
أمنية راودتني كثيراً وأنا أسير بدرب السياسة الطويل، كلما ذكرنا اسماً من شرفاء الطريق إلا ووطأت قدماه قلعة الفكر ومقام الإباء ومدرسة الأجيال التي تتلمذت في جنباتها قوافل المناضلين جيلاً بعد جيل، نقرة السلمان، نعم أمنيتي أن أزور المقام السامي المتربع على تلال بادية السماوة.
فنقرة السلمان التي رسمتها ذاكرتي وكما سمعت عنها، لابد من زيارتها وقراءة بعض ما حُفر على جدرانها، ففي يوم ممطر وعاصف وجدتني بمدينة السماوة، بدربي إلى أهلي قادماً من مقام غربتي الكويت، وعندما قرأت لوحة السلمان هاجت جوانحي وضجت ذكريات ما قرأت فما كان مني إلا أن اصطحبت رفيقاً لي وبقليل من التحدي توجهت صوب السلمان الذي يبعد أكثر من١٥٠ كم عن مدينة السماوة، كان الدرب موحشاً لا ترى إلا بين الفينة والأخرى سيارة تشعرك ببعض الأمان، كنت أزيد بسرعتي، من دون أن أعرف هل هو الخوف أم العجلة لرؤية مهد الفكر الوطني في العراق، تتناهبني ذكريات هذا السجن وشخوصه وتلك الصور التي اتحفنا بها الفيس بوك وقد أضافت لي دروساً وعمقت الرغبة لرؤية القاعات والردهات التي احتضنت القامات السامقة والأرواح الرفيعة، زادني الشوق وأنا اقترب من نقرة السلمان وأتنفس هواءها، وكم هو صعب دخولك إليها إلا بعد النداءات وتسليم الهويات، كلها تهون لرؤية الرمز.
أخبرني الشرطي المرافق بأن سيارتي لا تجتاز المرتفعات التي سنصل اليها مما دعاني وزميلي أن نصعد سيارتهم المعدة لهذا الغرض.
عند سفح الوادي تساءلت من أين انبثقت فكرة تأسيس هذا السجن وأي طاغية اقترح ذلك، فالسجن لا تغلق بوابته، ومن قرر الفرار فمصيره الهلاك عطشاً أو تتناهشه الذئاب، نعم هم الطغاة الذين يرهبهم ظل المناضل وتميتهم كلمته، فكيف فكروا بالسجن معتقلاً للأرواح النبيلة والعقول المشعة، وكيف بشباب امنوا بحلم سعيد اسمه العراق.
ترجلت من السيارة لأتلمس جدران القلعة/ السجن فوجدتها لازالت تحمل رسوم أصحابها لازالت ملونة بتلك الدماء الطاهرة وأنين أهل الفكر والعزيمة الذين تخضبت بهم أرض لازالت طرية وتحكي قصص التضحية وحكايات الألم والأنين.
وقفت بخشوع أمام تلك الأجساد المضرجة بالدم إثر التعذيب، نعم سمعت آهات الأبطال وقرأت بعض مدوناتهم وسمعت صوت النواب وعريان الذي يشحذ الهمم كما رأيت تلك الكوكبة من النقاد والمفكرين الذين دونوا أسطورة العشق الفكري الذي مشينا عليه.
وبعد رحلة أطللت بها من روازين الذاكرة وشبابيك الأيام وبعد أن تجسدت أمام عيني صور رفاقي وزملائي الذين جابهوا الطغاة بأجساد عارية عدت لأسأل نفسي هل كنا على خطأ أم نحن على طريق الصواب.
بعد عودتي من الرحلة ذهبت لأختي كي اسألها كيف استطعتم قطع كل هذه المسافة، فأجابتني كانت هي في سبيل الحصول على أي خبر لشبابنا الذين رحلوا مع قوافل الشهداء ودفنوا وهم أحياء.
رحلتي انتهت ولكن لم أنته من سؤال نفسي وبعد غربة دامت ما يقارب نصف القرن من السنوات، هل هناك مسؤول أوجّه اليه شجوني وأفتح بين يديه أسئلتي كي أحدد ملامح خيبتي، أم ستبقى تلك الاجابات مرحلة إلى القادم من الأيام.
نعم سؤالي أين الحزب الشيوعي بالذات، وكذلك القوى الوطنية وخاصة المكون الكردي الفيلي الذي ضجّت بمقابره الجماعية بادية السماوة.
أين أنتم من هذه القلعة التي أصبحت مزاراً للراغبين باستذكار مدرسة النضال والفكر، أليس هناك من يتحرك ليعمر هذا النصب التاريخي ألم تسمعوا بسجن الباستيل أو جزيرة سجن مانديلا؟ وقد تحولت الكثير من السجون في العالم إلى مزارات عظيمة، أفيقوا يرحمكم الله من أجل أن تعيدوا السجن إلى الحياة معلماً وطنياً ومقصداً لكل من يدرك المعنى العميق وراء جدرانه، وبإعادته إلى الحياة يتحقق التكريم الأوفى لجموع المناضلين الذي سجنوا واستشهدوا فيه.
اتوجه بندائي للفنانين والكتاب والمخرجين الذين تتلمذوا على فكرة هذه الثلة العظيمة والقيم الراقية كي يخلدوا معلميهم النجباء.
رسالتي هذه اضيفها لما يكتب بزمن اخفاقات القوى الوطنية لعل وعسى ان تكتب لنا رؤية هذا الصرح وقد أصبح شاهدا على عصر لم يعرف الذلة بل شموخ وطن اسمه العراق.







