لم يعد العراق اليوم مجرد ساحة صراع إقليمي، بل تحوّل إلى جبهة مفتوحة تتقاطع فيها الضربات الخارجية مع الانهيارات الداخلية، في مشهد يعكس أزمة مركبة تهدد بنية الدولة ومعنى الوطن معًا. فبينما تتوالى الهجمات عبر الحدود، تستمر في الداخل عمليات الهدم الذاتي بصور مختلفة، سياسية، أمنية، واقتصادية.

من الخارج، لا يكاد يمر وقت دون أن تُنتهك السيادة العراقية تحت ذرائع متعددة. ضربات جوية، عمليات عسكرية، صراعات نفوذ بين قوى إقليمية ودولية تُدار على الأرض العراقية. يتحول البلد إلى ساحة رسائل متبادلة، فيما المواطن العراقي هو من يدفع الثمن.

لكن الأخطر من ذلك كله، هو ما يحدث في الداخل. فالعراق لا يُضرب فقط من الخارج… بل يضرب نفسه بنفسه.

تتجلى هذه الحقيقة في استمرار ظاهرة المليشيات المنفلتة التي تعمل خارج إطار الدولة، وتمتلك من السلاح والنفوذ ما يجعلها في كثير من الأحيان أقوى من المؤسسات الرسمية نفسها. هذه الجماعات لا تكتفي بتقويض هيبة الدولة، بل تُكرّس منطق “الدولة داخل الدولة”، وتفتح الباب أمام الفوضى وتصفية الحسابات، بعيدًا عن القانون.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع غياب المساءلة والإفلات من العقاب، فكم من ملفات فساد كبرى أُغلقت دون محاسبة؟ وكم من انتهاكات مرت دون تحقيق جاد؟ هذا الواقع لا يضعف الثقة بالدولة فحسب، بل يغذي شعورًا عامًا بالظلم، ويدفع نحو مزيد من الانفلات. ففي أكتوبر 2019، خرج آلاف العراقيين في احتجاجات واسعة رفضًا للفساد وسوء الخدمات. لكن الرد لم يكن إصلاحًا بقدر ما كان قمعًا. ووفق تقارير رسمية ومنظمات حقوقية، قُتل المئات من المتظاهرين وأُصيب الآلاف، في واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ العراق الحديث. واليوم تستمر الاغتيالات والتهديدات لكتم أصوات الحق والعدالة. والسؤال الذي بقي دون إجابة حتى اليوم أين الحساب والعقاب.

أما سياسيًا، فإن المحاصصة الطائفية ما زالت تمثل العائق الأكبر أمام بناء دولة حقيقية. فقد تحولت إلى نظام توزيع غنائم بدل أن تكون صيغة تمثيل، ما أدى إلى شلل مؤسساتي دائم، وتغليب الولاءات الضيقة على المصلحة الوطنية. الانقسامات السياسية لا تُدار داخل أطر ديمقراطية ناضجة، بل غالبًا ما تنزلق إلى صراعات تعطل القرار وتمنع الإصلاح.

واقتصاديًا، ورغم الثروات الهائلة، يعيش العراق مفارقة قاسية: موارد ضخمة، مقابل خدمات متدهورة. السبب لا يكمن فقط في سوء الإدارة، بل في منظومة فساد متجذرة تستنزف الموارد وتعيد إنتاج نفسها باستمرار.

يُضاف إلى هذا المشهد المعقّد تأثير الحرب والصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، الذي اتخذ من العراق ساحة رئيسية لتصفية الحسابات. فمنذ عام 2003، ومع سقوط النظام السابق، دخلت القوات الأمريكية إلى العراق، وترافق ذلك صعود نفوذ إيراني متزايد داخل مفاصل الدولة والمجتمع.

هذا التداخل خلق حالة من “الازدواج السيادي”، حيث تتقاطع قرارات الداخل مع حسابات الخارج. ومنذ ذلك الحين، أصبح العراق مسرحًا لهجمات متبادلة، استهداف قواعد تضم قوات أمريكية، وردود عسكرية، وضربات جوية تُنفّذ داخل أراضيه.

هذا الصراع لم يُضعف فقط هيبة الدولة، بل قيّد قرارها السياسي، وجعلها في كثير من الأحيان عاجزة عن تبني موقف سيادي مستقل. كما عزّز من دور الفصائل المسلحة المرتبطة بمحاور خارجية، ما عمّق الانقسام الداخلي وربط الاستقرار العراقي بمسارات صراع لا يملك السيطرة عليها. وفي النهاية، لم يعد العراق متأثر بالصراع الأمريكي الإيراني فقط، بل أصبح جزءًا من معادلته، يدفع كلفة كل تصعيد، دون أن يكون طرفًا حقيقيًا في قراره.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الملح: هل العراق ضحية فقط… أم شريك في أزمته؟

الإجابة الصعبة هي أن العراق يقف اليوم في منطقة رمادية بين الاثنين. فهو بلا شك يتعرض لضغوط وتدخلات خارجية، لكنه في الوقت ذاته يعاني من خلل داخلي عميق يفتح الباب أمام هذه التدخلات ويجعلها ممكنة.

إن استعادة العراق لعافيته لا تبدأ من الحدود، بل من الداخل عن طريق بناء دولة قوية تحتكر السلاح، وتفرض القانون، وتُعيد الاعتبار للمواطنة بدل الطائفة. وإصلاح سياسي حقيقي ينهي نظام المحاصصة، ويُطلق كفاءات وطنية قادرة على الإدارة. وإرادة جماعية ترفض الفساد، وتؤمن بأن بقاء الدولة هو الضمان الوحيد للجميع.

العراق لا يحتاج فقط إلى حماية من الخارج...

بل يحتاج قبل ذلك إلى إنقاذ نفسه من الداخل.

6 نيسان 2026