استكمالا لما طرحنا في القسم الأول، تعقيبنا على بيانات (الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية العراقية) بشأن التلوث الإشعاعي في جسر الطوبجي ببغداد، الذي تم الكشف عنه قبل أيام، نُظيف ان بياناتها أوحت باستهانتها بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم عبر ”طمأنتها " للمواطنين: " لا خطورة إشعاعية في الموقع على الصحة العامة والبيئة "، ولم تتأكد بعد من وجود، أو عدم وجود، الإشعاع هناك.

والمفارقة هي قيام فريق الهيئة بما يلزم في مثل هذه الحالة ( احتمال وجود خطر إشعاعي):بارتداء الألبسة الواقية، من بدلات وكمامات وكفوف وأحذية خاصة، وتهيئة الأدوات اللازمة للعمل، قبل الدخول للمنطقة المشكوك بتلوثها بالإشعاع. وعزل وتطويق المكان الملوث، ووضع إشارات تمنع الاقتراب من الموقع. وقد شاهد ذلك الملايين على شاشات التلفزيون. وحذا حذوهم صحفيون نصحهم أطباء بوجوب استخدام الأدوات الواقية أثناء إجراء تحقيقاتهم في المنطقة.

المفارقة الأخرى هي تفنيد الهيئة بوجود تلوث إشعاعي، واتهمت الإعلام بالتهويل، بينما أكد فريقها وجود التلوث الإشعاعي. والهيئة نفسها قالت: " الجهات المختصة تواصل أعمال معالجة التلوث الإشعاعي الذي تم رصده في إحدى ركائز الجسر، وان (مديرية النفايات المشعة وتصفية المنشآت النووية) التابعة لـ(هيئة الطاقة الذرية) هي التي تُنفذ عمليات الإزالة. وأوضح مدير (مديرية الطوارئ النووية والإشعاعية) محمد جاسم محمد: "الإجراءات الميدانية شملت عزل الموقع وتطويقه بالأشرطة التحذيرية وتقييد الدخول إلى المنطقة بالمخولين فقط، فضلاً عن اتخاذ تدابير وقائية للحد من انتشار التلوث، تضمنت استخدام مواد عازلة وتأمين بيئة عمل آمنة للفرق الفنية المنفذة". وشدد على أن "جميع الإجراءات تُنفذ وفق الضوابط المعتمدة وبما يضمن حماية المواطنين والعاملين والبيئة المحيطة" ..

 ونعود الى انزعاج الهيئة من القلق الذي أبداه المواطنون تجاه وجود التلوث الإشعاعي في الجسر، ولم تشاركهم القلق، متجاهلة خطورته، ناكرة على المواطنين حقهم ان يقلقوا حتى لو كانت جرعة الإشعاع واطئة، لأنهم عاشوا ومازالوا يعانون تداعيات الكارثة البيئية والصحية المتفاقمة، التي سببها التلوث الإشعاعي، وعجزت السلطات، بل فشلت في درئها، رغم الظاهرة التي ميزت بها العراق، ألا وهي تعدد الجهات الرسمية التي تقوم بمهمة واحدة، وتعدد المسؤولين غير الكفوئين والجهلة والفاشلين، ضمن الصراع على النفوذ والامتيازات.

ففي موضوعنا، توجد: (هيئة الرقابة من الإشعاعات المؤينة) و(مركز الوقاية من الإشعاع) و(الهيئة الوطنية للسيطرة على المصادر المشعة) و(مديرية السلامة الإشعاعية والنووية) و(الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية) و(هيئة الطاقة الذرية العراقية) وتشكيلاتها العديدة، ومنها: "مديرية التطبيقات" و"مديرية النفايات المشعة" و"مديرية تصفية المنشآت والمواقع النووية" و"مديرية السلامة الإشعاعية والنووية" و (مديرية الطوارئ النووية والإشعاعية)، وغيرها.

   ويتضح بجلاء ان الجهات المذكورة لها نفس المهمة، وهي مثال صارخ على التعددية غير المبررة للمؤسسات العراقية، وكثرة المدراء العامين ووكلائهم ومستشاررهم، وبناياتها ومعداتها وكوادرها وفنيها، وصرفياتها.

والمفارقة المُعيبة ان رئيس (هيئة الطاقة الذرية) حاليا هو المليشياوي نعيم العبودي، أضافة لوظيفة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والعلوم والتكنولوجيا. وهو لا علاقة له بالعلم والإشعاع والنفايات النووية والطاقة الذرية. ويحمل شهادتي ماجستير ودكتوراه مزورتين اشتراهما من جامعة إسلامية لبنانية مشبوهة

 ولمن لا يعرف، ولمن يستهين بمخاطر التلوث بإشعاعات اليورانيوم، نقول:

    لقد استخدمت القوات الأمريكية وحليفاتها على العراق، في حربين مدمرتين، كميات هائلة من ذخائر اليورانيوم "المنضب"، وخلفت اَلاف الأطنان من المخلفات الحربية المُشعة في العراق. تؤكد تقديرات الخبراء العسكريين والمتخصصين ان الكمية تجاوزت الـ 3200 طناً مترياً، لوثت بإشعاعاتها حتى المحافظات التي لم تقصف بأسلحة اليورانيوم، من خلال انتقال الإشعاعات إليها عبر الرياح، وعبر نقل الحديد السكراب المضروب إليها.

وقد أحدثت كارثة صحية رهيبة لا مثيل لها، بحيث لا توجد عائلة عراقية سلمت من تداعياتها، منتجة

كم هائل من الحالات المرضية الغريبة والشديدة لدى سكان المناطق التي تعرضت للقصف، خصوصاً في محافظات العراق الوسطية والجنوبية، ومنها:

·        كثرة حالات الإجهاض (الإسقاط) المتكرر، والولادات الميتة.

·        ظهور حالات تشوهات ولادية (خلقية) ليست فقط رهيبة، بل وغير معروفة طبياً من قبل.

·        انتشار العقم لدى الرجال والنساء، وبينهم من خلف أو أنجب من قبل. يشهد على ذلك مستشفى السامرائي التخصصي ببغداد.

  ·        انتشار الإصابات السرطانية في المناطق التي قصفت بأسلحة اليورانيوم.

 ·        انتشار الإصابات السرطانية وسط عوائل لم يُصب أحد منها من قبل، أي لا تحمل العامل الوراثي، وإنما لكونها تقطن في مناطق قُصِفت بأسلحة اليورانيوم. وإصابة أكثر من فرد في العائلة الواحدة.

 ·        لاحظ الأطباء في المناطق الجنوبية، وأولهم الباحث الراحل الدكتور جواد العلي، في البصرة، إصابة المريض الواحد بأكثر من حالة سرطانية (2 و3 وحتى 4 حالات) في اَن واحد.

 ·        إنشار أمراض سرطانية وسط أعمار غير الأعمار المعروفة طبياً، مثل سرطان الثدي لدى فتيات بعمر 10 و12 سنة، وسرطانات أخرى نادراً ما تصيب شريحة الأطفال.

·        ارتفاع الإصابات السرطانية والوفيات بالسرطان بنسب عالية جداً، بلغت أضعاف ما كانت عليه قبل عام 1989.

نتيجة للتلوث بإشعاعات اليورانيوم أُصيب مئات الآلاف من المواطنين العراقيين بأمراض عضال، في مقدمتها الأمراض السرطانية الخطيرة. وقد أثبت العلماء العراقيون والأجانب علاقتها الارتباطية بالتعرض لإشعاعات تلك الذخائر ومخلفاتها الحربية المُشعة .

 واتخذ إنشار السرطان في العراق طابعاً وبائياً. وحصد ويحصد منذ ثلاثة عقود ونيف، بلا هوادة ولا رحمة، حياة الآلاف من العراقيين والعراقيات، وفي مقدمتهم الأطفال. وقد تجاوزت الإصابات السرطانية أكثر من مليون و100 ألف إصابة، والوفيات بالسرطان أكثر من 300 ألف وفاة.

ومع ان وزارة الصحة لا تسمح بالاطلاع على الإحصائيات الحقيقية، وتعتم عليها، بل وتشوهها، بهدف التقليل منها، إلا ان الحقائق سرعان ما انكشف. ففي عام 2008 أعلنت د.نرمين حسن، وزير البيئة أن عدد الإصابات السرطانية ارتفع الى أكثر من 140 ألف إصابة. وفي اَيار 2011،أعلنت د. لقاء الياسين، رئيسة لجنة الصحة والبيئة النيابية سابقاً، ارتفاع العدد الى 640 ألف. وفي نيسان 2014 كشف محافظ بغداد علي محسن التميمي، ان المحافظة تملك إحصاءات رسمية تؤكد تسجيل 600 ألف مواطن مصاب بالسرطان من بغداد وحدها.

وقد شهد الجميع كيف تقف وزارة الصحة عاجزة تجاه المعضلة، وللتغطية على عجزها وفشلها يردد المتحدثون باسمها كذباً وزوراً:" لا توجد زيادة في الإصابات السرطانية في العراق" و"معدلات السرطان في العراق ضمن الحدود الطبيعية" ، وبلغت مزاعم المتحدث الحالي حد القول: " معدل السرطان في العراق أفضل من المعدلات الأوربية"!!وقد فندت مزاعمهم إحصاءات (مجلس السرطان العراقي)  التي بينت تصاعد الإصابات السرطانية الجديدة السنوية، والتي بلغت في عام 2024 أكثر من 46 ألف حالة سرطانية جديدة، من المسجلة لديه فقط. وهو ما يعكس تصاعداً كبيراً في معدلات المرض مقارنة بتقديرات ما قبل حرب عام 1991.

 ولكثرة الأمراض السرطانية، واضطرار المرضى للسفر للخارج للعلاج، اضطرت وزارة الصحة ان تعلن، قبل أيام، أنها تسعى الى إنشاء وافتتاح المزيد من المراكز المتخصصة بعلاج الأورام الخبيثة والسرطانات، وتوفير الكوادر والمعدات اللازمة لعملها.

لقد لعب التعتيم والتضليل واللامبالاة والإهمال والتقصير وسوء الإدارة، بل وفشلها طيلة عقدين من الزمن، دوراً كبيراً في إنشار الإشعاع في أرجاء العراق، وفي تفاقم الكارثة الصحية التي سببها، والتي راح ضحيتها مئات اَلاف العراقيين.

ولو كانت لدينا سلطتان تشريعية وقضائية ورئاسة ادعاء عام، تمتلك الكفاءة المهنية، والحرص الوطني، وتؤدي واجباتها بإخلاص وفاعلية  لخدمة الشعب والوطن ولحمايتهما، لا لخدمة المصالح الحزبية، في ظل المنظومة السلطوية الفاسدة ، لما سكتت عن المسؤولين والجهات المتورطة والمقصرة والفاشلة التي أوصلت البلد الى هذه الحالة المزرية والانهيار الخطير في مكافحة التلوث الإشعاعي وفي إنقاذ ومعالجة ضحاياه، في ظل "بركات" المنظومة السلطوية، التي جعلت العراق يتميز بظاهرة لا مثيل لها في أي بلد اَخر، ألا وهي تعدد الجهات الرسمية التي تقوم بمهمة واحدة، وتعدد المسؤولين ضمن الصراع على النفوذ والامتيازات. وفرضت مسؤولين ليس لهم علاقة بالمهمة لا من قريب ولا من بعيد.

ففي موضوعنا توجد-كما أسلفنا: (هيئة الرقابة من الإشعاعات المؤينة) و(مركز الوقاية من الإشعاع) و(الهيئة الوطنية للسيطرة على المصادر المشعة) و(مديرية السلامة الإشعاعية والنووية) و(الهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية) و(هيئة الطاقة الذرية العراقية) وتشكيلاتها: "مديرية النفايات المشعة" و"مديرية تصفية المنشآت والمواقع النووية ”و"مديرية السلامة الإشعاعية والنووية"، وغيرها.

 ولكل هذه الجهات نفس المهمة، وهي مثال صارخ على التعددية غير المبررة للمؤسسات الرسمية، وكثرة المدراء العامين ووكلائهم ومستشارهم، عدا بناياتها ومعداتها وكوادرها وفنيها وصرفياتها.

ختاما: كفى تضليلاً واستهانة وتجاهلاً للتلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم ومخلفاتها الحربية المشعة، فهي جريمة لا تغتفر بحق الشعب والوطن، التي حصدت أرواح الآلاف من أبناءه وبناته وعماد مستقبله !