لا ندري أين وصل المشروع العراقي للطاقة السلمية، وهل أجازته  الوكالة الدولية للطاقة الذرية ( IAEA) وهي التي لها شروط ومتطلبات وإلتزامات وضمانات أساسية هامة عديدة، تُلزِم البلد تنفيذها قبل  منحه الرخصة والضوء الأخضر للشروع بإنشاء المفاعل النووي أو محطة للطاقة النووية السلمية.

    الوكالة الدولية مخولة دولياً في هذا المجال، وهي تحتكم لمعاييرها التي توفر نظاماً لمبادئ الأمان الأساسية، وصولآ لضمان حماية الناس والبيئة من التأثيرات الضارة للإشعاعات  المؤينة. وقد ُوِضعتها لتطبق في جميع أنواع مرافق الإستخدامات النووية السلمية، وكذلك في  الأنشطة النووية التي تُستخدم في الإجراءات الوقائية لتقليص المخاطر الإشعاعية القائمة. وتتحقق من خلال نظام المراقبة والتفتييش، وامتثال الدول الأعضاء للإلتزامات التي قطعتها على نفسها بموجب الإتفاقيات الدولية المتلقة بحظر إنتشار الأسلحة النووية، والإمتناع عن استخدام المواد والمرافق النووية لغير الأغراض السلمية.

  وعدا هذا، فالوكالة الدولية تُعُدُ محور المشروعات النووية للأغراض السلمية. وهي  تروج وتعمل مع الدول الأعضاء والشركاء في جميع أنحاء العالم لتعزيز الإستخدامات الآمنة والمأمونة والسلمية للطاقة الذرية  وللتكنولوجيات النووية.

    ضمن توجيهاتها، تنبه الوكالة الدولية الحكومات التي تفكر بإختيار الطاقة النووية السلمية الى ان إنشاء المنشأة/ المفاعل/ المحطة/ ووسائل السلامة والأمان النووي لعملها وإنتاجها، وتوفير المعدات والتكنولوجيا، الى جانب الكوادر العلمية والفنية، الخ. تتطلب أموالآ طائلة لابد من توفيرها.

    ووضغت  الوكالة وثيقة إرشادية ليسترشد بها صانعي القرار عند التفكير بالمشروع. وتبين إمكانية  تقسيم الفترة ما بين الفكرة المبدئية لتبني خيار الطاقة النووية السلمية وحتى البدء في تشغيل محطة الطاقة النووية / المفاعل، الى 3 مراحل:

1-إجراء دراسات قبل إتخاذ القرار، والبدء بإطلاق برنامج الطاقة النووية.

2-القيام بأعمال تحضيرية لإنشاء  المفاعل/ المحطة/ بعد إتخاذ القرار السياسي.

3-أنشطة لتنفيذ برامج الطاقة النووية.

   ومن هذه الأنشطة ما يتعلق بإحتياجات البنية التحتية، التي تشتمل على مكونات متعددة، بدءاً من البنية التحتية الصناعية، مثل مرافق التصنيع، والإطار القانوني والتنظيمي، والإجراءات المؤسساتية لضمان الأمان والأمن، وحتى الموارد البشرية، والمالية، كإدراك مطلوب بان الطاقة النووية تقوم على تكنولوجيا متقدمة، ولذا تتطلب بنية تحتية متقدمة مماثلة .

  ومن الشروط والإلتزامات ما يتعلق بالمشروع وحيثياته وأغراضه. وأخرى بالمفاعل النووي/ المحطة النووية. وثالثة بالقوى البشرية المطلوبة لإدارته و لضمان تشغيله وفق الأمان النووي والإستعداد للطوائ، وغيرها.

إن جميع  الإلتزامات والمتطلبات  مشروطة بعقد إتفاق للإلتزامات وللتعهدات والضمانات، يُعقد بين حكومة البلد والوكالة الدولية، هدفه تأمين السلامة النووية والإشعاعية، وصولآ لتحقيق أعلى معايير الأمان والأمن  للمفاعل النووي، ولأنشطة مرافق المشروع، والحماية الملائمة للإنسان والبيئة من آثار الإشعاع المؤين الضارة ، ومن أي تعرض إشعاعي فعلي أو محتمل. وكذلك الأمان في سلامة نقل المواد المشعة، وعند استيراد وتصدير المواد النووية ومتعلقاتها.

   وهكذا،في تسلسل المتطلبات يأتي: إستحصال الموافقة الأصولية،أي الإجازة، من الوكالة الدولية. وأول الضمانات الألتزام بتنفيذ بنود المعاهدة الدولية لحظر إنتشار الأسلحة النووية، ثم الإنضمام إلى الأطراف المتعاقدة في اتفاقية الأمان النووي، التي تهدف إلى إلزام البلدان التي تشغِّل محطات قوى نووية أرضية بالحفاظ على مستوى رفيع من الأمان، والتخلص الآمن من النفايات النووية الخطرة، وتجنب مخاطر الطاقة النووية  الضارة بالإنسان والبيئة معاً، ومنها تسرب مياه المفاعل أو مواده المشعة، و حدوث ذوبان للمفاعل النووي، مما يؤدي الى كارثة وخسائر بشرية ومادية جسيمة، لا تقتصر على البلد وإنما تهدد الدول المجاورة. ولذا تُعدُ الطاقة النووية  من الصناعات المرتبطة بالمجتمع الدولي، رغم كونها محلية بطبيعتها، ومن هنا مشاركة عوامل دولية عديدة يتعين أخذها في الحسبان عند إنشائها، ومراقبة تشغيلها، وقبل ذلك، في مساندة إجازتها أو معارضتها..

 ومن المتطلبات أيضاً ما يتعلق بالبنية التحتية للمفاعل النووي للإستخدامات السلمية، بدءاً من موقعه، الذي ولو يشغل مساحة جغرافية ليست كبيرة نسبيا من الأرض، لكنه يستلزم بنية تحتية خاصة، بحيث تكون الأرض، التي يُبنى عليها، أرضاً صلبة، ومتينة، وملائمة. وان يبنى المفاعل  النووي عقب إجازته ً في موقع مناسب، ويُشترط ان لا يقع في منطقة زلازل أو معرضاً لكوارث طبيعية أخرى. ويكون بعيدً جداً عن المناطق السكنية، وعن مقرات مراكز ودوائر الدولة والمؤسسات الأخرى، كالمدارس والمحال التجارية والمعامل والمتنزهات وأماكن الراحة..

     ولابد من الأخذ بالحسبان إزدواجية الطاقة النووية السلمية، فهي عدا فوائدها العديدة، ثها مخاطر تهدد الإنسان والبيئة معاً. فالمفاعلات النووية لتوليد الطاقة النووية السلمية تحتاج إلى وقود من اليورانيوم المخصب عالي الإشعاع (U-235). وان عملية الحصول عليه تخلف نفايات مشعة بالغة الخطورة على البشر والحيوانات والنباتات. كما يسبب الماء المستخدم في المفاعلات النووية بمشكلات تهدد سلامة البيئة والمياه الجوفية بإشعاعاتها الخطيرة.

    إقترانا بذلك، يتعين ان يتوفر في المشروع جناحاً لعملية معالجة منتوجات المفاعل الثانوية المشعة، والتخلص من النفايات النووية الخطرة، الناتجة من عمله، بطريقة تتفق مع المعاهدات الدولية، وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تشترط وتراقب وتشرف على تطبيق إستخدام العلوم والتكنولوجيا النووية إستخداماً سلمياً واَمناً.وهذه المهمة تتطلب تقنيات عالية لتفادي الأضرار، إضافة لتوفير كوادر علمية وفنية متدربة وكفؤة للتعامل بها.

 نتوقف بإختصارعند المشروع العراقي المطروح،والذي أُطلقت عنه تصريحات رسمية إفتقرت للدراية بمتطلبات الوكالة الدولية. ففي 26/3/ 2024 أدلى رئيس هيئة الطاقة الذرية والوزير نعيم العبودي  بتصريح أعلن فيه: " الموقع المختار لإقامة المفاعل سيتم تطهيره من التلوث الإشعاعي".. أي أن المفاعل النووي للطاقة السلمية العراقي، سيبنى في موقع  أقل ما يقال عنه غير ملائم تماماً، وذلك لكونه ملوث بالإشعاع. وهذا مخالفة صريحة لمتطلبات وضمانات إجازته..

    فالموقع الذي تحدث عنه يقع ،غالباً، في التويثة، أي في الموقع السابق لمقر الطاقة الذرية العراقية، الذي تم قصفه من قبل إسرائيل في عام 1981، ومن ثم قصفته القوات الأمريكية عدة مرات،ً في أعوام 1991 و 1998 و 2003. ولم يعد سراً انه ملوث بإشعاع عالي وخطير جداً. فوفقاً للدكتور م. د. أستاذ الفيزياء الذرية السابق في جامعة بغداد، يُعدُ (مفاعل تموز) في التويثة من أكثر المناطق الملوثة إشعاعيا في العراق.وان مخلفات المفاعل وركامه ملوثة بنسب تصل إلى أكثر من ألف ضعف الحد المسموح به دوليا ، وهذه النسب حددها فريق خاص في الأمم المتحدة كان قد زار الموقع.

   وليس سراً أيضاً ان عمليات تنظيف الموقع بدأت منذ 18عاماً، ولم تنته لحد اليوم. و ليس مستبعداً سوء الإدارة البيئية، وتجاهل  إدارة الطوارئ، إضافة للإستهانة بمخاطر التلوث، هي التي حالت دون إتمام تنظيفه لحد الآن.وقد كشفت تقارير إستقصائية وتسريبات وجود تعتيم وتستر على واقع حال التلوث الإشعاعي الخطير في موقع التويثة، الذي بسببه سمي "تشرنوبيل العراق"، والذي حصدت إشعاعاته القاتلة أرواح أعداداً كبيرة من المواطنين، من سكان المناطق القريبة للموقع، كالرياض والجعارة والوردية وجسر ديالى والزعفرانية والمدائن، إضافة للعشرات من الموظفين التابعين لدوائر وزارة العلوم والتكنولوجيا، الذين شاركوا في  عملية التنظيف، وأُصيبوا بالسرطان وعلل أخرى غير قابلة للعلاج..

   وكانت عضو لجنة الصحة والبيئة البرلمانية النائبة اكتفاء الحسناوي، قد كشف تقديم الوكالة الدولية للطاقة الذرية 80 ملاحظة بشأن اشعاعات (مفاعل تموز) وتصفيته، جواباً على استفسارات وزارة العلوم والتكنولوجيا. ونصحت بعدم طمر نفاياته المشعة إلا بتطبيق التوصيات التي وضعتها بشكل صحيح.وتحدث عضو مجلس النواب، محمد البلداوي، عن صعوبات بمعالجة التلوث الإشعاعي للمفاعل المضروب ، مؤكداً " ان المعالجة ليست بللمعايير العالمية".ودعا الحكومة الى " التعامل مع ملف التويثة على أنه ملف خطر".. سنعود للملف لاحقاً..

 ختاماً، إذا صح ما كشفه العبودي، نجزم بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لن تسمح بتشييد مفاعل نووي في منطقة موبؤة بالإشعاع القاتل.وإذا واصل المسؤولون العراقيون تخبطهم، وإفتقارهم للمعرفة، فان المشروع العراقي للطاقة النووية السلمية برمته لن يرى النور لا الآن ولا بعد 10 سنوات !

 

  • أكاديمي عراقي متقاعد،مقيم في السويد
عرض مقالات: