ليس ثمة ما يدعو إلى تكرار ما كُتب مطولاً عن السياسات العدوانية التي انتهجها دونالد ترامب تجاه فنزويلا، من حصار اقتصادي خانق وتدخل سافر في شؤون دولة ذات سيادة. ففجاجة الخطاب الأميركي، مهما بلغت، ليست جوهر المسألة. الإشكال الأعمق يكمن في السياق الذي سمح لمثل هذه البلطجة أن تحصل وتنجح، وأن تُمارَس في مواجهة أنظمة تعجز عن حشد دفاع شعبي فعلي عنها.

من هنا، لا ينطلق هذا المقال من موقع الدفاع عن سياسات واشنطن، ولا من موقع الشماتة بانهيار الأوضاع في فنزويلا، بل من محاولة تفكيك مفارقة سياسية - اجتماعية أوسع : كيف يمكن لعدوان خارجي واضح أن يُواجه ببرود أو لامبالاة اجتماعية تجاه السلطة المستهدفة ؟

وفي البدء ، لابد من تأكيد موقف مبدئي واضح : إن نقد نظام مادورو، أو الإشارة إلى عزلته الاجتماعية وتآكل شرعيته، لا يعني الاصطفاف مع الإمبريالية الأميركية، ولا الوقوف في صف المنتشين بتجويع الشعوب أو المنتشين باستعراض القوة .

فالشماتة بانهيار بلد، أياً كان الموقف من نظامه، تمثل سقوطاً أخلاقياً لا يقل خطورة عن تبرير الاستبداد باسم (مقاومة الإمبريالية). كما أن إدانة التدخل الأميركي تفقد معناها إن تحولت إلى تبرئة تلقائية لسلطة فشلت في إدارة المجتمع والاقتصاد، وقطعت الصلة بينها وبين قواعدها الاجتماعية.

تكشف الحالة الفنزويلية مفارقة لافتة: نظام يرفع شعارات السيادة والاشتراكية ومناهضة الإمبريالية، لكنه يواجه أشد هجوم خارجي في ظل غياب دفاع شعبي منظم عنه. لا يمكن تفسير ذلك بخيانة الجماهير أو بسطحية الوعي، بل بتراكم أزمات بنيوية: فشل اقتصادي، اقتصاد ريعي، تآكل المؤسسات، وتحول الخطاب الاشتراكي إلى أداة تبرير سلطوي أكثر مما يفترض ان يكون مشروعاً تحررياً. وبيان الحزب الشيوعي الفنزويلي الذي يدين العدوان الامريكي يشير ضمنا الى نقد السلطة الحاكمة ايضا .

كخلاصة.. حين تنفصل الدولة عن المجتمع، يفقد الدفاع عنها معناه الاجتماعي، حتى لو كان العدوان عليها حقيقياً.

وتتضح هذه المفارقة أكثر عند مقارنتها بتجارب العراق وإيران. ففي الحالات الثلاث، نواجه أنظمة دخلت في صدام مباشر أو غير مباشر مع الولايات المتحدة، ورفعت شعارات الاستقلال والسيادة، لكنها وجدت نفسها، في لحظات الاختبار، بلا استعداد شعبي واسع للدفاع عنها بوصفها سلطات حكم.

في العراق، ورغم الطابع الإجرامي للاحتلال الأميركي عام 2003، لم يتحول النظام السياسي الذي تشكل لاحقاً إلى موضوع دفاع شعبي، لأنه أعاد إنتاج الدولة بوصفها جهاز محاصصة وفساد منفصل عن المجتمع. فظل العداء للاحتلال قائماً، لكن من دون ولاء للنظام.

ويكتمل فهم هذه الظاهرة بإدراج تجربة نظام صدام حسين إبّان الغزو الأميركي عام 2003 ضمن هذا الإطار المقارن. فعلى الرغم من الطابع الإجرامي للغزو الأميركي، وما مثّله من انتهاك صارخ للسيادة الوطنية، فإن النظام القائم آنذاك لم يحظَ بدفاع شعبي واسع، لا لأن المجتمع العراقي كان محايداً تجاه العدوان، بل لأن الدولة كانت قد استنفدت رصيدها الاجتماعي عبر عقود من القمع والحروب العبثية وتدمير المجتمع.

لقد حاول النظام البعثي، في سنواته الأخيرة، استدعاء خطاب (المواجهة الوطنية) و(الدفاع عن السيادة)، غير أن هذا الخطاب جاء متأخراً ومنفصلاً عن واقع اجتماعي منهك، ومجتمع جُرّد طويلاً من أي دور سياسي أو إحساس بالمواطنة. فالدولة التي حاربت مجتمعها لم تجد من يدافع عنها حين أصبحت هي نفسها موضوع الهجوم.

وفي إيران، وعلى الرغم من قدرة النظام على تعبئة قطاعات اجتماعية في مراحل معينة، فإن هذه القدرة أخذت بالتآكل بفعل الأزمات الاقتصادية وانسداد الأفق السياسي. ومع تصاعد العقوبات، لم يعد الدفاع عن النظام يُنظر إليه بوصفه دفاعاً عن المجتمع، بل كحماية لبنية سلطوية مغلقة.

أما فنزويلا، فتواجه اليوم المعادلة ذاتها: عدوان خارجي سافر، وسلطة فقدت قاعدتها الاجتماعية بفعل الانهيار المعيشي وتفكك المشروع الاقتصادي.

ان ما يجمع هذه التجارب ليس اختلاف الأيديولوجيات المعلنة، بل التشابه في البنية: دولة منفصلة عن مجتمعها، أيديولوجيا فقدت قدرتها على الإقناع، وغياب بديل اجتماعي- سياسي قادر على تحويل رفض العدوان ورفض الاستبداد إلى مشروع تحرري متكامل.

في مثل هذه السياقات، لا يعكس غياب الدفاع الشعبي خيانة أو لامبالاة، بل أزمة عميقة في علاقة الدولة بالمجتمع. فالدولة التي لا تتجسد كفضاء مشترك للمواطنة، تتحول في الوعي الجمعي إلى كيان خارجي مفروض ، وليس وطناً يستحق الدفاع عنه .

هذه المفارقة تضع مسألة بناء بدائل ديمقراطية اجتماعية في قلب أي مشروع للتغيير. فمواجهة الإمبريالية لا تستقيم عبر تبرير الفشل والاستبداد، كما أن نقد السلطة لا يكون ذا معنى إن تحوّل إلى صمت عن العدوان الخارجي.

ومن دون إعادة تأسيس الدولة على أسس المواطنة والعدالة الاجتماعية، سيبقى المجتمع معلقاً بين سلطات مأزومة وعدوان خارجي، بلا أفق سياسي حقيقي، حتى في أكثر اللحظات خطورة.