تُعيدُني هذه المناسبة إلى ستة عقود ونيف، كنت فيها طفلا ...

في عام 1954 م. كانت تصحبني جدتي لزيارة عمي الراحل (أحمد عبد الكريم الدبش) لزيارته في سجن بعقوبة المركزي، والذي كان محكوما عليه بتهمة الشيوعية!...

دخلنا باحة السجن مع عشرات من العوائل ذوي السجناء السياسيين، وهم مثلنا كانوا بزيارة لأبنائهم!...

رأيت منظرا غريبا!...

رجال في أرجلهم سلاسل حديدية ويضعون نهاياتها على أكتافهم!

كانوا حليقي اللحى، ويعلوا محياهم الابتسامة والبهاء والبشر..

وبعد أن التقينا بعمي الذي تقدم لجدتي.. (والدته) مقبلا يديها ورأسها، حملني بعد ذلك وضمني لصدره مرحبا بحنان ومحبة..

كان الأطفال ربما لأول مرة يلتقون بهؤلاء السجناء، وكان عددنا غير قليل، مع الذين جاؤوا مع ذويهم!...

بعد برهة من الوقت وانتهاء مراسم الاستقبال، وبشيء من الدموع والحزن والشوق، ولا يخلوا من الغضب والاحتجاج على الأوضاع المزرية التي كان يعيشها السجناء، وتقييدهم بهذه السلاسل، وبشكل مهين!

قام بعض من نزلاء السجن، توزيعهم شيء من الحلوى والعصائر (شربت)!

وقف أحدهم بعد أن جمعنا نحن الأطفال في وسط ما كانت أشبه بقاعة مستطيلة، أو هكذا ما علق بذاكرتي!

فقال لنا قولوا معي...

عاش السلام العالمي..

عاش السلام العالمي..

عاش السلام العالمي..

يسقط الاستعمار والرجعية ...

تذكرت هذا المشهد.. والسجناء وذويهم يعلو وجوههم الأمل بانبلاج يوم جديد، لينتهي ما يقاسوه على يد النظام الملكي الرجعي العميل للاستعمار، ومصادرة حقهم وحق الناس بالاختيار.. وحقهم بالحرية والعدالة والمساواة والتعايش بين الجميع، وبحق الاختيار والتعددية، ليعم السلام بين مكونات شعبنا وأطيافه المختلفة.

المطالبة بتحقيق هذه القيم والمبادئ، كان ثمنه السجن والتعذيب والنفي والقتل أحيانا أخرى!

تذكرت هذا المشهد وأنا كنت حينها طفل صغير، واليوم وبعد 63 عاما أو أكثر!

ما زال شعبنا بمكوناته المختلفة! يأن تحت سطوة وكابوس الإرهاب الجاثم على صدورنا، وحريته مصادرة! وأرضه يدنسها الإرهاب، وكرامة الناس مستباحة، ودمائه مهدورة وثرواته منهوبة، ناهيك عن غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وحرية المعتقد والضمير لا مكان لها في عراق اليوم.

مازلنا نفتقد للأمن والأمان والاستقرار بالرغم من مرور ما يزيد على عقد ونيف من السنين، والحروب تعصف ببلدنا وشعبنا منذ ما يربوا على أربعين عاما!

الموت يحصد أرواح عشرات الألاف سنويا، والملايين مهجرة، وما زلنا نحلم بيوم الخلاص!

يحدونا الأمل بأن يسود السلام وثقافته، بدل الحرب والموت والكراهية والظلام؟

في يوم السلام!...

حري بنا أن ندعو إلى ثقافة السلام والمحبة، والى التعايش والتعاون والتألف والمحبة، وننبذ الكراهية والعنصرية والطائفية والعنف، وننفض عن كاهلنا تلك المفاهيم والقيم الغريبة السائدة اليوم مع شديد الأسف، هذه الثقافة مدمرة للحياة!...

لنخرج مع جماهير شعبنا، بدعوة صادقة للملايين من بنات وإبناء شعبنا، لتشديد النضال الجماهيري السلمي، ولتمارس هذه الملايين حقها الطبيعي في التظاهر والمطالبة بإعادة بناء دولة المواطنة وقبول الأخر.

لتخرج هذه الملايين إلى سوح التظاهر والاحتجاج، مع من يخرج كل يوم جمعة منذ ما يزيد على السنتين، تتسمر بسوح التحرير والتظاهر في بغداد وباقي المحافظات، وهي تهتف للسلام للحرية للتعايش وللحب وللديمقراطية وقبول الأخر، وتطالب بالتصدي للفساد والكشف عن الفاسدين والمفسدين، ولجم ثقافة الطائفية والمحاصصة والتمييز، وفي سبيل إعادة بناء دولة المواطنة.

بهذه المناسبة لابد لنا أن ندعو إلى إيقاف التصعيد والمناكدة والتخوين والإلغاء، ومعالجة المشاكل العالقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان العراق، من خلال الحوار.. الحوار وحده ولا بديل عنه، لتجنيب شعبنا ويلات الحرب وتبعاتها.

الجميع سيخسر! ولا يوجد رابح لو حدث النزاع المسلح، وخصوصا الفقراء منهم، وتجنب لغة التصعيد والتجييش والتعبئة من جميع الأطراف، وعلى مبدأ العراق يتسع للجميع.

عاش السلام العالمي أمل البشرية الوضاء.

لتتوقف الحرب العبثية المدمرة في العراق وسوريا وليبيا واليمن، وفي مناطق أخرى من المعمورة.

ليحل نظام عادل وإنساني، ديمقراطي تقدمي في هذه الدول، أنظمة تصون كرامة الناس وتحافظ على حياتهم وتؤمن مستقبلهم، وتوفر لهم الحد الأدنى من العيش الكريم.

لنعمل كقوى ديمقراطية وتقدمية ووطنية ، وهي دعوة كل الخيرين في عراقنا، بالعمل على إعادة بناء دولة المواطنة ، الدولة الديمقراطية العلمانية الاتحادية، التي تحقق المساوات بين الجميع، وهي وحدها القادرة على إيقاف الحرب الطائفية والعنصرية والمحاصصة البغيضة، وتسعى لإرساء دعائم الأمن والسلام في ربوع العراق، والتصدي للفساد والفاسدين وللميليشيات الطائفية المنفلتة من عقالها ، والتصدي للجريمة المنظمة ولتجار المخدرات والاتجار بالبشر، ليعم النماء والرخاء، وتسود ثقافة التعايش والمحبة والتسامح، بين أطياف وأديان ومكونات هذه الشعوب.

لتتوحد قوى شعبنا الخيرة والديمقراطية لهزيمة القوى الفاشية والإرهابية، وللتصدي لفلسفة التصحر الفكري، ولثقافة الظلام والتخلف والعنصرية، المعادية لحركة الحياة.

عاشت قوى شعبنا الديمقراطية، الساعية لتعميق ثقافة إنسانية الحياة، وليعم السلام والحرية والديمقراطية والعدالة والتقدم.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل