يتضمن مفهوم الانتقال الديمقراطي عنصرين يرتبطان بالتحولات السياسية وهي الانتقال من حالة الى أخرى من حيث الطبيعة والمحتوى والمواصفات، من مرحلة الدكتاتورية والاستبداد والتمايزات الى مرحلة الديمقراطية. قد تحدث هذه التحولات نتيجة ثورات وانتفاضات وتتميز بكونها تغييرات جذرية ، وقد تكون نتيجة اتفاقات ذات طبيعة فوقية بين السلطة الاستبدادية وبعض اطراف المعارضة ، تفرضها لحظات معينة من توازن القوى ، وعادة ما تكون النتائج شكلية لا تمس اساسيات السلطة القائمة ، لذلك غالبا ما تتعرض تلك التجارب الى انتكاسات ، وقد تنتج تلك  " التحولات " وهي في الحقيقة احتلالات ، نتيجة تدخلات عسكرية اجنبية تحت حجج ويافطات متنوعة مثل " جئناكم محررين لا فاتحين " و جئناكم بشجرة الديمقراطية التي كانت محرمة عليكم . وبغض النظر عن طبيعة التدخل سواء كان بقرار استعماري منفرد ام بتنسيق مع قوى داخلية ودولية ، فان هذا الشكل من التغيير يدخل ضمن متطلبات تقسيم العمل الدولي الكلاسيكي او المعاصر لتكريس تبعية بلدان الأطراف الى بلدان المركز الراسمالي الامبريالي .

  تترافق عمليات الانتقال الديمقراطي عادة مع مجموعة من إجراءات العدالة الانتقالية القضائية وغير القضائية، لمعالجة انتهاكات حقوق الانسان في زمن الدكتاتورية وجبر الضرر الناتج عنها وإصلاح المؤسسات القديمة لتحل محلها مؤسسات تستند الى مبادئ الديمقراطية الحيقيقية .

                          تجربة الانتقال " الديمقراطي " في العراق

بيئة ما قبل التغيير

كان التناقض التناحري الرئيس في زمن الدكتاتورية بين التحالف الكومبرادوري البيروقراطي البرجوازي من جهة وبين غالبية طبقات وشرائح المجتمع العراقي من جهة أخرى ، بين الدكتاتور وحلفائه وبين غالبية أبناء الشعب العراقي . وابرز ميزات ذلك العهد المقبور هي غلبة السياسة على الاقتصاد التي انتجت سياسات اقتصادية حمقاء ضيعت عائدات النفط الهائلة لتسويق وتجميل سياسات الدكتاتور الاستبدادية الجائرة ، وجعلت العراق يعيش ازمة بنيوية خانقة وبشكل خاص بعد الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج .  

بيئة ما بعد التغيير

  بعد 2003 اصبح واضحا ان مشروع الاحتلال الأمريكي الاقتصادي السياسي يسعى لتكريس تبعية العراق الى عجلة الراسمالية العالمية وتعميق ريعية الاقتصاد العراقي عبر تعطيل قاعدته الإنتاجية الزراعية والصناعية ، واستحكمت  قوى التحالف المهيمن على البناء الفوقي للدولة العراقية وقوضت البناء التحتي لصالح راس المال الطفيلي والتجاري ، فتشوهت اللوحة واختلط حابل الثورة ونابل الإصلاح بعجلة رواد الدولة العميقة تحت جنح الدولة ليلا وتحت اليات الديمقراطية نهارا .

تم التغيير عبر قوات اجنبية واقترن انهيار الكتاتورية بتدمير أسس الدولة ، وإشاعة الفوضى ، فاشتد الصراع المجتمعي لياخذ بعدا طائفيا اثنيا فبدلا من نظام ديمقراطي بديل للدكتاتورية تم بناء نظام المحاصصات الطائفية الاثنية بدفع من سلطة الاحتلال وبرضا من القوى التي هيمنت على السلطة والحكم بعد رحيل الدكتاتورية و يجري صراع محموم على محتوى وشكل الدولة التي تحولت الى دولة فاشلة ريعية توزيعية ينخرها الفساد المالي والإداري وتتحكم بها قوى الدولة العميقة والمافيات المرتبطة بمشاريع إقليمية ودولية . وخلاصة مشروع بريمر في الحقل الاقتصادي قاد الى تدمير القاعدة الإنتاجية في العراق و فتح العراق امام الأسواق العالمية و في الحقل السياسي اعتمد المحاصصة الطائفية والاثنية أساسا للنظام السياسي والتي انجبت الفساد المالي و الإداري ، وفي الحقل الاجتماعي تشكلت لوحة طبقية جديدة و انهارت المنظومة القيمية للمجتمع العراقي.

آفاق الانتقال " الديمقراطي "

العراق يعيش حالة الازمة العامة وتداعياتها ، وحالة استعصاء عميقة ، وعجز القوى المتنفذة عن إيجاد حلول . من مظاهر الازمة انتشار السلاح المنفلت خارج اطار الدولة وتشكيل فصائل وميليشيات مسلحة مرتبطة بقوى داخلية وخارجية وتخرب الاقتصاد وتهدد السلم الأهلي .

وادى ذلك الى رفض غالبية أبناء شعبنا وخصوصا الشباب هذا الوضع البائس . وبسبب تعمق الفرز الطبقي والاجتماعي اصبح التناقض التناحري واضحا بين قوى تحتكر السلطة والمال والاعلام والسلاح وبين غالبية أبناء فئات وشرائح المجتمع العراقي فلم يعد هناك افق حقيقي لوقف التداعي والانهيار مع استمرار هذه المنظومة في الحكم .

ولكي نستوعب آفاق ما يسمى بالانتقال الديمقراطي ، لا بد لنا من ان نتثبت من إجابات على أسئلة جوهرية تساعدنا على تحليل ما جرى في العراق ، ونستشرف ما ستؤول اليه هذه التجربة التي مضى عليها قرابة العقدين من الزمان ما بين المراوحة في مكانها او النكوص الى الوراء ؛

هل اثبتت تجارب العالم جميعها ان احتلالا اجنبيا يمكن ان يبني تجربة ديمقراطية حقيقية، وحكومة مستقلة اقتصاديا وسياسيا ، بمعزل عن مفهوم التبعية وفرض الإرادة ؟

هل القوى المهيمنة على العملية السياسية الحالية مؤهلة لعملية بناء انتقال ديمقراطي ؟ هل هي قوى تؤمن بالديمقراطية أصلا ؟ الم تثبت الاحداث ان غالبية هذه القوى والتيارات ليست الا عصابات ومافيات منزوعة الوطنية مرتبطة باجندات خارجية ، اتخذت شكل أحزاب للتمويه ، لانها جميعا مرتبطة بولاءات عشائرية وطائفية ومناطقية وليس لها علاقة بمفهوم الحزب السياسي الديمقراطي ؟ لا المنطق الشكلي ولا الديالكتيكي يستطيع المواءمة بين هذه القوى وبين الديمقراطية كمفهوم نظري او قواعد عمل . هل يصدق احد ان التغيير الشامل يمكن ان يتحقق على يد قوى اوغلت في الفساد المالي والخطف والاغتيالات ؟

ألا ينتج شعار " الأغلبية السياسية " و " الأغلبية الوطنية " حكومة محاصصة من نفس القوى التي ساهمت في تخريب البلد ؟

هل توفرت في العراق بعد الاحتلال شروط الانتقال الديمقراطي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ؟ الا ينطبق ما قاله الرصافي الشاعر على جميع المفاهيم السائدة في سوق النخاسة السياسية السائدة في وقتنا الراهن ؛

علم ودستور ومجلس امة         كل عن المعنى الصحيح محرف

أسماء ليس لنا سوى الفاظها      اما معانيها فليست تعرف

ان ما يجري في الواقع المعاش ليس سوى عملية تمويه وتعمية وديماغوجيا مخططة لتشويه مفاهيم السيادة و الدستور والديمقراطية والانتخابات النيابية التمثيلية، والفصل بين السلطات، والفيدرالية، والتبادل السلمي للسلطة والحريات العامة واحترام الراي والراي الاخر و المساواة والتنوع ونبذ التمايزات الاقتصادية، والاجتماعية والدينية والطائفية.

ان هذه اللوحة تضع الحركة الجماهيرية امام مهمات عديدة طرحتها انتفاضة تشرين ، ومن ابرزها ان التغيير الشامل اصبح ضروريا ، وان تغيير موازين القوى لتحقيق ذلك التغيير  ،  هو الطريق المضمون لتحويل اهداف انتفاضة تشرين الى ممارسة يومية .

الم يئن الأوان لاعادة تقويم الاوضاع في العراق بعد 2003؟ الم يئن الأوان لمغادرة مفاهيم " العملية السياسية الديمقراطية”، و " مفهوم الانتقال الديمقراطي”، و " التوفيق بين المكونات”، و مفاهيم " المظلومية وحقوق الأغلبية”؟

ان إعادة النظر بالسياسات المعتمدة بعد 2003 من قبل قوى التغيير ، يتطلب معرفة دقيقة بتشخيص المرحلة التي يمر بها العراق في الوقت الراهن ، وعلى ضوء تشخيص المرحلة ، لا بد من تحديد طبيعة الصراع التناحري الرئيسي الناظم لهذه المرحلة ، ومنه ننطلق لتحديد الشعار الرئيسي والشعارات المرتبطة به ، ثم نحدد طبيعة التحالفات الموضوعية التي تفرضها توازنات المرحلة .

وأود ان أؤكد ان العراق يمر بمرحلة تكريس التبعية وارتباطا بذلك فهي مرحلة تحرر وطني بدرجة اكبر بكثير مما مر به العراق أيام الاحتلال البريطاني في زمن الرفيق فهد وما بعده، وهذه المرحلة تفرض علينا متطلبات وتشخيصات جديدة في الممارسة والتنظير السياسيين، فالعراق اليوم يخضع لاحتلال امريكي مباشر وغير مباشر ، واحتلال تركي عسكري مباشر، وتدخل سافر وقوي من قبل ايران والسعودية والامارات وقطر ، وإسرائيل ، وتجد هذه الاحتلالات والتدخلات تاييدا واذرعا ساندة لها من قبل قوى واحزاب وتيارات وشخصيات عراقية مختلفة الأهداف والاتجاهات . وافرزت هذه اللوحة طبقات وشرائح وفئات اجتماعية عديدة .

لقد افرغت الطغمة المهيمنة على سلطة القرار في بلدنا من أي محتوى وطني ، وأصبحت أدوات طيعة بيد مشاريع اجنبية طامعة بثروات العراق الطبيعية والاقتصادية والبشرية ، واعتقد ان الشعار الرئيسي في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة في تاريخ العراق المعاصر هو " لتتوحد قوى الشعب العراقي الطامحة للاستقلال والتحرر من التبعية ضد الاحتلالات والتدخلات الأجنبية ووكلائها في الداخل لبناء عراق ديمقراطي متحرر اقتصاديا وسياسيا " .و " لا بديل للعراقيين غير البديل الوطني الديموقراطي فهو وحده القادر على إعادة بناء الدولة على أسس جديدة "

ان التناقض التناحري الرئيسي في هذه المرحلة هو التناقض بين دول الاحتلال والتدخل المتعددة التي أصبحت عاملا داخليا بوضوح وجلاء وحلفائها من القوى والتيارات والشخصيات المهيمنة من جهة وبين غالبية أبناء الشعب العراقي الساعية الى الاستقلال والتحرر السياسي والاقتصادي الحقيقي من ربقة التبعية . لقد آن الأوان لقوى التغيير الساعية من اجل المشروع الوطني الديمقراطي العراقي ان توحد خطابها وسياساتها وأساليب عملها لتعبيد الطريق امام حركة جماهيرية واسعة واعية ، تشكل امتدادا لانتفاضة تشرين تضع حدا نهائيا للكارثة التي تحيق ببلدنا.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل