نحنا وذياب الغابات ربينا

بالليل الداجي العتمات مشينا

للغاب ليالينا

وللريح غنانينا

هيك، هيك .. نحنا هيك ربينا ...

 هذه الكلمات التي لحنها الرحبانيان عاصي ومنصور، وغنتها فيروز ووديع الصافي ينسبها البعض الى الشهيد اللبناني فرج الله الحلو، رغم أن الرحبانيين وضعها أسمهما عليها، ولست هنا في وارد البحث عن مؤلفها الحقيقي لكنني كنت وما أزال أشعر أنها كتبت على لساني، توصيفا لمسار حياتي.

 قريبا سأتم التاسعة والستين من عمري، لم يورثني أبي ملكا، ولا أمتلك حتى الأن منزلا أو قطعة أرض ولا ذرة تراب، لا في وطني الأم العراق ولا في وطني الثاني السويد.

 أمضيت حياتي في مساكن مستأجرة أو في المعتقلات، أو في الغابات الجبلية.

 لم يكن لي في المصارف يوما ما، رصيدا ماليا غير راتبي الشهري الذي يحوله رب عملي الى البنك بعد أن يخصم منه الضرائب المستحقة، وأرباب العمل يخصمون في العادة أكثر مما هو مطلوب، لذلك تعيد لي دائرة الضرائب في كل عام مبلغا بسيطا من المال كنت في كل صيف ((اتبحبح)) به أنا وأسرتي المكونة من زوجتي وأبني الوحيد.

 وفي مثل هذا الوضع من الطبيعي أني لم أمتلك يوما أسهما في شركات أو أسواق مال، أو صناديق أستثمار. كما لم تكن لي سيارة خاصة وظلت وسائل النقل العمومية هي وسيلتي الوحيدة في التنقل المحلي والوطني والخارجي. كما أستخدمت البغال في التنقل خلال المرحلة الجبلية من حياتي. لكن إعتمادي كان دائما على قدميّ، فبهما تسلقت جبال كردستان ـ العراق، وجبت سهولها، وبهما قطعت المثلت الحدودي العراقي ـ السعودي ـ الكويتي، في رحلة فاشلة, وبهما أيضا، وفي رحلتين ناجحتين، قطعت المثلث الحدودي العراقي ـ التركي ـ الأيراني، والمثلث الحدودي الأيراني ـ الأفغاني ـ التركمانستاني.

 حفلات التعذيب والإهانات في المعتقلات العراقية لم تترك لدي أثرا نفسيا سيئا، بل بالعكس خلقت لدي شعورا أيجابيا وأعتزازا بقدرتي على تحمل الصعاب، وحين أستقبلتني السويد لاجئا، لم أطلب دعما نفسيا، كما يفعل كثيرون ممن مروا بظروف مشابهة لظروفي أو حتى لم يمروا، لكنهم فضلوا أن يدعوا مرورهم بها.

 عشت هذه الحياة الطويلة بحلوها ومرها، بانتصاراتها الصغيرة وهزائمها الجسيمة، ولم أشعر يوما بالندم لما دفعته من أثمان لخياراتي وأفكاري، التي لم تكن بالتأكيد، في أي مرحلة من المراحل، كاملة الصحة وخالية من الثغرات والأخطاء، لكنها لم تكن أبدا أخطاء متعمدة، ولم أكن في أي يوم رافضا مراجعة أفكاري ومواقفي، أو مترددا في الأعتراف بالأخطاء والتراجع عنها.

 69 عاما عشتها بلا ملكية خاصة، وبحد أدنى من الملكية الشخصية، التي قد لا تتجاوز الملابس والأحذية البسيطة، والأواني المنزلية، والكتب والراديو والتلفزيون وفي وقت متأخر جهاز الكومبيوتر والهاتف نصف الذكي الذي وفره لي عملي.

 ليس هدفي أستمالة أحد إلى إختيار نمط الحياة الذي عشته، ولا فهم الحياة كما أفهمها. وليس كل ما ذكرته كان، حين أقدمت عليه، هو خياري المفضل، وربما كان الكثير منه بفعل الأضطرار. لكنه لم يكن أضطرارا ناجما عن أنتفاء خيارات أخرى، أنما هو أضطرار كان يتصل دائما بتعارض الخيارات المتاحة حينها مع ما أحمل من مبادئ وقيم. لذلك لم أشعر في أي وقت من الأوقات بأي ندم ولا بأي نقص في حياتي.

 لهذا لا أفهم كيف يعتقد البعض أنه لا يمكن للحياة أن تعاش دون ملكية خاصة، ولماذا يكرّس البعض حياتهم للصراع من أجل الحصول عليها، ويضعونها موضع التقديس؟؟؟

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل