لقد رأينا خلال العقود والسنوات الماضية أنظمة عربية ودول عالم ثالث تعيد إنتاج الإستبداد بواسطة ما تزعم أنه تداول سلمي للسلطة في بلدانها، وهذا الزعم يقوم على منافسة غير متكافئة وربما بين طرفين هما وجهان لعملة واحدة، المنافسة تتجسد بين طرف يملك كل شيء السلطة والمال والإعلام والقوة ومؤسسات الدولة، والقوانين وحق تفسير الدستور والقضاء وبين منافسين لا يملكون شيئاً إلا مجموعة شعارات وبرامج وإمكانيات محدودة وحيز مقتطع من الإعلام الحكومي ! والجماهير العريضة التي تشارك في الانتخابات ترى كل يوم رجال الحكومة القابضون على الامور في مرافق العمل، يطل عليهم في التلفزيون وفي الإذاعة، تفتح له الوزارات أبوابها تُسخَّر له كل الإمكانيات لافتتاح المشاريع من خزانة الدولة، ولتصبح مادة إعلامية أثناء الانتخابات تفرضه وسائل الإعلام المملوكة للحكومة. إنها محاولات غير جادة لتداول السلطة لأنها تقوم على منافسة غير متساوية ,وتدفع المواطن إلى الإحباط في ظل إنسداد الأفق السياسي والتلكؤ في المضي بتنفيذ إصلاحات جادة. ونلاحظ ان المركزية غالبا ما تكون بالضد من مصالح الشعوب، ولنا في بعض تجارب التاريخ القريب, أما منهج اللامركزية، فهو يعني الابتعاد الكلي عن شخصنة السلطات بأنواعها، واعتماد مبدأ الفصل بين السلطات، بل تبتعد عن كل ما يمت بصلة لحصر السلطات او الآراء، او حتى منهج الحياة العامة، في مسار واحد، لا يقبل بتعدد الآراء، ولا بطرق التفكير، ولا بمناهج العيش المتعددة، وبهذا يجد الفرد فسحة واسعة أمام مواهبه، وتجربتها في اتجاهات لا حدود لها، لذا نجد أن الشخصية الفردية في النظام اللامركزي، غالبا ما تكون واثقة، متوازنة، ولديها رصيد كبير من الحيوية والانتاج، وغالبا ما تنطوي على الكثير من الذكاء والنشاط المؤطّر بالحكمة، كما أنها غالبا ما تكون عارفة بطاقاتها الكامنة، وتكون مستعدة دائما، لاستخدامها الأمثل لصالحها ولصالح المجتمع برمته.       

 إن الديمقراطية بحسب رجال الفكر السياسي نظام مبني على أركان أربعة هي حرية الرأي وحرية التنظيم واستقلال القضاء والتداول السلمي للسلطة، فمن قراءة واقعنا العربي نستطيع تَلَمّس محاولات للتحرر من تأطير المجتمع في الحزب الواحد القائد، وكذلك الأمر بالنسبة للركن الثاني المتمثل بحرية الرأي، إذا قطعت الشعوب هنا شوطاً لا بأس به في التعبير عن أحلامها في وطن يسوده العدل والحرية والسلام والصلاح، بفضل انحسار الخوف وسطوة التكنولوجيات الإعلامية الحديثة والاتصالات, لكن ما يبقى معلقاً ومؤجلاً هو التداول السلمي للسلطة، إذ يصبح وجود حرية الرأي والتنظيم في معزل عن الانتخابات الحرة النزيهة المنظمة للتداول السلمي للسلطة. ولهذا فإذا لم تكن تُمارس الديمقراطية وتتداول السلطة داخلها وفيما بينها ولا تعكس عضويتها تنوعا مقبولا وطنيا, فان نظام الحكم لن يكون ديمقراطيا, ويصعب استمرار تداول السلطة سلميا فيه عندما يكون التداول من النقيض إلى النقيض. من هنا فان ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب وفي منظمات المجتمع المدني وفيما بينها, وتركيبة العضوية فيها, تمثل مقومات رئيسية من مقومات نظام الحكم الديمقراطي .فهذه هي الديمقراطية في المجتمع, وهذه هي الأساس للديمقراطية في الدولة أو الضمانة لسلامة الممارسة. الحرية فيها هي القيمة العظمى والأساسية بما يحقق السيادة الفعلية للشعب الذي يحكم نفسه بواسطة التعددية السياسية المؤدية إلى تداول السلطات، وتقوم على احترام كافة الحقوق في الفكر والتنظيم والتعبير عن الرأي للجميع مع وجود مؤسسات فعّالة على رأسها المؤسسات التشريعية المنتخبة، والقضاء المستقل والحكومة الخاضعة للمسائلة الدستورية والشعبية والأحزاب السياسية. يقتضي ذلك بالضرورة كفالة حريات التعبير بكافة صورها وأشكالها وفي مقدمتها حرية الصحافة ووسائل الإعلام بكل اشكالها والاعتماد على الانتخابات الحرة، مركزياً ولا مركزياً، وبشكل دوري لضمان تداول السلطة وحكم الشعب، وتحقيق أقصى قدر ممكن من اللامزكزية التي تتيح للمجتمعات المحلية التعبير عن نفسها وإطلاق طاقاتها الإبداعية التي تسهم عن طريقها في تحقيق التقدم في جميع مجالاته ويقترن ذلك بتحقيق أقصى قدر من الشفافية في الحياة العامة بما يعني القضاء على الفساد في إطار يؤكد الحكم النزيه ودعم حقوق الإنسان.والتداول على السلطة هي عملية تسمح للشخص أن يَعقُب نظيره في المسؤولية، والإدارة، والقيادة. وتعاون الجميع على الإستمرار في نهج يقود دائماً إلى تداول سلمي للسلطة ولو كانت هناك ملاحظات على الأساليب والميكانيزمات المتبعة في تحقيقها؛ فحاجتنا إلى التداول السلمي للسلطة تقتضي التدرج في الوصول إلى مستوى الشفافية التامة في تحقيق هذا الهدف, ان ترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة لا تحدث بين ليلة وضحاها، في مجتمع عشائري كون اغلب أفراده يخضعون لسلطة رئيس العشيرة الذي يحتكر في معظم الاحيان الصلاحيات والقرارات، وان هذه الثقافة تنتقل من جيل الى اخر. فمنطق التداول أو التعاقب يحبذ، التجديد في الأفكار والممارسات والسلوكيات. لذلك، تأسست ثقافة التداول في الدول التي تأصلت فيها الديمقراطية ، واستقرت، وانتظمت في التجربة على قاعدة الاعتراف بشرعية الاختلاف، الذي يكفله وجود أغلبية ومعارضة، ويضمنه الحوار المتبادل.                      

تنامي القوى السياسية وصعودها ديمقراطياً يعتمد على مقومات لا يمكن إنكارها ، وفي مقدمها مستوى التنمية الاجتماعية، بما تعنيه من تعليم وثقافة وشيوع لرؤية واضحة وتفكير مستنير يقود تلك الجماعات السياسية نحو تَدَرِج الديمقراطية الحقيقية ,لذلك لم نرَ شعباً يتطور ديمقراطياً بينما حياته تمضي في اتجاه معاكس أي تمضي للتخلف والجهل ، فالعبرة في النهاية تعتمد على درجة الوعي العام الذي يملكه أي شعب على نحو يعطيه القدرة على التغيير الإصلاحي عند اللزوم دون تدليس الشعارات الزائفة أو الابتعاد عن الرؤية الصحيحة، لذلك نعتقد أنَّ هناك ترابطاً بين مؤشرات النظام التعليمي ودرجة جودته ومدى عصريته وبين نظم الحكم القائمة وأساليب السياسة السائدة. ولأن الديمقراطية هي منهج ونظام حكم يتأثر مضمونه بالضرورة, باختيارات المجتمعات التي تطبّق الديمقراطية فيها .ولهذا أصبح من الممكن للديمقراطية إن تُقبَل في مجتمعات تختلف فيها العقائد والأديان والمذاهب. لذلك , فان الأحزاب والتنظيمات والحركات هي منظمات تسعى للوصل إلى السلطة, بل ومن المحتمل وصول أي منها للحكم. والسلطة في الدولة ذات النظام الفردي عاجزة عن نقل الصلاحيات الإدارية والسياسية بصورة سلسة محكومة بدستور دائم، ولهذا تكون هذه السلطة مركّزة في شخصية الحاكم الذي يعتمد على مجموعة من المنتفعين حوله، وبهذا لا يعترف بالدستور ولا بشرعية السلطة ولا بمبدأ التداول السلمي للسلطة مستخدماً القوة والعنف والترهيب في حماية كرسي الحكم، وهذا أسلوب شائع في الدول ذات الأنظمة الشمولية غير الشرعية. ويقصد بالتعددية السياسية كما يراها محمد عابد الجابري بأنها " مظهر من مظاهر الحداثة السياسية، ونقصد بها أولا وقبل كل شيء، وجود مجال اجتماعي وفكري يمارس الناس فيه " الحرب " بواسطة السياسة، أي بواسطة الحوار والنقد والاعتراض والأخذ والعطاء، وبالتالي التعايش في إطار من السلم القائم على الحلول الوسطى المتنامية ... والتعددية هي وجود صوت أو أصوات أخرى مخالفة لصوت الحاكم(1).والشعوب تتوق إلى التغيير الإيجابي الصالح الذي يبني ولا يدمر ويطمحون إلى أن تتغير سياسات ووجوه وخطط عقيمة أثبتت الوقائع والأحداث أنها لم تُزِدهم إلا تخلفاً وضياعاً, وتتطلع الأمة لأن تكون حرة في أن تختار من بين البدائل المتعددة البرامج المختلفة الرؤى من تراه مناسباً لأن يقودها إلى شاطيء الأمان ويحقق لها ما ترجوه من نهضة وتقدم وأمان وصلاح. ومن دون التداول السلمي للسلطة لا يمكن الحديث عن تنمية وديمقراطية وحقوق إنسان واحترام الرأي الآخر المعارض. المشكلة هنا أن محاولات عربية كثيرة في مجال تداول السلطة ، لم تكن جادة بقدر ما كانت خاضعة لاعتبارات سياسية أو اقتصادية نتيجة ضغوط الدول المانحة، أو بسبب إمتصاص مؤقت لاحتقان داخلي ما تلبث تلك المحاولات أن تتكشف عن حقيقتها البائسة ، تفريغاً (لمبدأ السلطة) من معانيه ومضامينه الحضارية.             

----------------

1- د. رياض عزيز هادي ، من الحزب الواحد الى التعددية ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1995 ,ص60