مقدمة لابد منها بقلم ابن شقيق الشهيد: 

الشهيد الخالد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم) لم يكن فقط ثائراً ومناضلاً وطنياً صلباً، وإنما كان أيضاً شاعراً وأديباً، وقد بزغت موهبته منذ طفولته. يروي والدي علي الشبيبي -شقيق الشهيد- طيب الله ثراه في مخطوطاته هذه الطرفة التي تدلل على موهبة حسين اللغوية منذ نعومة أظافره، حيث كان تلميذا في الصف الثالث الابتدائي. يقول والدي: عصر أحد الأيام كان عند والدي صديقه الحميم – إذ ذاك – العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائري، وقد عاد الصغير من مدرسته متأبطا كتبه ودفاتره وصعد الى أبيه يحيه وصديقه. تناول الشيخ الجزائري دفترا كان مكتوبا عليه (كراسة للرسم والخرائط ) فالتفت الى الصغير وقال له : حسين اقرأ هذا ...... انه نصف بيت شعر فأكمله انت. ورد الصغير على البديهة: كراسة للرسم والخرائط يحملها شويخ المضارط ! فزجره والده غاضباً، لكن الشيخ الجزائري راح يضحك ويفرك برجليه واغرق في الضحك ثم أعاد الشيخ استحسانه لهذه البديهية الفذة ومنحه جائزة نقدية. ويضيف والدي راوياً بعض مواهب الشهيد المبكرة فيكتب: أهتم الشهيد بالأدب منذ صغره عندما كان في الاول المتوسط يملأ فراغه بالقراءة ويتابع المجلات المتحررة التي تصدر آنذاك كالعصور والدهور ويقرأ المقتطف والهلال. وقد نظم أول قصيدة وهو في الصف الثاني متوسط، وقد جرب الشهيد عدا الشعر كتابة القصة، فقد نشر في مجلة الروائع البغدادية قصة بعنوان (الفصل الأخير من المأساة) تناول فيها محنة فلسطين. فالشهيد كان إذن يتمتع بموهبة أدبية وشعرية إضافة لوعيه السياسي منذ طفولته، وسوف أنشر مستقبلاً بعض ما توفر لدي من نتاجاته. ويشير والدي في مخطوطاته أن بداية علاقة الشهيد حسين بالحزب كانت بسبب ما ينشره في مجلة "المجلة" من كتابات وتحليلات سياسية ناضجة وعلمية مع بداية الحرب العالمية الثانية. وكانت مجلة "المجلة" يرأس تحريرها أستاذه السابق الراحل ذنون أيوب وكان الخالد فهد بعلاقة قوية مع ذنون أيوب ويشرف على نشريات المجلة. فأعجب الخالد فهد بكتابات الشهيد وبتحاليله العلمية المتعلقة بالحياة المعاشية في النجف أيام الحرب ومسار الحرب، فأرسل فهد الى حسين بطاقة دعوة للقائه في مقر المجلة، ومن ذاك اللقاء بدأت حياته الحزبية التي انتهت بإعدامه ورفيقيه الخالدين يوسف سلمان -فهد- وزكي محمد بسيم -حازم- في 14و15 شباط 1949.  

قبل أيام عثرت على مقالة للشهيد حسين (صارم) نشرتها مجلة "المجلة" العراقية بتاريخ 16/11/1941 بعنوان (كيف يسير التطور وماذا تحاول النازية). وأعادت نشر المقال مجلة اشتراكية في إسرائيل عام 1977 بالعنوان أعلاه وقد استنسخته عن طريق هذه المجلة.  كتب الشهيد مقاله في الفترة التي كانت فيها موسكو ولينينغراد تعانيان من الحصار النازي وكان أكثر من ثلث الاراضي السوفياتية محتلة. وجاء مقاله هذا يتحدث فيه عن سنة التطور ويؤكد النهاية الحتمية للنازية والفاشية. وقد أثبتت الحياة صحته، وكان مصيباً لاعتماده التحليل الماركسي. 

من المؤسف أن بعض تراث الشهيد الأدبي والفكري والسياسي قد فقد نتيجة الظروف الصعبة إضافة للإهمال وعدم الحرص!؟. وبالرغم من أن الحزب طبع بعض نتاجات الشهيد حسين ولكن هناك الكثير مازال مجهولاً في طيات مجلات وصحف الاربعينات. في رسالتي هذه أوجه دعوة للمهتمين وفي مقدمتهم رفاق الشهيد (الحزب الشيوعي العراقي) في مراجعة صحافة الحزب والأحزاب الوطنية ومجلة "المجلة" في سنوات الاربعينات لجمع وتوثيق ما يعثرون عليه من كتابات الشهيد ورفاقه، وبذلك يحيوا تراثه ودوره -ودور الحزب- في الحراك الأدبي والثوري في سنوات الاربعينات من القرن الماضي.  

نعم الإهمال وعدم الحرص كان سبباً في ضياع بعض تراث الشهيد حسين الشبيبي (صارم)، وحتى تراث رفيقيه الشهيدين فهد وحازم. ولا يعقل أن الشهيد حسين قضى أكثر من سنتين بين اعتقال وسجن متواصلين ولغاية إعدامه في شباط 1949 لم يكن قد أحتفظ وبخط يده ببعض كتاباته (الشعرية والأدبية والسياسية) -فقد نشر له وهو داخل السجن بعض القصائد والكتابات-. يذكر الراحل سالم عبيد النعمان كيف سلمه الرفاق قادة الحزب -فهد وحازم وصارم- حقائبهم عندما سحبوا من سجن الكوت الى بغداد لإعادة محاكمتهم، ففي مؤلفه (الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد) طباعة دار المدى 2007، يذكر النعمان ما نصه في صفحة 290: (سلمني الرفيق فهد مفتاح جنطته الخاصة ثم سلمني زكي مفتاح جنطته وسلمني حسين مفتاح جنطته تباعاً بحضور الرفاق أعضاء اللجنة التي شكلها فهد. وكانت كل جنطة تحتوي على ملابس وأوراق خاصة سوى أني وجدت في جنطة الرفيق زكي مفتاح رسائل فهد الى المركز وقد أطلعت أعضاء اللجنة عليها بعد علمنا بإعدام الرفاق.). ويكتب الراحل النعمان في الهامش 115 ما يلي: (لقد بقيت الجنطات الثلاث بعهدتي حتى حدوث انشقاق سجن نقرة السلمان القديم في أيلول 1950 حيث وضع المنشقون أيديهم على الجنطات العائدة للرفاق يوسف فهد وزكي وحسين وانتزعوا مني مفاتيحها ولا أعلم حتى الساعة مصيرها ولعلها آلت الى الحزب الشيوعي الذي هو وارثها الحقيقي، هذا ما كنت وما زلت آمله والجنطات تحتوي على ملابس الرفاق وأوراقهم الخاصة ومفتاح التخاطب مع الحزب خارج السجن وهو بخط الرفيق زكي ومحفوظ في جنطته.)! وللأسف أن الراحل سالم عبيد النعمان لم يعلم الحزب أو يعلم عائلات الشهداء عما احتوته هذه الحقائب من رسائل خاصة، وربما حتى كتابات أدبية أو سياسية، ولم يكتب حتى عن ذلك خلال أيام جمهورية 14 تموز قبل ستة عقود! 

لا يعلم ولم يقدر النعمان الأهمية العاطفية لآثار الشهيد بالنسبة لعائلته التي كانت حريصة على الاحتفاظ بكل حاجات الشهيد (من ملابس وكتابات). حتى أن الشقيق الأصغر -محمد علي- للشهيد حسين عندما حكم عليه بالسجن لعشرة سنوات في 27/04/1949 وأرسل الى سجن نقرة السلمان التقى بالراحل سالم عبيد النعمان، الذي وصل قبله بأكثر من شهر، حاول محمد علي -الاسم مركب- راجياً الإطلاع على محتويات حقيبة الشهيد شقيقه أو الاحتفاظ ببعض ملابسه وكتاباته التي لا تمس سرية التنظيم، ولكن للأسف أن النعمان كان يصده بتعجرف متذرعاً بإن هذه المحتويات هي ملك الحزب! مما أدى ذلك الى نوع من القطيعة والخلاف بينهما. وحتى عائلة الشهيد حسين فشلت، من خلال علاقتها العائلية بعائلة الراحل النعمان في الحصول على محتويات حقيبة الشهيد!. لقد كان لتصرفات الراحل النعمان -داخل السجن- وغطرسته وغروره إضافة لضعف خبرته في العمل التنظيمي والقيادي سبباً في الخلافات بين مجموعتين من السجناء (القادمين الجدد من سجن الكوت والقدماء في سجن النقرة). وبعد الضربة القاسية التي وجهت للحزب بإعدام قادته -فهد وحازم وصارم- وتشتت معظم التنظيمات جاء وصول حميد عثمان الى سجن النقرة فزاد الطين بلة، فهو الاخر تنقصه التجربة والخبرة القيادية. وفي ظل هذه الملابسات والخلافات فقدت هذه الحقائب العزيزة لعائلات الشهداء ولتراث الحزب وضاعت محتوياتها!؟ وللأسف إننا نسمع من الراحل سالم عبيد النعمان عن ذلك بعد ستة عقود بينما كان بالإمكان البحث عن مصير محتويات الحقائب لو بادر وفاتح الحزب بموضوعها بعد ثورة 14 تموز 1958 فربما كان بالإمكان معرفة مصير الحقائب ومحتوياتها وخاصة أن بعض الرفاق (الشهيد محمد حسين ابو العيس، علي شكر، جورج تلو وغيرهم) الذين زاملوا قادة الحزب في سجن الكوت مازالوا أحياء ويتذكرون محتوياتها، وربما أطلعوا على محتويات الحقائب لأن بعضهم كان من ضمن اللجنة القيادية التي أختارها فهد لقيادة السجن! ولكن خلافاته الشخصية مع رفاقه وانشقاق التنظيم في سجن النقرة وابتعاده عن الحزب -حتى بعد توحده- وما تركه الانشقاق من تبعات حال دون اهتمامه بمصير الحقائب.        

محمد علي الشبيبي 

السويد 01/04/2021 

*                *                * 

الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم) 

1917- 1949  

اليكم نص ما كتبه الشهيد حسين الشبيبي (صارم) ونشرته مجلة "المجلة" العراقية بتاريخ 16/11/1941  

 كيف يسير التطور وماذا تحاول النازية 

القاعدة التي لا يشذ عنها أي كائن حي هي ان العالم سائر نحو التطور، مستمرا قدما الى الامام، لا يقف في سبيله سد، ولا يحول دونه حائل . فلو رجع أولئك الرجعيون البطيئو الحركة، الى قليل من البصر بتاريخ الحياة، ويسير من التروي، وصدفوا عن تصلبهم وتزمتهم في مذاهبهم، ولهالهم، وأفزعهم ما لا يدع لهم مجالا للشك في ان الحياة تسير على غير ما يزعمون ، وان ناموسها لا كما يظنون ... 

لقد أثبتت الفلسفة المادية ان "الشعور نتيجة البقاء" ولا عكس، أي ان الشعور الاجتماعي نتيجة بقاء المجتمع، ومعنى هذا ان للهيئة البشرية البقاء، وهي لذلك تشعر بضرورتها وحاجاتها، فكان لها ان تطورت وتقدمت، ولو عكسنا هذا القانون لرجعت الحياة متقادمة الى الوراء لا متقدمة الى الأمام كما نرى، ولسخر منا نطق الحياة! ويكفينا دليلا قاطعا على ذلك، لا يقبل الشك ان الفرد منا انما يشعر بالواجب المكلف به من السعي والجهد بعد ان يعرف انه خلق للبقاء، فيشعر بعد ذلك ان بقاءه يحتم عليه العمل ليأكل ويلبس وينام سعيدا مترفها، أي انه "كان فأدرك" و"لم يدرك قبل ان يكون" . 

ولنقتبس الآن هذه الفقرة من الجزء الأول من كتاب "رأس المال" فهي كما يقول مثبتها في أحد كتبه "تعطينا نظاما كاملا لأسس المادية الجوهرية كما تنطبق على المجتمع البشري وتاريخه" : 

"عند انتاج وسائل الحياة الاجتماعي، تدخل البيئة البشرية في روابط مقررة حتمية، تلك هي روابط الانتاج المنفقة مرحلة معينة لتطور قوى الانتاج، ومجموعة هذه الروابط الانتاجية تشيد أساس بناء المجتمع الاقتصادي، الأساس الحقيقي الذي يرتفع عليه أعلى بناء سياسي مشروع، والذي تتفق معه قوانين الشعور الاجتماعي الثابتة المقررة، فان أسلوب انتاج وسائل الحياة المادية، على الأعم، يحدد مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية، فليس شعور الهيئة البشرية هو الذي يحدد بقاءها، بل بالعكس، ان وجودها الاجتماعي هو الذي يحدد شعورها .." . 

هذه النظرة التي استخلصت من نظرية مستمدة من التاريخ الواقعي هي اسمى اتجاه للفلسفة الاجتماعية، فإنها استخرجت من صميم التاريخ، لا من النظريات التاريخية السالفة "التي وضعت في المحل الأول ان تختبر فقط البواعث الفكرية لفعالية الهيئة البشرية، دون تحقيق وبحث عن منشأ هذه البواعث، أو ادراك للتوافق المحسوس مع قانون تطور طراز الروابط الاجتماعية، أو تمييز لجذور هذه الروابط الاجتماعية بالنسبة لتطور الانتاج المادي .." وهي أيضا، أي النظريات التاريخية القديمة، "تجاهلت فعاليات الجماهير" بينما النظريات التاريخية المادية "تمكنت من دراسة شؤون حياة الجماهير الاجتماعية، والتبدلات في هذه الشؤون مع الدقة العلمية" فمن الحق ان يقال ان علم الاجتماع وفن التاريخ لم يعطيا قبل النظرية المادية، الا "جموعا من الحقائق المرصوفة اعتباطا، ولم يصفا الا جوانب مبعثرة من الظواهر التاريخية، ولم يرسما السبيل لاختيار كل الميول المتضاربة، ولم يرداها بإحكام الى شؤون الحياة وأساليب انتاج طبقات المجتمع المختلفة، ولم يطرحا الميول الذاتية في اختيار الأفكار التوجيهية المختلفة أو في تأويلاتها وإظهار ما لجميع تلك الأفكار والميول من تأثيرات في شؤون قوى الانتاج المادي"، فكان من نتائج تلك النظريات العقيمة انها لم تدرك، أو تجاهلت، هذه الحقيقة الناصعة وهي : ان البشر يعمل تاريخه بنفسه . 

على هذا الأساس يجب ان يفسر تاريخ الهيئة البشرية، وعلى هذا الضوء يجب ان ننظر الى التطورات الاجتماعية اذن، متمشين مع الحقائق التاريخية الثابتة، فليست هناك من فروض نفرضها على العالم ليسير عليها، انما العالم هو الذي يفرض فروضه فلا نملك ردا ولا اعتراضا ‒ ويجب ان لا يقودنا الالتباس الى الايمان بالقدر، ان العالم يستمد قوانينه من "ظهور وتطور وانحلال انشاءاته الاقتصادية والاجتماعية"، ففي كل ناحية من نواحي التاريخ نرى هذه الظاهرة وهي : "ظاهرة الانشاء والهدم المستمرة، والارتقاء الذي لا ينتهي، من الأدنى الى الأعلى" وهكذا تكون الفلسفة في عرف المادية "علم قوانين التنقل العامة في كلا العالمين الخارجي والفكري" وهي بذلك قد انقذت الفلسفة الحية من "رحل المثالية" الى "تصور الطبيعة المادية" كما قال قطب من اقطابها . 

*                *                * 

 وهذا هو ملخص التطور الاجتماعي : ‒ 

ان تاريخ الهيئة البشرية على اختلاف نواحيه وأجزائه وحدة متماسكة لا ينفصل جزء منها عن الآخر، متعلقة كل ناحية منها بالأخرى، فالأفكار التوجيهية، وقوى الانتاج المادي، وفعاليات الجماهير، كلها تسير جنبا الى جنب، متفاعلا بعضها مع بعض، مصيرة الروابط الاجتماعية على نحو يخضع لمبدأ المقدمات والنتائج، لا يحيد عنها ولا يميل، على انه كلما تقدم الزمن تشعبت الروابط الاجتماعية واتسعت، وكلما تشعبت واتسعت ازدادت قوة تفاعلها وأسرعت، وكلما بلغت درجة معينة في شكل من أشكال الروابط والعلاقات حدث انقلاب يخطو بالعالم الى الأمام، والعالم دائما في انتظار هذا النوع من فترات التدرج، ليتم انتقاله "من الكمية الى النوعية"، ولينقا "لولبيا" لا في خط مستقيم، منتهزا الفرص المناسبة "ليقفز وليثب ويثور"، متحملا كلما يترتب عليه من الولايات والمصائب والنكبات والمصاعب . 

وان توقف العالم دون تقدمه وتطوره والأساس الفلسفي المتين للتطور هو "تناقض انعكاس القوى المختلفة، والانعطاف المتواتر التأثير على كل جسم وفي كل عرض وضمن كل مجتمع، والارتباط الذي لا ينحل بين جميع جوانب كل جسم أو عرض أو مجتمع (والتاريخ دائم الكشف عن كل جانب جديد)" ؟ 

لقد برهن التاريخ على ان العالم سائر على هذا النحو من التطور، هذا التطور الذي يأتلف تمام الائتلاف مع النظر العلمي الصحيح، برهن حين بلغ نظام ألرقيق أشده فانهار كيان الحضارة الرومانية، وبرهن حين وصل نظام الاقطاع غايته فانهدم العالم الاقطاعي على يد الثورة الفرنسية، وبرهن حين انهارت امبراطورية روسيا القيصرية على رؤوس القيصر والملاكين والنبلاء، وهو الآن يبرهن حيث يزداد تحسس وتيقظ وتكتل طبقة البروليتاريا في جميع أنحاء العالم، اذ يتوسع مجال الرأسمالية في الشركات الكبيرة والمعامل الضخمة والأسواق الاستثمارية ووسائل الانتاج . فهو الآن ‒ أي العالم ‒ سائر في طريقه حتى يكتمل تضخم وتآزر طبقات العمال، الى ان يقف ليشهد أعظم وأروع صراع هائل بين معسكرين عظيمين، أحدهما يريد البقاء، والثاني يحاول بكل ما اوتي من القوة والحق والإيمان ان يصرع عدوه الجبار المفترس، مدفوعا بحكم الضرورة المنطقية للتطور . 

*                *                * 

فأين نجد الفاشية في ايطاليا وألمانيا (النازية) في هذه السلسلة التاريخية ؟ أين مكانها من هذا اللولب التطوري ؟ أين محلها من هذا التسلسل المنطقي ؟ 

هذا ما يجب ان يلفت نظر أولئك المتقاعسين عن البحث العلمي، الذين قنعوا بالثرثرة دون ما تأمل أو تفكير مستقيمين بلا درس واستقصاء، فراحوا يرسلون للإعجاب بالنازية مستمدين كل معلوماتهم من أبواق الدعايات المهرجة المخادعة الكاذبة تلك الدعايات الغاشمة الاثيمة التي لم تستهدف إلا السواد الأمي من الشعوب لتسمم دماغه المتبلبل بالأضاليل والأباطيل . 

ولعمري لو قدر لهذه الجماهير الشعبية ان تعاقب الذين اساءوا في تسييرها وتوجيهها، وتصب سوط عذابها على حرماتها وكراماتها، وتنتقم من مستخدميها ومستغليها ومستثمريها وعلمت ما ل(انصاف المثقفين) من سوء الاثر عليها والمس بكرامتها، اتراها تقنع بالهزء بهم والسخرية منهم ؟ أم انها ستسكب كل جام غضبها وحقدها عليهم ؟ ان من الخطل ان يتساهل كل مثقف سليم العقل قويم الادراك مع هذه الطبقة من المهرجين ما داموا لا يريدون ان يستنجدوا بالعقل والحكمة في آرائهم لينقذوها من صفتها الثرثارة .. 

ليست النازية الا انتكاس رجعي يريد ان يقف في سبيل التقدم الاجتماعي وهي سد يريد ان يثبت في طرق السلم التطوري، ويحاول ان يرد تيار التطور ويسير به الى الوراء، انها تريد ان تصطدم بالواقع لتعكس القانون المنطقي لتقدم الحياة، انها لثورة ولكنها ثورة في وجه التجديد، انها لإشهار السلاح ولكن على الواقع والحق الصراح، فما اشبه سير الحياة صف النازية بتيارين متصادمين ! ولكن شتان بين التيار الجارف وبين تيار حديث العمر قصير المنحدر !! ثم شتان بين مؤمن بالحياة وهي ملء اهابه وبين محتضر ينازع بآخر ما تبقى له من رمق يريد به الحياة !! أو ليست النازية محاولة باعثها الانخذال ودافعها النزاع الفاشل ؟ انها لسلاح تشهره، دائما، الفئة الضئيلة من الرجعيين، فتحيط نفسها بأشباح من الارهاب وافانين من بث الرعب ونشره، ثم انها تلجأ الى القوة لتقف في سبيل التقدم محافظة على كل ما تحتم عليه الظروف الموت والزوال . 

فهي الآن قوة تريد ان تعزز فئة الرأسماليين الفاشست، وكأنها سائرة نحو الفناء فستموت النازية لأن سنة الحياة لا تعترف لها بحق البقاء، ولأن ناموس التطور الحق سيسخر من صفاتها وحماقتها ! 

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل