
الثقافة العراقية بكل حقولها شهدت انحدارًا كبيرًا منذ العام 1979 وحتى اليوم فمع تولي صدام حسين السلطة واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، تمت عسكرة جميع مجالات الثقافة، من مسرح وسينما وأدب وفن وقصة ورواية وأغنية وموسيقى وفن تشكيلي وغيرها. وغابت الثقافة الجادة ليحل محلها ثقافة التمجيد، نتيجة الخوف أو الولاء الحزبي. حتى بلغت مرحلة كارثية عندما اقتحم صدام حسين نفسه مجال الرواية "بروايته" "زبيبة والملك". بعد الاحتلال انهارت ما تبقى من تلك الثقافة الكارثية، وتحولت إلى ثقافة طائفية تهيمن اليوم على المشهد الثقافي، أو ما تبقى منه. قبل عام 2003 كانت الثقافة بعثية، واليوم هي إسلامية، وبين هاتين الثقافتين الكارثيتين غير المنتجتين يدفع المثقف العراقي والثقافة العراقية ثمنًا باهظًا لهذا الانحدار المريع.
عادةً ما يتعرض الحزب الشيوعي العراقي للهجوم في شهر آذار من كل عام بمناسبة ذكرى تأسيسه، أو قبل الانتخابات البرلمانية والمحلية، أو أثناء التظاهرات المطلبية الكبيرة، مثل انتفاضة تشرين وغيرها من هبّات ووقفان شعبنا. هذه المناسبات تتحول إلى ما يشبه "بازار سياسي" لمهاجمة الحزب بسبب مواقفه السياسية تجاه مشاكل البلد المختلفة. مؤخرا، شهدنا هجوما من شخص يطرح نفسه كباحث، يدعى جمعة مطلك، الذي اتهم الحزب الشيوعي العراقي بتهمة لم يستطع حتى أعداؤه توجيهها إليه وهو يقول " الشيوعيون مسؤولون وعلى درجة كبيرة عن تردي الواقع الثقافي العراقي ..."، هؤلاء الأعداء الذين يمتلكون كل وسائل القمع، ويتحكمون بالإعلام وأدوات الفعل الثقافي، بما فيها برامج التعليم، ويجعلونها في خدمة سلطاتهم بدلا من تعزيز الواقع الثقافي الذي نحتاجه للنهوض بالإنسان العراقي. ويبدو أن جمعة مطلك، الباحث المعلن، ينظر إلى الثقافة من زاوية شعار يردده في الفضائيات، نتيجة عداء ايديولوجي، أو موقف مدفوع بمصالح شخصية، أو شعور بعدم القدرة على مقارنة نفسه بباحثين ومثقفين شيوعيين، أو لأسباب أخرى غيرها. للاختصار وعدم دخول " حداد خانة كما يقول المثل البغدادي" سنتناول وبسرعة بعض حقول الثقافة وتأثير الشيوعيين فيها، لنرى إن كان دورهم ايجابيا بناءً ام سلبيا مترديا. ففي حقل الشعر فأن اي عراقي له حظ ولو بسيط بالشعر والشعراء ناهيك عن باحثين حقيقيين، يعرف جيدا ان الحداثة الشعرية نشأت في وسط يساري / شيوعي من خلال شعراء تركوا بصمتهم في الشعر العراقي والعربي، لقصائدهم التي ارتبطت بقضايا الوطن والناس والعدالة الاجتماعية. كسعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي والفريد سمعان ورشدي العامل والسياب الذي خرج من معطف الحزب الشيوعي، وغيرهم العشرات، ناهيك عن شعراء شعبيون كعريان السيد خلف وكاظم اسماعيل الكاطع وناظم السماوي وشاكر السماوي. ايها " الباحث" : غائب طعمة فرمان لم يكن " يساريا منحطا" وهو يؤرخ تاريخ شعبنا في النخلة والجيران، ولم يكن فؤاد التكرلي ظاهرة مؤقتة وهو يكتب الرجع البعيد. هل تعرف "ماذا تعني ترجمة مؤلفات دوستويفسكي وتشيخوف وبريخت وسارتر وماركس وفرويد وغيرهم. من ترجم لهؤلاء لم يكونوا بعثيين ولا اسلاميين، بل مثقفون شيوعيون ويساريون رفدوا الثقافة العراقية بمجهوداتهم. هؤلاء الشعراء والروائيون والمترجمون ومن باقي حقول الثقافة لم يكتبوا برداءة مثقفي البعث ومثقفي السلطة اليوم، بل كتبوا من اجل شعبهم وبوجه السلطة، فعاشوا مطاردين ومنفيين وهناك من جفع حياته ثمنا لمواقفه ودفاعه عما تبقى من كرامة لثقافة اهدرت السلطات كرامتها. ان كنت ترى ايها " الباحث" مطلك ان ماجاء به هؤلاء ناهيك عن مسرحيين وفنانين تشكيليين وصحفيين وغيرهم" انحطاطا" ، فانك هنا لست على خلاف مع الشيوعيين واليسار بشكل عام، بل مع الثقافة نفسها. لو كنت باحثا حقيقيا لسألت نفسك: من دمر التعليم، من لاحق المثقفين، من اغلق الصحف والمجلات، من حول ويحول الثقافة الى مادة دعائية. اذا كنت حريصا على الثقافة العراقية كما تدعي، فلا تتهجم على اليسار الذي فقد قوته اليوم وهو غير مسؤول بالمرة عن الانحطاط الثقافي والاخلاقي والسياسي والاجتماعي بالعراق، كن جريئا وهاجم السلطة التي جعلت كل شيء في بلادنا منحطا، والا فانت لست بباحث بل مدع...







