ملخص

في خِضَمّ التحوّلات الجيوسياسية التي تعصف بالعالم منذ سنوات، بفعل تعمّق أزمات الرأسمالية العالمية ومشكلاتها البنيوية، تفرض الصين نفسها عالميًا بوصفها قوةً فاعلةً تسعى إلى تغيير قواعد النظام الدولي بما يتناسب مع وزنها وتطلّعاتها، وتحمي مصالحها، باعتبارها بلدًا يحتل المرتبة الثانية عالميًا في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.

ومع اتّساع النفوذ  الصيني وفعالياتها في العديد من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، أخذ تقييم التجربة الصينية حيّزًا مهمًا من اهتمامنا نحن الشيوعيين. كما أن مدّ القيادة الصينية يدَ التعاون المشترك مع الأحزاب الشيوعية، ومنها حزبنا، يفرض علينا الوقوف بجدّية عند طبيعة هذه العلاقة المقترحة ومآلاتها، بما يخدم، أولًا، برنامجنا السياسي في هذه المرحلة، وقضايا الاشتراكية في العالم، في خِضَمّ تحوّلات جيوسياسية بنيوية شديدة التوتّر في موازين القوى بين مراكز الرأسمالية وتحالفاتها، تحوّلاتٍ مفتوحةً على كل الاحتمالات، ومنها ما يطال منطقتنا.

تُعرّف جمهورية الصين الشعبية نفسها رسميًا بوصفها دولةً اشتراكية (انظر: دستور جمهورية الصين الشعبية، الفصل الأول: المبادئ العامة، المادة 1). غير أن سلوكها في السياسة الخارجية لا يعكس تبنّيًا لآفاق اشتراكية أو دعمًا لحركاتها على الصعيد العالمي، خلافًا للتجارب الشيوعية الكلاسيكية. وتجادل هذه المقالة بأن هذا التباعد لا يعني تخلّي الصين عن الأيديولوجيا، بل يعكس تحوّلًا في شكلها ووظيفتها؛ فبدلًا من أيديولوجيا اشتراكية أممية، تبنّت الصين أيديولوجيا تنموية– سيادية، تُمارَس خارجيًا عبر أدوات الاقتصاد السياسي، والبنية التحتية، وبناء شبكات الاعتماد المتبادل. وتمثّل مبادرة «الحزام والطريق» التعبير الأوضح عن هذا التحوّل.

مقدمة

تؤكّد القيادة الصينية، في خطابها الرسمي ووثائق الحزب الشيوعي، التزامها بالشيوعية والاشتراكية بوصفهما الأساس الأيديولوجي للنظام السياسي. غير أن هذا الالتزام لا ينعكس بوضوح في السياسة الخارجية الصينية المعاصرة، التي تفتقر إلى أي مسعى منهجي لنشر الاشتراكية أو لدفع دول أخرى إلى تبنّي النموذج السياسي–الاقتصادي الصيني.

وتثير هذه المفارقة سؤالًا مركزياََ:

هل تمثّل السياسة الخارجية الصينية تخلّيًا عن الأيديولوجيا، أم إعادة تعريف لوظيفتها؟

تنطلق هذه المقالة، وتلك التي ستليها، من فرضية مفادها أن الصين لم تدخل مرحلة «ما بعد الأيديولوجيا»، بل أعادت صياغتها بما يتوافق مع أولويات الدولة القومية ومتطلبات الصعود في النظام الدولي. فالأيديولوجيا الصينية المعاصرة لا تُنشَر عبر الأحزاب أو الثورات، بل تُمارَس عبر الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية، وإعادة تنظيم علاقات الاعتماد المتبادل على نطاق عالمي، وكذلك عبر «الثقافة»، من خلال تشكيل وتمويل شبكات من المنظمات والشخصيات المحلية الفاعلة.

الشيوعية والأممية: الإطار النظري الماركسي

في الفكر الماركسي، ترتبط الشيوعية ارتباطًا عضويًا بمفهوم الأممية الطبقية، حيث يُنظَر إلى الصراع الطبقي بوصفه عمليةً عابرةً للحدود القومية. وقد تبنّت الصين الماوية، ولا سيما خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، فهمًا قريبًا من هذا النموذج، تمثّل في دعم الحركات الثورية وطرح نفسها بديلًا أيديولوجيًا عمّا سمّي «التحريفية السوفيتية». غير أن هذا التوجّه بدأ بالتراجع مع نهاية الحقبة الماوية، ليتحوّل جذريًا بعد إطلاق إصلاحات دينغ شياو بينغ.

ولم يكن هذا التحوّل مجرّد تغيير تكتيكي، بل مثّل إعادة نظر عميقة في وظيفة الأيديولوجيا. فقد احتفظ الحزب الشيوعي بالشيوعية بوصفها خطاب شرعية داخلية، في حين جرى فصل السياسة الخارجية عن المنطق الماركسي المباشر، من دون التخلّي عن توظيف الأيديولوجيا في إعادة تشكيل علاقات القوة الاقتصادية على المستوى الدولي.

الاشتراكية ذات الخصائص الصينية: من الثورة إلى التنمية

 يشكّل مفهوم «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية» الإطار الذي أعاد الحزب الشيوعي الصيني من خلاله تعريف العلاقة بين الأيديولوجيا والدولة والاقتصاد. فمنذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، لم تعد الاشتراكية تُفهَم بوصفها مشروعًا ثوريًا أمميًا، بل نظامَ حكمٍ يهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية، باعتبارها شرطًا لبقاء النظام وشرعيته.

وقد أعاد دينغ شياو بينغ صياغة الاشتراكية على أسس براغماتية، مع الإبقاء على احتكار الحزب للسلطة السياسية. ونتيجةً لذلك، انتقل مركز الثقل الأيديولوجي من الصراع الطبقي إلى النمو الاقتصادي، ومن الأممية إلى الدولة القومية. ومع صعود شي جين بينغ، اندمج هذا التصوّر التنموي في سردية قومية واضحة، تمحورت حول «النهضة العظيمة للأمة الصينية».

ملاحظة نقدية من منظور ماركسي

يثير هذا المفهوم جدلًا نظريًا عميقًا عند مقارنته بالتصوّر الذي صاغه كارل ماركس وفريدريك إنجلز. فقد أكّدا أن الاشتراكية تنشأ على أنقاض الرأسمالية بوصفها نظامًا عالميًا. وبما أن الرأسمالية ذات بنية كونية، فإن تجاوزها  يفرض بدوره طابعًا أمميًا لا قطريًا.

وإذا أخذنا في الحسبان مدى اندماج اقتصاد الصين اليوم بالاقتصاد الرأسمالي العالمي الراهن، بفعل الدور الفاعل الذي أدّته الصين في إنجاح العولمة الرأسمالية وتوسيع التجارة العالمية الحرّة، أمكن، من هذا المنظور، المجادلة بأن الادّعاء الصيني بتطبيق «اشتراكية ذات خصائص وطنية» يمثّل قطيعةً نظريةً مع الماركسية، تقوم على إعادة تفسير انتقائية لها، تُقدَّم فيها ضرورات الدولة القومية ومتطلبات التنمية على منطق التحوّل التاريخي العالمي الكامن في التناقضات الداخلية للرأسمالية.

ويتَعزّز هذا النقد عند النظر إلى البنية الاجتماعية–الاقتصادية للصين المعاصرة. فالصين تشهد اليوم مستويات مرتفعة من اللامساواة، حيث تتعايش أغلبية كادحة مع أقلية تملك ثروات بمليارات الدولارات. ولا تهدف هذه الملاحظة إلى نفي ما قد يبدو من طابع «اشتراكي» في النظام الصيني الحالي، بقدر ما تسعى إلى إبراز أن «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية» تمثّل صيغةً هجينة، تُقدَّم فيها الاشتراكية بما يخدم الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، ولو على حساب الاتساق مع أوليات الماركسية.

مبادرة الحزام والطريق: الأيديولوجيا غير المُعلَنة للصعود الصيني

تمثّل مبادرة «الحزام والطريق» التعبير الأوضح عن الشكل الجديد للأيديولوجيا في السياسة الخارجية الصينية. فرغم تقديمها رسميًا بوصفها مشروعًا للتعاون الاقتصادي والمنفعة المتبادلة، فإنها تنطوي على تصوّر أوسع لإعادة تنظيم النظام الاقتصادي العالمي حول الصين.

ولا تسعى المبادرة إلى تغيير الأنظمة السياسية أو دفع الدول نحو تبنّي الاشتراكية، بل إلى بناء شبكة عالمية من البنية التحتية والتجارة وسلاسل الإمداد، بما يعزّز علاقات الاعتماد المتبادل لمصلحة الاقتصاد الصيني. وتكتسب هذه الاستراتيجية أهميةً خاصة في ضوء اعتماد النمو الصيني بدرجة كبيرة على التصدير، وتحقيق فوائض تجارية ضخمة، فضلًا عن الحاجة البنيوية إلى تأمين واردات الطاقة والمواد الخام.

وإلى جانب ذلك، توظّف الصين أدواتٍ خطابيةً وثقافيةً لتعزيز نفوذها الخارجي. ففي العديد من الدول، تدعم السفارات الصينية مؤسساتٍ ومراكز ثقافيةً وبرامج أكاديميةً وإعلاميةً تُقدَّم بوصفها مبادرات غير سياسية، من قبيل «حوار الثقافات» أو «التعاون العلمي». غير أن هذه الأنشطة تسعى إلى استقطاب فاعلين محليين مروّجين ومدافعين عن سياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وبهذا المعنى، لا تغيب الأيديولوجيا الصينية عن الفضاء الخارجي، بل تُمارَس بصيغة ناعمة وغير تصادمية، تهدف إلى بناء بيئة خطابية دولية مواتية لصعود الصين.

خاتمة

تُظهِر هذه المقالة أن التباعد بين الهوية الأيديولوجية المُعلَنة للصين وسلوكها الخارجي لا يعكس تناقضًا بنيويًا، بل تحوّلًا في شكل الأيديولوجيا ووظيفتها. فقد انتقلت الصين من أيديولوجيا اشتراكية أممية إلى أيديولوجيا تنموية–سيادية، تُستخدَم داخليًا في بناء الشرعية، وخارجيًا في إعادة تشكيل علاقات القوة عبر أدوات الاقتصاد السياسي.

ويقتضي فهم السياسة الخارجية الصينية، بالتالي، تجاوز الثنائية المُبسَّطة بين الأيديولوجيا والبراغماتية، والنظر إلى الأيديولوجيا بوصفها عنصرًا متحوّلًا، لا غائبًا، في مشروع صعود الصين العالمي.