
تستند المفاوضات السياسية لاسيما في حالات الحرب والصراعات الحادة، على طبيعة مُتكأ المفاوض سواء كان سياسياً اوعسكرياً اواقتصادياً اوشعبياً، على ان يكون ذلك ضمن حاضرة ذكاء المحاور ونباهته لكي لايصاب بالغفلة وضبابية الرؤية.. وفي مطلق الاحوال يبقى الامر على تماس مع قاعدة توازن التنازلات المتبادلة، الموشومة بالحذر ذات البعد الاستراتيجي والحنكة التكتيكية المناورة، وياخذ حجم ابعاده الضرورية على طاولة الجدل والنقاشات، التي تنصب عادة على المطالب الكبيرة وحذافيرها، لكون عوامل الغفلة في بعض الاحيان تبعث بضلالها حينما تنِشأعلى اثر تحقيق بعض الاساسيات المقصودة.. غير انها تبقى وكأنها معلقة على حبل عبور الهاوية.
لقد شاهدنا خلال مراحل التفاوض بين الاطراف المتحاربة، إيران والولايات المتحدة الامريكية الدائرة حالياً في منطقة الخليج العربي تجليات صارخة لخبث ترمب. فحينما يحتاج لملمة قواه يلجأ او يكلف اعوانهم لدعوة ايران للتفاوض، غير انه وفي ذات الوقت يشدد التصعيد الهمجي والتهديد والتخويف الساذج، لكي يدفع ايران الى قبول فكرة التفاوض التي غالباً ما كانت تفتقر لاخذ الضمانات بوقف القصف كشرط لبدء بالعمل المقصود، وبعد افتضاح الخدعة تُستفز ايران وتتراجع عن الدعوة .. واذا تطلب ذلك وصفاً فهي "الغفلة المؤلمة" وقد تكررت للاسف اكثر من ثلاث مرات . كما تعبر عن ضعف الحنكة السياسية التي غالباً ما تولد النهج التجريبي المهلك.
اما المرة الاخيرة فقد حصلت في دعوة التفاوض في باكستان التي اسفرت عن هدنة مؤقتة، غير ان " الغفلة المؤلمة " من قبل إيران قد تجلت في عدم تاكيدها لأخذ ضمانات بشمول لبنان في هذا الاتفاق الاخير. في اقل تقدير ارتباطاً بمفهوم "وحدة الساحات" المعتمد لدى ايرن، مما دفع اسرائيل لاستغلال الفرصة لتمضي بكل قسوة، موغلة بشراسة عدوانها لسحق ما تبقى في الضاحية بجنوب لبنان وفي قلب بيروت ايضاً، وبعد ان صعد الاحتجاج واختنقت الضمائر الشريفة، تفجر التساؤل عن الهدنة وفواعلها الكفيلة بكبح العدوان الصهيوني، حينها انتبهت ايران ايضاً وطالبت بتطبيق الهدنة على لبنان، مع انها قالت قد اتفقت مسبقاً مع الادارة الامريكية بان تكون لبنان ضمن الاتفاق.. غير ان ترمب قد سارع بانكار ذلك، و تم التعتيم على هذه الجزئية التي لا شك انها منحت ضوءاً اخضراً لاسرائيل.. وهي تجسد " المغالبة الخبيثة" التي تتبعها ادارة ترمب وكذلك يدها الطويلة في الشرق الاوسط . والغفلة السياسية المدمرة لدى المفاوض الايراني.
وما انفكت اسرائيل ماضية في غيها تتعامل مع الشعب اللبناني والفلسطيني وكأنهما دخلاء على اراضي بلادهما وانهما شبه طريدين بلا ملاذ.. قالبة للمعادلة التي لا يقتنع بها حتى اجزاء مهمة من الشعب اليهودي، الذين لا يشكلون الا نسبة ضئيلة من السكان الاصليين لارض فلسطين، كما انها مستمرة لحقيق هدفها الاساس في نزعتها العدوانية المتمثل في اسقاط النظام الايراني، مع ان ترمب ذاته قد عجز عن ذلك.. وليست لها توافق يذكر مع الدعوات للتفاوض مع ايران. اما مع لبنان فقد خاصرتها الموجعة، قبلت التفاوض عن مضض كما يبدو في باريس، وبهدف محدد يقتصرعلى القضاء على "حزب الله" وسلاحه.. تلك هي المهمة الصعبة التي تعجز اسرائيل عن انجازها لسبب انها خارجة عن حدودها ومع شعب مقاوم، محاولة في ذلك تقليد سياسة ترمب التي امتدت تحاول اسقاط الانظمة المستقلة. مثل فنزولا وايران وتردف القول بان ثمة بلدان اخرى على قائمة الاسقاط، والتي سياتي دورها تباعاً ومنها العراق لا ريب في ذلك الذي تتكاثف عوامل السقوط فيه.. وان غداً لناظره قريب. .







