
تواصل إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب سياستها العدوانية المتشددة في أمريكا اللاتينية . فبعد فنزويلا، تبدو كوبا اليوم الهدف التالي، إذ مُنعت كاركاس من تزويد هافانا بالنفط، الأمر الذي يضع الجزيرة، التي تعاني أصلاّ سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة ،أمام وضع بالغ الصعوبة، على آمل إخضاعها.
هل هذه نهاية الثورة الكوبية ؟ يبدو أن الرئيس الامريكي ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيرو مصممان على تحقيق هذا الهدف، بحثا عن غنيمة امبريالية جديدة، عبر تطبيق الأسلوب نفسه الذي استخُدم ضد الحليف الاول لهافانا وداعمها الاقتصادي منذ مطلع الألفية. بالنسبة إلى واشنطن، لا يبدو أن هناك سوى مصير واحد لخصومها في أمريكا اللاتينية : الخضوع ، غير أن الطريق إلى ذلك قد يمر عبر مسارين . الاول هو مسار التفاوض تحت ضغط التهديد والعقوبات، بما يفضي إلى " اتفاق" بشروط امريكية . أما إذا ثبت أن هذا الخيار غير عملي، يصبح الخيار الثاني ضرورياّ، كما حدث مع فنزويلا، وهو اللجوء إلى استخدام القوة الغاشمة. في هذا السياق، يصعب التنبؤ بسلوك الرئيس ترامب، الذي يحدد بنفسه قواعد اللعبة ومسار التفاوض ونهاياته. ففي أية لحظة بإمكانه تغير رأيه واعلان المواجهة .
أظهرت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو في 3 يناير/كانون الثاني، ذروة تدخل عسكري امريكي واسع النطاق وغير قانوني. كما أمرت واشنطن كاركاس بوقف شحنات النفط الى كوبا فوراّ، مما وضع كوبا في موقف حرج، كونها تعتمد كليا على فنزويلا في مجال الطاقة، في وقت تعاني فيه أصلا أزمة اقتصادية واجتماعية حادة منذ جائحة كوفيد 19 .
تجد كوبا نفسها اليوم في مأزق مزدوج . فمن جهة، تواجه ضغطاّ من قوة عظمى تسعى إلى محو الإهانة التي ألحقتها بها الجزيرة بمقاومتها طوال ستة عقود، وتدمير ما تمثله من رموز ( الاستقلال، الثورة، الشيوعية). من ناحية اخرى، تعاني البلاد من عجز واضح عن معالجة الاشكالات البنيوية التي أفرزها نموذجها السياسي والاقتصادي منذ نهاية الحرب الباردة،.
نستحضر هنا كلمات فيدل كاسترو، الراحل في مطلع القرن الحادي والعشرين، والذي قاد البلاد بين عامي 1959و 2006 قائلا : ( عندما اختفى الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي في أوربا، صُدمت كوبا بشدة من قوة الضربة. بين عشية وضحاها، أصبحنا وحيدين). وأضاف :( لقد فقدنا جميع اسواق السكر، ولم نعد نتلقى الغذاء أو الوقود ولا مستلزمات النظافة) .ففي تلك المرحلة كان الإنتاج المحلي محدوداّ، وكانت صادرات السكر والتبغ والحمضيات تتجه أساساّ إلى موسكو ودول المعسكر الاشتراكي.
تراجع الضغط نسبياّ في مارس/اذار 2016، عندما قام الرئيس الامريكي باراك أوباما بزيارة تاريخية إلى الجزيرة، لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن أقدم عليها منذ عقود. وكانت هافانا وواشنطن قد شرعتا منذ أواخر 2014 في عملية تطبيع العلاقات بينهما، بقيادة راؤول كاسترو، وفي عام 2015، أعاد البلدان فتح سفارتيهما بعد اربعة وخمسين عام من القطيعة الدبلوماسية التي بدأت عام 1961، قبل أن تفرض الولايات المتحدة حصارها على كوبا عام 1962، وهو الحصار الذي تؤكد هافانا أنه لا زال قائما حتى اليوم .
خفف الرئيس أوباما بعض العقوبات المفروضة على الجزيرة، وهي العقوبات التي بدأت في عهد الرئيس جون اف كيندي، واستمرت عبر إدارات أمريكية متعاقبة. وقد اعتبر أوباما أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها، ما دفعه إلى انتهاج سياسة مختلفة، ساهمت في تخفيف القيود آنذاك في ازدهار قطاع السياحة وزيادة تدفق العملات الأجنبية. وفي تلك الفترة أطلقت كوبا مشروع " تحديث النموذج الاقتصادي والاجتماعي للتنمية الاشتراكية" الذي قام على ثلاثة ركائز أساسية : تطوير قطاع السياحة، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية بصورة مدروسة، وزيادة تدفق العملة الصعبة إلى الاقتصاد . .
يرافق هذا التوجه انفتاح تدريجي للاقتصاد سمح بظهور مشاريع خاصة صغيرة، مع استمرار تصدير الخدمات الطبية الى عدد من الدول، كما هو الحال مع فنزويلا منذ عام 2000، مما يوفر لهافانا وسيلة لسداد وارداتها من الطاقة. وبحلول عام 2014 أصبحت فنزويلا الشريك التجاري الاول لكوبا، إذ مثلت نحو 45% من تجارتها الخارجية ، بما يعادل 20% من ناتجها المحلي الاجمالي.
غير أن هذه الآمال لم تدم طويلاّ. فمع وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، انتهى مسار التقارب، وفرضت واشنطن مئات الإجراءات العقابية الجديدة على كوبا، استهدفت السياحة والاستثمارات الأجنبية والتحويلات المالية من الجالية الكوبية في الخارج، التي تتركز معظمها في ولاية فلوريدا. في الوقت نفسه، دخل الاقتصاد الفنزويلي في أزمة عميقة نتيجة العقوبات الامريكية والمشاكل الداخلية، ما أدى إلى تراجع إمدادات النفط إلى كوبا، وانعكس مباشرة على اقتصاد الجزيرة.
تحديث النموذج الاقتصادي بعد أكثر من عقد ،أظهر محدودية المحاولة، إذ لا تزال كوبا تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها الأساسية، بما في ذلك الغذاء والطاقة والمعدات الصناعية، في حين تبقى صادراتها محدودة وتتركز في السكر والتبغ والحمضيات وبعض المعادن والخدمات الطبية.
سياسيّا، بدَد فوز ترامب في الانتخابات الامريكية الاخيرة آمال التقارب، وفرضت إدارته أكثر من 943 إجراء عقابي ضد هافانا. وفي عام 2021 أدرجت الولايات المتحدة كوبا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو قرار ما تزال البلاد تعاني تداعياته الاقتصادية.
تُظهر هذه التطورات أن كوبا لم تتمكن حتى الآن من تحقق سيادة اقتصادية حقيقية. وقد انقسم المحللون طويلاّ حول ما إذا كانت أزمتها تعود أساساّ إلى الحصار الامريكي أم إلى سياسات الحكومة الاقتصادية .
تبدو اليوم الجزيرة، كما وصفها فيدل كاسترو ذات يوم " معزولة" فحلفاؤها التقليديون (روسيا والصين) لا يظهرون استعداداّ واضحاّ لمواجهة واشنطن، بينما تراجعت الدول الدائمة، التي كانت تعتمد عليها في السابق مثل الجزائر، انغولا، تحت ضغط واشنطن بفرض العقوبات.
في هذه الظروف، تقف كوبا أمام مفترق طرق حاسم : إما التكيف مع الضغوط الامريكية عبر انفتاح اقتصادي أوسع، أو مواصلة الصمود في مواجهة أزمة اقتصادية متفاقمة. وفي كلا الحالين، يبدو أن الجزيرة تدخل مرحلة جديدة من تاريخها، قد تعيد رسم ملامح النظام الذي نشأ بعد الثورة الكوبية .
-لوموند دبلوماتيك- مارس 2026







