الاقتصاد المبني على المعرفة هو اتجاه متنامٍ نحو آفاق التكامل العالمي المفتوح، وذلك بفضل "ثورة المعلومات والاتصالات" التي تُعتبر القوة الحالية والقادمة لجميع الدول، وقد أسهم ذلك في توسيع دائرة حجم التبادل التجاري بين الدول. وأضحى الاقتصاد العالمي يعتمد على تِجارة إلكترونية تنافسية واسعة لمختلف السلع والخدمات، وأصبحت مجالاً أمام الدول للاستفادة منها كوسيلة حديثة وتحقيق معدلات نمو أعلى في حجم  التبادلات الخارجية  ًوخياراً  خصباً، ً من سلسلة خيارات يمكن الأخذ بها  بل أصبح  ضرورة للبقاء وردم الهوة الرقمية والبناء ,حيث لم يَعد تبني هذا الاتجاه خيار اقتصاد رقمي يتسم بالقدرة التنافسية وتفعيل التنمية الاقتصادية، بيد أن  استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لا يعتبر حلاً في عصرنا  الحالي ما لم يتم النهوض وتوفير البنى الأساسية لها لاسيما الكوادر البشرية. وقد أتاح الانتشار السريع للهواتف المحمولة بشکل خاص، فرص المعلومات والاتصالات لمجموعات الدول ذات الدخل المنخفض. وقد سعت الحكومات إلى تسريع تأثيرها عن طريق تحفيز نشر البنية التحتية من خلال برامج النفاذ الشامل. وعلى الرغم من أن هذا قد عزز الشمولية في النفاذ والفرص، إلاّ أنه لا تزال هناك فجوات رقمية کبيرة بين الدول وداخلها. وفي ظل الاعتماد الکبير للأنظمة الذکية على البنية التحتية للنطاق العريض فهذا يعني أن آثارها الإيجابية تحدث في الدول المتقدمة أکثر من الدول النامية، والدول المتوسطة الدخل أکثر من الدول الأقل نمواً، وفي المناطق الحضرية منها في المناطق الريفية. وبالتالي، يمکن أن تؤدي الفجوة الرقمية المتنامية في النطاق العريض إلى تفاقم الفجوات الإنمائية الأخرى. وعلى الرغم من أن الاهتمام الأكبر في الأدبيات النظرية والتطبيقية قد تم توجيهه لتحديد الآثار الاقتصادية الکلية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الدول النامية، إلاّ أن الاتجاه الناشيء حديثاً يسلط الضوء على التأثير والآليات التي يمکن بها لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن تقود نمو الدخل في أسفل الهرم الاقتصادي. وذلك لفهم مدى استفادة مجموعات الدول ذات الدخل المنخفض من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات - خاصة لأن هذه المجموعات تتسم بإنفاق حصة أکبر من دخلها على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات-.  

ويتعين على القانون أن يرفع التحديات الناتجة عن التغيرات التكنولوجية، بتقديم أجوبة مناسبة نسبيا وفي الوقت الملائم. ويرتبط الأمر بنوع رد الفعل القانوني ومدى واقعيته وقدرته على إدماج المعطيات التقنية المتطورة الجديدة والانعكاسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الإيديولوجية والأخلاقية المرتبطة بذلك. ويعني هذا كلاً من مناهج الابتكار والمعرفة والفهم، والتطبيق وقيادة أو تسيير القاعدة القانونية. وتلعب التكنولوجيا في جميع هذه المسائل دوراً منبها أو مؤشراً للتطورات الواضحة، من غير أن تمس بجوهر القانون وروحه وماهيته. وتبعاً لارتباط القانون بالتكنولوجيا، أصبحت خصائصه تساعد على الرجوع إلى الخبراء وإشراكهم في وضعه وتأويله وتطبيقه. كما أفرزت تخصصات واضحة في نطاق المهن القضائية والعمل الفقهي والتدريس الجامعي، ودفعت القانونيين والمهتمين الآخرين إلى التعاون الطبيعي مع المختصين الجدد الذين صار لهم نوع من النفوذ لا يسهل إغفاله، بحيث صارت قدرة القانون على التأقلم مع التطورات التكنولوجية تتسم بحيوية واضحة. ويجد العلماء وخبراء التكنولوجيا في هذا الوضع إمكانية التعاون والتواصل مع رجال قانون قادرين على ربط الصلة معهم وتبسيط صعوبات الاصطلاح والتعبير والتنظير والصياغة والمعالجة المنسجمة بصفة عامة. ولا يخفى الأثر الإيجابي لهذا على ممارسة الخبرة القضائية ونتائجها على قرارات المحاكم، أو على انزلاق سلطة القرار القضائي من الهيئات القضائية إلى مؤسسات الخبرة التكنولوجية وما يعنيه الأمر من تغير جذري لمفهوم القانون والقضاء. وتبرز هنا سلطة الخبراء في فرض رأيهم بل وتقبِّله تلقائيا من قبل المشرّع والقاضي، وبالتالي خروجهم عن ميدان تدخلهم أي المساعدة القضائية. ولولا الاختلافات التي تنشأ بينهم لما تمكَّن القضاء من استعادة سلطته واستقلاله في الحسم مثل ما هو عليه الحال في موضوعات الجينات. وتؤدي الخبرة التكنولوجية إلى وضع قواعد ومعايير وتوصيات ودلائل ومساطر لجودة الممارسة العملية، تمتزج بالقواعد والأحكام القانونية الصادرة عن المؤسسات الدستورية، تؤشر إلى ميلاد أنواع جديدة من القواعد القانونية. وإذا كانت تلك المعطيات أسبابا ونتائج يجب على القانون وضعها في أفق توجهه لاستخلاص التوازنات أو لفرض قواعد التوجهات والاختيارات، بإدماج العوامل الاجتماعية، والثقافية والقيم الإيديولوجية والإنسانية. يتعين أن تبقى هذه الاعتبارات في صلب جوهر القانون لتقرير الاستعمال الأنسب للتكنولوجيا. ذلك لأن المفروض هو تجنب الخلط بين الأسباب والنتائج، بين الغايات والوسائل كما يقع كثيرا في التشريع الحالي. ومن خلال الرهانات العلمية والتكنولوجية وتطبيقاتها، تتحدد مضامين وغايات القانون بمظاهر اقتصادية محلية ودولية معلنة أو مغلَّفة، كما يتجلى ذلك بالنسبة لوسائل الاتصال والإعلام وللمنتجات الصيدلية والطبية بل والغذائية والفكرية الخ. ونظرا لضخامة المصالح الاقتصادية والصناعية والتجارية، والسياسية والاجتماعية، فإن قوانين التكنولوجيات تخضع في تصورها وإعدادها لأهداف حماية أو تقليص نفوذ الفاعلين. وتبعا لهذا يصبح فهم وتأويل القانون المرتبط بالتكنولوجيا مقيدا حتما بتحليل اقتصادي يتعلق بمنطق وبغاية أخرى لإعمال القاعدة القانونية. ولعل خير مثال على هذا الرأي ما تتسم به قوانين حرية المنافسة وحماية المستهلك. في هذا الإطار، يدخل القانون في باب تحليل اقتصادي لمخاطر العمل. ويبدأ الحديث عن مبادئ الاحتياط والأمن والسلامة والتوقِّعية والمقروئية للقانون. ومثالا على ذلك، إذا كانت الكلفة القانونية لعقوبة التزوير والاعتداء على الملكية الفكرية بالأنترنت ضعيفة، فإن قاعدة المنع والتجريم تؤخذ بالاعتبار في حساب المخاطر، مما يشجع على خرق شائع للملكية الفكرية. ويسري ذات المنطق على انتهاك حماية المعطيات الشخصية والبيئة والملكية الصناعية وغيرها. بالتالي يحوِّل المناخ الاقتصادي القانون إلى وسيلة للتدبير بين الغايات والوسائل. في الواقع، تخضع قوانين التكنولوجيات لسلطة وفعالية المجموعات الضاغطة التي تدافع عن مواقفها المهيمنة ومصالحها المالية. وقدرتها مهولة بالتأثير على محتوى القاعدة القانونية أو منع وضعها، وتحويل غايتها أو تقليص عقوبة خرقها. وإذا لم يكن في هذا الأمر جديد، فإنه يلاحظ قفز لمستوى الوضعية يدفع من التغيّر الكمي إلى التغير النوعي. وتفتقر قوانين التكنولوجيات خصوصا إلى الروح والبعد الإنساني. فهي تنسى أنها وجدت من أجل الإنسان، المواطن بصفته شخصا مكونا لجسم اجتماعي. تظهر القوانين الموسومة بالتكنولوجيات كقوانين متعلقة بأشياء مادية وغير مادية، وبقيمها الاقتصادية المواكبة لاستعمالاتها. بل يمكن القول أنها تعامل الإنسان نفسه والعلاقات المجتمعية كشيء قابل للصنع والتعديل من خلال مصطلحات المستهلكين والمستفيدين والمستعملين. علاقة القانون بالعلوم والتكنولوجيات معقدة وغامضة، ولكنها لا تمنع التفاؤل رغم صعوبة التأقلم التي يعيشها القانون ورجاله. فالعالم العلمي والتكنولوجي يحتاج أكثر فأكثر للإطار القانوني الجوهري وليس إلى تقنية القانون. وتموقع القانون في صلب الحقول العلمية والتكنولوجية يجب أن لا يفقده طبيعته العميقة وماهيته وجوهره. تفرز تطبيقات التكنولوجيا ظهور مجالات جديدة يجد القانون فيها إمكانيات للتأثير بشكل آخر على الحياة. في العالم الرقمي تؤدي سهولة إعادة إنتاج وتعديل ونشر الأعمال الفكرية إلى اختلال عميق لحق الملكية الفكرية.

    من المعلوم أن وضع القانون وتطبيقه واستيعابه يتطلب مرور زمن معين. لكن سرعة الوتيرة الناتجة عن سرعة التطور وجهل نتائجه تتموقع في منظور زمني آخر. ويصبح الخطر كامنا في سرعة تعرض كل قانون جديد للتجاوز والنقد والتعديل والإلغاء حسب درجة التفاصيل والجزئيات التي يعنيها. ويجبر هذا الأمر على التساؤل عن الوقت المناسب لتدخل التشريع وعن كيفية الاقتصار على المبادئ العامة مع إمكانية تطويرها مستقبلاً. وإذا كان استقرار الأحكام القانونية ضرورة للأمن القانوني والقضائي، فإنها سرعان ما تضعف بسبب وهن القانون وعجزه عن مسايرة وتيرة التطور التكنولوجي والعلمي. والموضوعية تقتضي الاعتراف بالأثر المتبادل بملاحظة قيام فرع قانوني جديد إثر كل تطور مهم للعلوم والتكنولوجيا بغاية تنظيم استعمالاتها والحد من مخاطرها. وكان القانون يسري تقليدياً في المجال الوطني أو الإقليمي الخاضع للسيادة الوطنية، رغم تواجده بجانب القانون الدولي الذي كان يغير الوضع بقوة في بعض الحالات. ولقد ساهمت التكنولوجيا في قلب ترتيب المجالات لأنها لا تخضع للحدود السياسية بين الدول وخير مثال على ذلك هو الشبكة العنكبوتية والإعلام السمعي البصري والاتصالات بكل حواملها. وبالموازاة صار القانون الدولي بشقيه العام والخاص يفرض نفسه على القانون الوطني مجسداً تقلص السيادة الوطنية في السيطرة على التكنولوجيا. وقد ينتج عن ذلك تقارب أو تعارض بين الأنظمة القانونية الكبرى كما هو الحال بين قانون الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي في ميادين الملكية الفكرية بكل تطبيقاتها التجارية والصناعية والأدبية، و حماية المعطيات الشخصية. من البديهي أن تنظيم استعمالات وآثار التكنولوجيا يساعد على عولمة القانون. وهذا ما يخلق ضرورة تصور أدوات ومناهج جديدة لوضع القانون. اقتصر الأمن الرقمي في الماضي على مجالات محددة مثل المصارف والتطبيقات الفضائية أو العسكرية إلاّ أنه أصبح بالتدريج شأن الجميع. قد تعزى زيادة الاهتمام بالأمن الرقمي إلى عناوين الأخبار الرئيسية التي تتحدث عن انتشار الفيروسات عن طريق البريد الإلكتروني أو عن القراصنة الذين يسرقون تفاصيل بطاقات الائتمان. إلاّ أنّ هذا لا يمثل إلاّ جانبًا من القصة. وبما أن استخدام الحواسيب والتواصل عن طريق الشبكات أصبحا جزءًا من الحياة اليومية كالمياه والكهرباء، لم يعد الحديث عن الأمن الرقمي يقتصر على الخبراء فحسب، بل أصبح يتردد أيضًا في أفواه ممثلي الحكومات والشركات، بل والمستهلكين. وإذا كانت جوانب كثيرة من أعمالنا وحياتنا الخاصة تعتمد على الحواسيب والشبكات، فمن الضروري أن تعمل هذه الأنظمة بأمان. ومن الضروري أيضًا أن تكون عملية الأمن محل تفكير عميق من بداية وضع النظام وتصميمه مرورًا بالتنفيذ إلى السياسات والممارسات ونشر النظام وتشغيله واستخدامه. وينبغي أن يكون عنصر الأمن، لدى وضع المعايير، من عناصر العمل الأساسية، وليس مجرد فكرة يمكن التعامل معها في مرحلة تالية - لأن جوانب الضعف تنشأ في هذه المرحلة-. وينحصر دور لجان المعايير في الاستماع إلى ما يتردد في السوق وتوثيق القضايا المعروفة، وتقديم حلول لها كلما كان ممكناً، وإصدار المواصفات أو المبادئ التوجيهية التي تساعد المنفذين والمستعملين على جعل أنظمة وخدمات الاتصالات قوية بما فيه الكفاية. ولقد كان قطاع تقييس الاتصالات نشطًا في مجال أمن الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات طوال سنوات عديدة. ومع ذلك، فلم يكن من اليسير دائمًا الوقوف على ما تم إنجازه ومكان وجوده. و توحي التكنولوجيا بأنها تنساب جزئياً خارج الإطار القانوني المخصص لها مما يبرر القول بأن القانون يصبح غير ملائم وغير موفِّر للضمانات المرجوة منه. ذلك لأن التكنولوجيا تتميز بقدرة حقيقية للتحايل على القانون بسبب ما تحتمله من تطبيقات اجتماعية مستمرة التطور موازية للتطبيقات التي يقصدها القانون. وغالباً ما تكون أهمية عدم تطبيق القانون في ضوء المحيط التكنولوجي مفاجأة قوية بدون أن يلحق الأمر ضررا بالتكنولوجيا وبتطورها واستعمالها، ولا يرتب ذلك عقابا محددا لأن الخيار السياسي يحل محل القاعدة القانونية .ويصعب حصر الأمثلة عن ذلك بين السطو على الملكية الفكرية ونظام الخلايا الأصلية للجينات ومناولات المضاربة البنكية والمالية وحماية المعطيات الشخصية وحماية البيئة... وغير ذلك.