في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة ضغط حاد انعكس مباشرة على الأسواق والدخل اليومي. إضرابات وإغلاقات في طهران، خصوصًا في محيط البازار الكبير، كشفت هشاشة الوضع المعيشي، وانطلقت موجة من الاحتجاجات التي لم تبدأ بشعارات سياسية، وإنما بسؤال بسيط عن إمكانية العيش.
عند هذه النقطة، تحوّل الاقتصاد إلى سياسة، وانتقلت الأزمة من الجيب إلى المجال العام.
اتّسعت الاحتجاجات إلى مدن ومحافظات كثيرة، ومع اتساعها تغيّرت اللغة، وتحولت إلى هتافات ضد رأس النظام، وغضب عارم من الحرس الثوري والأجهزة الأمنية القمعية، ورفض متصاعد لفكرة “الطاعة مقابل الأمان” التي تقوم عليها الدولة الأمنية للملالي.
إلا أن السبب العميق لهذه الأزمة ليس ارتفاع الأسعار فحسب، ولا بفعل قرار سياسي مفاجئ، وإنما بفعل تراكم طويل من اقتصاد محاصر بالعقوبات، وسوء إدارة، وفساد بنيوي، ومفاضلة دائمة بين تمويل الداخل وتمويل ما يُسمّى بالمجال الحيوي في الإقليم.
لذلك تبدو تظاهرات ديسمبر ٢٠٢٥ – يناير ٢٠٢٦ كأنها امتحان شرعية أكثر من كونها موجة غضب شعبي عابرة، حيث تحوّل الضغط الاقتصادي إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على إقناع الجموع الغاضبة بدل الاكتفاء بمحاولة قمعها.
أما سؤال “من يحركها؟”، وأعني التظاهرات، فهو في حد ذاته جزء من صراع السرديات.
في الشارع الإيراني، المحرّك الأول هو القاع الاجتماعي حين يضيق عليه السقف: تجار، عمال، شبّان، وطبقات وسطى تتآكل يومًا بعد يوم. هؤلاء لا يحتاجون إلى غرفة عمليات كي يغضبوا من اقتصاد ينهار ومن دولة ترى الناس ملفًا أمنيًّا قبل أن تراهم مواطنين. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن الساحة الإيرانية تحولت إلى مسرح تنازع قوى. المعارضة في المنفى تحاول تحويل الغضب إلى مسار سياسي واضح، وقد برزت دعوات رضا بهلوي للتظاهر، وظهرت إشارات إلى حضور شعارات مؤيدة له في بعض الحشود، وصفتهم إيران بالمندسين التابعين لإسرائيل، أو باعتبارهم جزءًا من “التحريك الخارجي” لتبرير القمع، وإلقاء الاتهام على الخصوم الإقليميين والدوليين، وهو نمط مألوف كلما اهتزت الأرض تحت أقدامها.
الحقيقة الأكثر قسوة أن أي احتجاجات واسعة في دولة محاصرة تصبح سريعًا قابلة للاختطاف من الجميع: من الداخل، حيث تتنازع أجنحة السلطة والأجهزة، ومن الخارج، حيث يراها الخصوم فرصة لإضعاف الدولة أو تغيير سلوكها. هنا تظهر مفارقة غرامشي القديمة، وكأنها كُتبت لهذه اللحظة: “تشاؤم العقل… وتفاؤل الإرادة”. العقل يرى ميزان القوة المختل، والإرادة ترى إمكانية الكسر، وبين الاثنين يعيش الشارع هذا التوتر الثقيل.
الشق الأمني للحرس الثوري يكتب سطره بالدم في هذه المعادلة. تقارير متعددة تحدثت عن قمع شديد، وإصابات مقصودة في العين والرأس، واعتقالات واسعة، وانقطاعات متكررة في الإنترنت والاتصالات تُصعّب توثيق ما يجري. وهذه ليست تفصيلة تقنية؛ حين تُقطع الشبكة لا ينقطع التواصل فقط، بل تنقطع أخبار ما يجري في الداخل، ويُترك من في الخارج للتأويلات والأخبار المتقطعة.
ثم تأتي الأبعاد المذهبية والهوياتية بوصفها وقودًا محتملًا إذا انزلق المشهد. إيران ليست كتلة واحدة؛ فيها قوميات ومناطق حساسة تاريخيًا: الكرد، والبلوش، وعرب الأحواز، وغيرهم. في لحظات الانهيار تتقدّم أسئلة المركز والهامش، واللغة والحقوق، من تحت ركام الاقتصاد.
أي نظام يضع الأمن فوق السياسة يكتشف، عند أول صدع حقيقي، أن السلم الاجتماعي لم يكن رضا عمّا يجري بقدر ما هو إذعان مؤقت يمكن أن يخرج عن السيطرة في أي لحظة.
أما السيناريوهات في حال سقوط النظام، أو دخوله طور التفكك، فهي متعددة ومفتوحة على احتمالات خطرة، وربما أخطر ما فيها أنها قد تتشكّل بسرعة أكبر من قدرة الإقليم على الاحتمال.
قد يحدث انتقال تفاوضي محدود تُعاد فيه هندسة السلطة مع بقاء أعمدة الدولة العميقة — الأمن، والاقتصاد الريعي، والحرس الثوري — مع واجهة مدنية تُجمّل المشهد وتفتح نافذة لتخفيف العقوبات، أو قد يحدث تغيير بلا قطيعة، يرضي من يبحث عن الاستقرار أكثر من بحثه عن تحول ديمقراطي حقيقي.
وقد يحدث تفكك أمني أو انقسام داخل المنظومة نفسها، يتقدم فيه الحرس الثوري، أو جزء منه، ليقدّم “نسخة منقذة” من النظام، أو مجلسًا يدير الدولة تحت شعار منع الفوضى. هذا المسار لا يعني سقوط الدولة بقدر ما يعني إعادة تعريفها على طريقة العسكر حين يرتدون ثوب الضرورة.
وقد يذهب الأمر إلى صدام أهلي أو هوياتي في الأطراف، خصوصًا إذا اجتمعت ثلاثة عوامل: انهيار اقتصادي حاد، وانشقاق في الأجهزة، وتدخلات خارجية مباشرة أو عبر وكلاء، كما يحدث في ليبيا واليمن والسودان الآن. وإذا حدث هذا السيناريو سيفتح الإقليم عينيه على سؤال مرعب: ماذا يعني أن تصبح إيران ساحة قتال مثل غيرها؟ وربما هنا تحديدًا يكمن الخطر الذي لا تلتقطه التحليلات الباردة، لأن الانهيار لا يمنح أحدًا ترف التحكم في إيقاعه.
في جميع هذه السيناريوهات، سيكون ملف البرنامج النووي وملف الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز، مركز جذب للتدخلات والضغوط.
انهيار الدولة أو انتقالها لا يغيّر أسماء القادة فقط؛ يغيّر ميزان الردع بأكمله.
التداعيات الإقليمية ستتوزع على مسارات متداخلة. شبكات النفوذ ستدخل مرحلة ارتباك؛ حلفاء إيران وأذرعها، مثل حزب الله والحوثيين، قد يفقدون التمويل أو يتصرفون باستقلالية خطرة، وخصومها قد يرون في ذلك فرصة لتصفية حسابات مؤجلة. أسواق الطاقة والأمن البحري ستبقى تحت ضغط دائم، لأن الإقليم الذي يعيش أصلًا على أعصاب الحرب لا يحتمل صدمة إيرانية طويلة. ثم هناك الهجرة واللجوء، حيث قد يدفع الانهيار الداخلي الواسع إلى موجات نزوح جديدة تُحوَّل سريعًا إلى أوراق سياسية في كل اتجاه.
أما التدخلات الخارجية المحتملة فستتحرك على مستويات متعددة: ضغط اقتصادي ودبلوماسي لتوجيه مسار الانتقال، ودعم إعلامي ولوجستي للمعارضة، ودعم سياسي ومالي لقوى بعينها في الداخل أو المنفى، وفي السيناريو الأسوأ ضربات أو عمليات محدودة تحت عناوين حماية الأمن الإقليمي أو منع الانفلات النووي.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأخلاقي الذي يبتلع كل هذه التحليلات: هل يريد الناس تغييرًا يفتح الحياة، أم تغييرًا يفتح البلاد على مصائر الدول المكسورة؟ هنا تصلح عبارة روزا لوكسمبورغ كمرآة مختصرة: “من لا يتحرك لا يشعر بقيوده”. حين يتحرك الناس يشعرون بقيودهم، غير أن كسر القيد يحتاج خيالًا سياسيًا يحرس المجتمع من الوقوع في قيد جديد.
ما يحدث في إيران الآن، بالتأكيد، لا يقف عند حدودها، لأن دولة بهذا الحجم والتموضع حين تهتز، يهتز معها الإقليم كله.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيسقط النظام؟ وإنما كيف سيُدار هذا السقوط إن حدث، ومن سيدفع ثمنه؟
فالتاريخ القريب في المنطقة علّمنا أن الانهيارات لا تُوزَّع بعدالة، وأن الشعوب غالبًا ما تدفع فاتورة صراعات لم تخترها.
من هنا، فإن أخطر ما في اللحظة الإيرانية ليس الغضب، بل غياب ضمانات تمنع تحويله إلى كارثة إقليمية.
خلف كل هذا التحليل يقف بشر يعيشون يومهم بثقل غير مرئي: رب أسرة يعجز عن توفير الخبز لأسرته، شاب يفكر في الهجرة، عامل ينتظر راتبًا لا يكفي أسبوعًا. هؤلاء لا يفكرون في الجيوبوليتيك ولا في موازين الردع؛ يفكرون فقط في حياة ممكنة.
فالسؤال الأخلاقي الأكثر الحاحاً هنا: هل تستطيع الدولة أن ترى أن هؤلاء الناس يستحقون حق المواطنة قبل أن تراهم مشكلة؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد شكل الغد أكثر من أي بيان أو سيناريو.