن الأزمة النظامية الثانية بين 1929 و1939 نشأت الموجة الثانية من نظرية الإمبريالية (ذات الطابع الماركسي إلى حد ما)، مع مفكرين مثل إيمانويل وولرشتاين، أندريه غوندر فرانك، أرغيري إيمانويل، وسمير أمين. وقد ركزت على «تنمية التخلف»، وعلى العلاقة بين المراكز الرأسمالية وما يسمى «العالم الثالث»، في سياق صراع الأنظمة بين الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة والاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي.
ومن الأزمة النظامية الثالثة بين 1967 و1979 نشأت الموجة الثالثة من نظرية الإمبريالية، مع أبرز ممثليها مثل ليو بانيتش وسام غيندين، إلين مايكزينز وود، ديفيد هارفي، جاستن روزنبرغ، وويليام آي. روبنسون. وقد سعت هذه الموجة إلى فهم نشوء الرأسمالية العالمية المعولمة في أنماط الإنتاج والعلاقات الطبقية، انطلاقاً من تطور جديد في تصدير رأس المال.
إن الأزمة النظامية الرابعة الممتدة من عام 2007 حتى اليوم، والتي يتشكل فيها نوع جديد من الرأسمالية، ستفرز أيضاً موجة رابعة جديدة من نظرية الإمبريالية الماركسية، من أجل فهم مادتها التجريبية الجديدة نظرياً. وفي الواقع، يمكن بالفعل تمييز ملامح هذه الموجة الرابعة منذ الآن.
الرسوم الكمركية، القومية الاقتصادية، والعنف العسكري
إن نوع الرأسمالية الجديد الذي نشأ من الأزمة النظامية المستمرة منذ 2007 يمكن وصفه بأنه ما بعد ليبرالي. ويجمع هذا الوصف السمات الأساسية لهذا النظام الجديد من خلال العلاقة الحاسمة في تحليل الإمبريالية بين الداخل والخارج. فالنظام العالمي الجديد هو ما بعد ليبرالي في الخارج كما في الداخل. والدافع وراء هذا التحول ما بعد الليبرالي هو محاولة الولايات المتحدة ودول غربية أخرى وقف تراجعها النسبي.
يتجلى هذا التحول ما بعد (أو ما بعد النيوليبرالي) في السياسة الخارجية على ثلاثة مستويات:
أولاً، تحل سياسات الحماية الكمركية وإعادة إقليميّة السوق العالمية محل الإمبريالية القائمة على التجارة الحرة والرأسمالية المعولمة متعددة الأطراف. فقد سعت الشركات الغربية طويلاً إلى فتح أسواق الصين ودول الجنوب العالمي. ومن أجل ذلك، أنشأت المراكز الرأسمالية الغربية، عبر منظمة التجارة العالمية (WTO) وسلفها الاتفاق العام للتعرفة والتجارة (GATT)، إضافة إلى اتفاقية TRIPS، واتفاقيات التجارة الحرة وحماية الاستثمار مثل TTIP وCETA وغيرها، ما يشبه «دستوراً للرأسمالية العالمية».
وكان الهدف من ذلك فرض نوع من «دكتاتورية رأس المال» تكسر الديمقراطية وسيادة الدول المستهدفة بالإمبريالية الغربية، وتضمن في الوقت نفسه اختراقها الرأسمالي من قبل الشركات الغربية.
لكن بما أن نهاية الرأسمالية لا تبدو وشيكة على المدى القصير، فإن نظام سلام قائم على قواعد القانون الدولي يظل شرطاً أساسياً لكي يمكن أصلاً التفكير في هذا الأفق، ولكي تتمكن القوى التي تسعى إلى مثل هذا القطع الجذري من التطور.
ومع ذلك، فإن الصين، بسبب الموارد الضخمة في السياسة الصناعية والتخطيط التي تمتلكها الحكومة والحزب الشيوعي، أصبح اقتصاداً شديد التنافسية، وتمكنت من أن تصبح في عدد متزايد من تقنيات المستقبل رائدة في السوق العالمية. لقد نجحت جمهورية الصين الشعبية في ما فشل فيه الاتحاد السوفييتي: أي التحرر إلى حد كبير من حالة التخلف والتبعية والاستغلال من قبل الإمبريالية الاستعمارية.
ولهذا السبب، انتقلت المراكز الرأسمالية (السابقَة) من سياسة التجارة الحرة إلى سياسة الحماية الكمركية في تعاملها مع الصين. ويقوم هذا التحول على مبدأ: إذا كنت لا أستطيع (في مصلحة «شركاتي») أن أستولي على ما لديك، فسأحمي ما أملكه أنا ـ حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار المستهلكين للعمال، وإلى تصاعد التوترات في النظام الدولي. ويبقى مبدأ التجارة الحرة قائماً فقط، كما يظهر في اتفاقية الميركوسور للاتحاد الأوروبي، في التعامل مع الدول الأضعف اقتصادياً أو، في مصلحة رأس المال المالي العالمي، مع الدول المساوية في القوة.
ثانياً، تحلّ القومـية الاقتصادية محل «السوق الحر»، كما يحدث عندما تمارس دولة ما ضغطاً مباشراً على شركات أجنبية، في حين كانت قواعد النيوليبرالية تضمن معاملة متساوية عبر منظمة التجارة العالمية. ومن الأمثلة على ذلك تطبيق تيك توك، الذي أصبح وفق قواعد السوق الحر المنصة الاجتماعية الرائدة بين الشباب في الولايات المتحدة. لكن الولايات المتحدة في عهد الرئيس جو بايدن وضعت الشركة الصينية أمام خيارين: إما الحظر أو بيعها إلى المنافسين الأمريكيين بأسعار تصفية.
ومن الأمثلة الأخرى تدخل الدولة الألمانية ضد مشاركة شركة COSCO الصينية في ميناء هامبورغ. وكذلك تحويل سلاسل التوريد، والرسوم الكمركية، والموارد التي تُصنَّف على أنها «استراتيجية» إلى أدوات سياسية، وهو ما يعكس تسييس الاقتصاد خارج منطق «السوق الحر».
ثالثاً، يُدعَّم هذا الإمبريالية الاقتصادية بسياسة عسكرية متزايدة، غالباً ما تكون كامنة، من العنف. فمجرد التهديد بالحرب أو «الحروب منخفضة الشدة» ـ كما في بنما وفنزويلا وغرينلاند ـ يكفي لفرض المصالح والأهداف. ونتيجة لذلك، يتم التعبير عن المصالح بشكل أكثر صراحة بلغة القوة، أي بلغة الواقعية في السياسة الخارجية، بدلاً من لغة القيم أو «النظام القائم على القواعد»، الذي يخدم كخطاب مموِّه (إيديولوجيا مثالية).
الاستبداد من الداخل
وفي الوقت نفسه تحدث عملية ما بعد ليبرالية في الداخل: فالرأسمالية في الغرب لا تواجه تهديداً استبدادياً خارجياً، كما يوحي بذلك خطاب الحرب الباردة الجديد الذي يقسم العالم إلى ديمقراطيات مقابل أنظمة استبدادية. أما في الجنوب العالمي، فيُفهم هذا الصراع ـ وغالباً بشكل أكثر إقناعاً ـ على أنه استمرار للتناقض القديم بين القوى الاستعمارية والمستعمَرين.
الرأسمالية في الغرب تصبح أكثر استبداداً من الداخل ـ وذلك بالمعنى الذي قصده غرامشي في مفهوم «الثورة السلبية»، حيث تفرض العوامل الخارجية «تحديثات» داخلية على أنماط الحكم. فقد كانت سياسات «بايدنوميكس» Bidenomics [ وهو مصطلح يصف السياسة الاقتصادية للرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، والتي تهدف إلى بناء الاقتصاد من "الطبقة الوسطى والطبقة العاملة إلى الأعلى" بدلاً من الأعلى إلى الأسفل. يرتكز هذا النهج على زيادة الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية والتكنولوجيا، تعزيز الصناعة المحلية، دعم النقابات العمالية، وزيادة الضرائب على الشركات والأثرياء لتمويل هذه البرامج – المترجم ] في الولايات المتحدة، وخطة التعافي الأوروبية Next Generation الصادرة عن المفوضية الأوروبية، وصندوق المناخ والتحول التابع للحكومة الألمانية السابقة، محاولات لمحاكاة السياسة الصناعية الصينية، ومحاولة مواجهة الصين عبر ما يشبه «ثورة كهربائية» باستخدام أدواتها نفسها.
لكن هذه المحاولات فشلت، ليس أقلّه بسبب فوضى السوق وعدم كفاءة الديمقراطية الليبرالية تحت الهيمنة الكاملة لطبقة المليارديرات، أي بفعل قوى التدمير الذاتي التي أطلقتها خمسون عاماً من النيوليبرالية. فبعد عقود بدى فيها أن الرأسمالية والديمقراطية، والسوق الليبرالي والكفاءة، مترادفات، تبيّن أن السوق «الحر» لا يحقق الكفاءة المثلى، وأن النظام البرلماني الليبرالي تحت ديكتاتورية المليارديرات أصبح عائقاً أمام التطور.
وبناءاً على ذلك، يتم تفكيك الديمقراطية الليبرالية في الوقت نفسه من الأسفل (بسبب تركها «فراغاً شعبوياً») ومن الأعلى (عبر إعادة بناء سلطوية من اليمين). ومن منظور الطبقات الحاكمة، أصبحت الديمقراطية عائقاً أمام اتخاذ القرارات السريعة اللازمة.
وتعني الرأسمالية ما بعد الليبرالية في الداخل، بهذا المعنى، إضعاف البرلمانات وتعزيز السلطة التنفيذية. وقد تم تعزيز إعادة تشكيل الدولة الاستبدادية في الولايات المتحدة في عهد ترامب، لكن سياسة الأوامر التنفيذية لها تاريخ أطول ولن تنتهي مع ترامب.
أما العسكرة فهي عرضٌ ودليلٌ تحذيري على الرأسمالية ما بعد الليبرالية: فـ «نقطة التحول التاريخية» التي كان يُفترض أن تمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية والأمنية لألمانيا، أُعلنت من الأعلى من قبل المستشار نفسه ـ وهو أمر مثير للجدل من الناحية الديمقراطية في شكله قبل مضمونه.
ولم يحدث أي تشكّل حقيقي للإرادة السياسية عبر المدارس والمعاهد المهنية والجامعات، أو عبر الجمعيات المحلية للأحزاب، أو في البرلمان، أو النقابات العمالية، أو اتحادات أرباب العمل، أو المنظمات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية. كما تم استدعاء برلمان كان قد تم حله بالفعل من أجل تعديل دستوري يهدف إلى تعليق «كبح الديون» فقط فيما يتعلق بالإنفاق العسكري.
وبما أن الرأسمالية ما بعد الليبرالية لم تعد تقوم على الدمج السياسي والاجتماعي، وبما أن أزمة الهيمنة والتمثيل تتفاقم، فإن الحقوق والحريات تتعرض هي الأخرى للتقييد المتزايد. ويتم فرض حظر مهني جديد، وتُناقش إمكانية حظر أحزاب سياسية، ما يمنح الدولة البورجوازية، كما في تاريخها دائماً، صلاحية التحرك مجدداً ضد اليسار. كما تعود عقلية الحرب الباردة الجديدة، التي تضع الآراء المخالفة بشأن التسلح والعسكرة والسياسة الخارجية تحت شبهات «الخيانة العظمى» (مثل «الطابور الخامس»).
نهاية الهيمنة الأورو-أطلسية
إن عالم اليوم أصبح متعدد الأقطاب بشكل لا رجعة فيه. وكل محاولات الولايات المتحدة لعرقلة صعود الصين والجنوب العالمي قد فشلت: سواء استراتيجية جورج بوش الابن للسيطرة على موارد الطاقة الأحفورية العالمية (2003–2009)، أو استراتيجية أوباما للهيمنة على الممرات البحرية ومحاصرة الصين (2009–2017)، أو استراتيجية ترامب وبايدن في الحرب الاقتصادية (من 2017 حتى اليوم.(
كما أن محاولات فصل الصين عن الاتحاد الأوروبي وعن الجنوب العالمي ـ والعكس ـ قد فشلت، على الأقل فيما يتعلق بالجنوب العالمي الذي يتبع سياسة «التحالفات المتعددة. أما الورقة الأخيرة للإمبريالية الغربية فهي مراجعة سياسة «الصين الواحدة» عبر الدفع نحو استقلال تايوان، وهو ما لا يمكن للصين أن تقبله، وقد يؤدي إلى غزو صيني لتايوان. وبناءاًعلى ذلك، تبدو الولايات المتحدة كقوة تسعى إلى مراجعة النظام القائم، وتجد نفسها مضطرة لاستخدام القوة العسكرية. أما إذا بقيت سياسة «الصين الواحدة»، واستمر الصراع الأمريكي– الصيني دون حرب، فإن صعود الصين ومعه صعود الجنوب العالمي سيصبح غير قابل للإيقاف.
يرحب ما بعد الكولونياليين ومناهضو الإمبريالية بهذا العالم ما بعد الأمريكي وما بعد الغربي. وفي الغرب، تسارعاً بفعل حرب غزة، ظهر نوع جديد من Trikontismus، أي القارات الثلاث أسيا، افريقيا، وأمريكا اللاتينية [أي ما يسمى "العالم الثالث" - المترجم]. وهذا التيار ـ أيضاً نتيجة سياسات القمع غير الليبرالية ضد شباب التضامن مع فلسطين ـ لا يتبنى «الدولة الوطنية» أو مواقف معسكره الإمبريالي، ولا يعتمد على تحالفات برلمانية مع أحزاب التسلح والتصعيد، بل يرى أن العدو الأساسي لا يزال في الداخل.
وفي الوقت نفسه، يواجه هذا التيار المناهض للإمبريالية خطر نسيان أن العالم لا يضم فقط «شعوباً مضطهدة» تسعى للتحرر من الإمبريالية ما بعد الاستعمارية، بل أيضاً ـ وربما قبل كل شئ ـ «طبقات مُستغَلّة». فمناهضة الإمبريالية وموقفها المناهض للنظام القائم في الغرب صحيحان، لكن عندما يتحول منطق «عدو عدوي صديقي» إلى صمت عن جرائم أنظمة مثل الثيوقراطية الإيرانية، فإن ذلك يعني خذلان المعارضة الشيوعية في إيران وتقديم خدمة سيئة للأممية الاشتراكية البروليتارية.
إن التعددية القطبية الجديدة تمثل قطيعة تاريخية كبرى، ونهاية 500 عام من الهيمنة الأورو-أطلسية على العالم. وهي تتيح عالماً يمكن فيه للشعوب أن تتعامل على قدم المساواة ـ إذا تمكن الغرب من معالجة جرحه النرجسي الجماعي نفسياً، وقبول أنه لم يعد يتصدر العالم في مجالات البراءات، والنمو، والازدهار، والبنية التحتية، والتصدير الثقافي، والعلوم أو حتى ترتيب الميداليات الأولمبية.
ومع ذلك، فإن العالم متعدد الأقطاب الجديد يحمل أيضاً مخاطر كبيرة على السلام العالمي:
أولاً، هناك عدم تطابق بين المؤسسات متعددة الأطراف التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية ـ عندما كانت الولايات المتحدة تنتج نحو 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ـ وبين موازين القوى الحالية في العالم. وينطبق ذلك على الأمم المتحدة، وعلى مجموعة السبع/الثماني (G7/G8)، وحتى على مجموعة العشرين (G20).
ثانياً، نشهد اليوم تآكلاً متسارعاً للقانون الدولي وعودة سياسات القوة الكبرى بشكل صريح. وكما لاحظ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بشكل صحيح، فإن ما يُسمى بـ«النظام الدولي القائم على القواعد» كان دائماً نظاماً إمبريالياً، تحكمه مصالح تُقدَّم في ثوب قيمي، وهو ما أنتج النفاق الفاضح في السياسة الخارجية (الغربية). واليوم تتآكل الثقة في قدرة القانون الدولي على التوفيق بين المصالح والقيم معاً.
ثالثاً، يضاف إلى ذلك أن جميع أنظمة المعاهدات متعددة الأطراف والثنائية التي كانت تهدف إلى تقليل المخاطر، وجميع اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية والتسلح من حقبة الحرب الباردة، قد تعرضت للتآكل: معاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF)، ومعاهدة «الأجواء المفتوحة» (Open Skies)، وكذلك هذا العام معاهدة «ستارت» (START. وبذلك أصبح العالم أكثر خطورة بكثير.
رابعاً، في ظل موازين القوى الجديدة وأنظمة الأسلحة الجديدة، هناك حاجة إلى اتفاقيات متعددة الأطراف جديدة كلياً من أجل تقنين بؤر الخطر الهائلة. فالحروب تؤدي دائماً، على سبيل المثال، إلى ثورة في قوى الإنتاج. ويمكن استخدام جميع قوى الإنتاج أيضاً كقوى تدمير، فالمعرفة هي قوة للسيطرة على الطبيعة، لكنها أيضاً وسيلة لسيطرة الإنسان على الإنسان. وقد وصف ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو ذلك بـ «جدل التنوير».
ففي الحرب العالمية الأولى، كانت الجيوش تقاتل بالخيول والمدافع والبنادق، وخلال أقل من أربع سنوات تحولت الحرب إلى دبابات وغازات سامة وقصف جوي. أما حروب السنوات الأخيرة فقد أنتجت، عبر الطائرات المسيّرة الموجهة عن بُعد، تقنيات تدمر معدات عسكرية بملايين الدولارات وتقتل البشر عن بُعد. وفي الحروب الجديدة التي تخوضها إسرائيل، والولايات المتحدة أيضاً في الشرق الأوسط، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة أساسية في الحرب: فالآلة تقرر ما إذا كان «الهدف عالي القيمة» المفترض، الذي تم تحديده عبر الهاتف المحمول، يبرر قتل 20 أو 50 أو 250 مدنياً كـ «أضرار جانبية». وإذا لم يتم تقنين هذه الأتمتة للحرب، والتي تشمل أيضاً الروبوتات، فإن البشرية ستفتح باب الجحيم.
الإمبريالية أم المستقبل
باختصار، تقف ألمانيا وأوروبا والغرب والإنسانية أمام مفترق طرق حاسمة. وينطبق هنا شعار فيلم شهير لألكسندر كلوغه: «في الخطر وفي أقصى حالات الطوارئ، الطريق الوسط يؤدي إلى الموت» (1974). لا يوجد طريق وسط، ولا إمكانية «من جهة ومن جهة أخرى»: إما أن تواصل أوروبا التمسك بوهم الأمن المطلق، وهو وهم يتحقق دائماً على حساب الآخرين ولا يؤدي إلاّ إلى سباق تسلح وحروب (كما يتهم الجنوب العالمي الغرب بذلك)، أو أن تساهم أوروبا في تقليل مخاطر النظام العالمي متعدد الأقطاب غير القابل للعكس من خلال بناء أنظمة للأمن المشترك والتعايش السلمي.
إما أن تتجه أوروبا نحو تراجعها المتسارع عبر تمسّكها بالتحالف المواجه مع الولايات المتحدة (وعلى سبيل المثال إرسال ألمانيا سفناً حربية للمشاركة في مناورات في بحر الصين الجنوبي)، أو أن تسعى أوروبا إلى «استقلال استراتيجي» عن الولايات المتحدة، وأن تقترب بشكل متوازن وفعّال وتصالحي من مجموعة بريكس (BRICS)، وأن تضع نفسها كقوة مستقلة ذات توجه سلمي قائم على القانون الدولي.
من المؤكد أن القانون الدولي كان دائماً أداة محدودة في مجتمع رأسمالي تنافسي، حيث لا يُمارس هذا التنافس على المستوى الدولي إلاّ عبر أشكال عنيفة. فالرأسمالية، من حيث المبدأ، ليست قادرة على تحقيق السلام. لكن بما أن نهاية الرأسمالية لا تبدو وشيكة على المدى القصير، فإن نظام سلام قائم على قواعد القانون الدولي يظل شرطاً أساسياً لكي يمكن التفكير أصلاً في هذا الأفق، ولكي تتمكن القوى التي تسعى إلى مثل هذا التحول الجذري من التطور. والبديل عن ذلك هو البربرية.
----------------------------
(*) إنغار سولتي: هو باحث في شؤون السياسة الخارجية والسلام والأمن في مؤسسة روزا لوكسمبورغ، ومؤلف العديد من المنشورات حول القضايا الدولية والسياسية.







