‏واجهاتٌ زجاجية لمراكز تجارية ومطاعم فاخرة تتكاثر في أزقة بغداد وتلتهم ملامحها التراثية، تلمع أضواؤها بمولدات خاصة بينما يغرق الشارع المحاذي لها في ظلام الشبكة الوطنية المترهلة.
‏مفارقة "الوهم الاقتصادي" الذي يعيشه العراق، حيث يختزل مفهوم الاستثمار في تشييد "مول" لبيع بضائع مستوردة أو بناء مجمع سكني بأسعار فلكية لا يطالها المواطن العادي، لتتحول العاصمة إلى سوق استهلاكية كبرى تمتص العملة الصعبة بدلا من أن تجذبها، كاشفة عن عورة نظامٍ اقتصادي مشوه يرقص على حافة الهاوية، ويعتقد بسذاجة أن دوران عجلة المال في المقاهي والمولات هو تنمية، بينما هو في حقيقته عملية تدوير بائسة للدولار النفطي الذي يخرج من خزينة الدولة كرواتب وموازنات، ليعود ويصب في جيوب "بارونات" الاستيراد وتجار الأزمات، دون أن يسهم في خلق دورة إنتاج حقيقية واحدة أو يزرع وتداً في أرض الصناعة الوطنية.
‏هذا النمط من "الاستثمار على الطريقة العراقية" يمثل خديعة استراتيجية كبرى، وجريمة اقتصادية مكتملة الأركان ترتدي قناع الإعمار؛ فالمال الذي لا يبني مصنعاً ولا يستصلح أرضاً زراعية ولا يوطن تكنولوجيا هو مال طفيلي وقاتل، يحول المجتمع بأسره إلى "زبون" دائم لدى دول الجوار والعالم، رهينةً لمزاجية المعابر الحدودية وتقلبات سلاسل التوريد الدولية، في وقت يعيد فيه العالم تشكيل تحالفاته الاقتصادية بناء على معايير الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي والطاقة النظيفة، إذ لا يمكن لدولة تحترم سيادتها أن تترك أمنها القومي معلقاً بخيط أسعار النفط الواهي، بينما تكتفي بمراقبة ثرواتها البشرية الشابة وهي تتحول إلى جيش من العاطلين أو المستهلكين الهامشيين، بدلاً من أن تكون ترساً في ماكنة إنتاجٍ عملاقة تعيد للعراق وزنه الإقليمي الذي فقده عندما فقد قدرته على التصنيع والزراعة.
‏صوت العقل الاستراتيجي يصرخُ بأن الاستثمار الحقيقي هو طوق النجاة الوحيد في بحر إقليمي متلاطم؛ فالدول المحيطة بالعراق، والتي كانت حتى وقت قريب تشاركه الاعتماد الكلي على النفط، غادرت هذه المحطة وبدأت بتنفيذ "رؤىً" اقتصادية شرسة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والموانئ المحورية، والصناعات الثقيلة، في حين لا تزال بغداد غارقة في جدل المحاصصة وتوزيع المغانم، متجاهلة أن الاستثمار المباشر "الصحيح" يتطلب بيئة تشريعية صارمة تفرض شروط الدولة لا شروط السمسار، بيئة تجبر الشركات العالمية على نقل المعرفة وتدريب الكوادر العراقية كشرط لدخول السوق، ليكون الاستثمار رافعةً للاقتصاد لا مضخة لشفط العملة، فالفرق شاسع بين من يستثمر ليبني وطناً ومن يستثمر ليغسل أموالاً نهبها من دم هذا الوطن.
‏إن استمرار هذا النزيف تحت لافتات الاستثمار الكاذبة سيقود حتما إلى لحظة اصطدام مروعة بالحقيقة؛ فالعالم يتجه بخطىً متسارعة نحو تحجيم الوقود الأحفوري، وعندما تدق ساعة الحقيقة تلك، لن تنفع المولات الفارهة ولا المطاعم المكتظة في سد رمق شعب اعتاد أن تأتيه لقمته من وراء الحدود، ولن تحمي المجمعات السكنية المعزولة أصحابها من طوفان الفقر الذي سيجتاح الجميع.
‏في هذا المشهد الضبابي، هل يدرك صانع القرار في بغداد أنه يدير الوقت الضائع قبل الكارثة، وأن العراق إذا لم يتحول فورا إلى ورشة عمل إنتاجية حقيقية، فإنه مرشح ليكون أول دولة في التاريخ الحديث تموت عطشاً وجوعاً وهي تنام على بحيرات من النفط والماء؟