عام مضى على أول محاولة تشهدها أمريكا للتمرد على نتائج الانتخابات الرئاسية من قبل رئيس أمريكي يميني شعبوي، حرض أنصاره على استخدام القوة لمنع السلطة التشريعة من المصادقة على نتائج الانتخابات، بعد فشل عدة محاولات من جانبه لحمل السلطة القضائية على رفض تلك النتائج.

 فشلت محاولة الرئيس الخاسر دونالد ترامب لمد ولايته بالضد من إرادة الشعب لفترة ثانية، لا يستبعد أن تتلوها فترات، إن أمتد بصاحبها العمر، ولكن هل أنتهى خطر اليمين العنصري المتطرف على الديمقراطية في بلد يتحكم بمقادير العالم؟ 

هل شكل فشله ضمانة بالحيلولة دون نجاحات لاحقة؟

 لست متفائلا بهذا الشأن ولست متشائما كذلك. أنا متشائل كما كان الفقيد أميل حبيبي يقول.

 مؤيدو ترامب أقتربوا من نسبة نصف المجتمع الأمريكي، لكنه نصف يمتلك الثروة وما توفره من نفوذ. وهو نصف في غالبيته العظمى يحتقر الديمقراطية، لانها تساوي إفراده البيض بالملونين الذين يقودون امريكا نحو الأنهيار كما يعتقدون، وكما أكد لهم زعيمهم الذي لم يجد التأريخ الأمريكي بمثله منذ (( الأجداد العظام )) الذين أستقدموا السود ليقوموا بالدور الذي رسمه لهم الرب والدين، وهو (( خدمة أسيادهم البيض )).

 ترامب رسخ في أتباعه أحتقار كل المؤسسات التي تمثل الديمقراطية، مثل الصحافة، والهيئات التمثيلية والقضاء، وصارت تلك المؤسسات في أذهانهم مجرد كيانات تكرس (( المساواة الظالمة بين من لا تجوز مساواتهم )). ورسخ ترامب في أذهانهم أيضا أحتقار القوانين الدوليه والهيئات التي تمثلها، فالأمم المتحدة، هي مجرد (( ناد للثرثرة )) يساوي بين عظمة أمريكا ودولة لاقيمة لها مثل السويد على سبيل المثال ناهيك عن موزمبيق. رسخ فيهم أيضا أن العلاقات الدولية ليست علاقات تعاون ومنافع متبادلة، وأنما علاقة قوة بين دول عظمى وأخرى ضعيفة قائمة على إملاء الأرادة، الكونغرس الأمريكي يصدر القوانين وعلى الدول الأخرى تنفيذها وإلا فعليها أن تواجه العقوبات، أما الدول القوية أقتصاديا مثل الصين، وعسكريا مثل روسيا، فهي دول عدوة ينبغي السعي إلى عزلها وتطويقها والأستيلاء على أسواقها وأضعاف قدراتها بكل السبل والوسائل.

رسخ ترامب في أوساط جمهوره من اليمين العنصري المتطرف أن الحياة السياسية والأقتصادية، الداخلية والدولية، ميدان صراع من أجل أستعادة ((عظمة أمريكا)) داخليا بإخضاع الملونين وإعادتهم الى ((دورهم الطبيعي)) في خدمة السيد الأبيض، وخارجيا بإضعاف القوى المنافسة ورفع الهراوة بوجه الضعفاء للحيلولة دون خروجهم من بيت الطاعة الأمريكي، أذ يكفيهم فخرا أن يكونوا في خدمة امريكا العظيمة.

 وحين يكون جزءا كبيرا يقترب في نسبته من نصف المجتمع الأمريكي متأثرا بمثل هذه الأفكار والتطلعات، ومشحون باحتقار الديمقراطية وكل ما يمثلها، ويتوهم انها تشكل خطرا على عظمة بلاده، يمكن القول أن ما جرى في الأربعاء الأسود مجرد إرهاصة لما يعتمل في عقل قطاع واسع من مجتمع القوة الأعظم في العالم.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل