كلمة الحق التي نعنيها هي عبارة " حرية التعبير بكل الوسائل " المقرة في الدستور.

حيث لفتت حادثة اعتقال المحلل السياسي والخبير الأمني ابراهيم الصميدعي الأنظار الى هذه العبارة الدستورية من جديد، وهل كان إجراء إلقاء القبض عليه إنفاذاً للقانون حقاً أم تكميماً للأفواه؟

 أثارت عملية الاعتقال ردود أفعال مستنكرة في أوساط الرأي العام والإعلاميين وكل المهتمين بالحريات وحقوق الإنسان، بعد انتشار فيديو يوثق لحظة تقييده من قبل القوى الأمنية على مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات.

  قامت الجهات الرسمية، عملياً، بترجيح تنفيذ " المادة 226 " لسنة 1969 التي شرّعها مجلس قيادة الثورة المنحل لحماية نظامه الدكتاتوري على " المادة الدستورية 38 " من دستور 2005 الذي أقر " حرية التعبير بكل الوسائل ". باعتبارها مبدأ أساسي من مباديء الديمقراطية.

 في حقيقة الأمر، غموض اسباب اعتقال السيد الصميدعي، أضفت على الإجراء الحكومي التباسًاَ أكبر!

 فهل كان إبداء رأيه الصريح أم تهجمه على شخصية أو مؤسسة، كما نُقل، في لقاء في غرفة مغلقة من غرف مواقع التواصل الاجتماعي جريمة تستدعي العقاب لها قانون يحكمها؟!

ولو صح ذلك لعدنا مجدداً الى هواجسنا السابقة بأن " للحيطان آذان”!

 أما الألف باطل فهي تلقف ممثلو الإعلام المغرض من المطبلين لأحزاب السلطة الإسلامية ومحللي فضائياتها، الحدث على الطريقة السفيانية : " تلقفوها تلقف الكرة !" وكما حبل إنقاذ اللحظة الأخيرة، وتراصفهم لشن حملة إعلامية شعواء ضد حكومة مصطفى الكاظمي لما سموه " سياستها في تكميم الأفواه وقمع المعارضين "، محاولين تلميع صورتهم أمام الرأي العام وتسويق أنفسهم ومن يقف ورائهم من ميليشيات ومافيات فساد كمدافعين عن حرية الرأي وحقوق الإنسان وكرامته... أملاً في استغباء العراقيين، مرة أخرى، بعد أن مقتوهم، وأسقطوا أسهم الإسلام السياسي إلى الحضيض.

 أحد دكاترة الأعلام من اتباع أحزاب الإسلام السياسي ومن على إحدى منابرها الفضائية الصفراء، والمتعود على الدفاع المستميت عن فسادها وجرائمها وولائها لإيران وأفكار القهقرى التي تتبناها، وخطابها المأزوم، وتبريره الاجرامي لفظائع ميليشياتها في قتل واغتيال واختطاف شباب الانتفاضة الذين لم يُتركوا ليعبروا عن رأيهم بحرية ضمنها لهم الدستور بل وُجهوا بقمعٍ وحشي ليس له نظير. وكذلك تجاهله لعمليات اغتيال طالت ذوي الأفكار النيرة والمطالبين بالحقوق التي كفلتها الديمقراطية من المفكرين والصحفيين الأحرار وبالخصوص بعد اندلاع انتفاضة تشرين المجيدة، من الذين دافعوا عن مبادئها، ووجوه اعلامية بارزة تحظى بتقدير شعبي مثل هشام الهاشمي واحمد عبد الصمد وغيرهم من العاملين بالمجال الإعلامي والمدونين والناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي، وكذلك لعمليات اختطاف وتغييب آخرين مثل الصحفي توفيق التميمي والناشر مازن لطيف والمحامي على كاسب وترهيب ومطاردة ناشطين غيرهم الكثير…

 تحول هذا الدكتور، بقدرة قادر وبين ليلة وضحاها، إلى مدافع شرس عن الحريات الصحفية وحرية الرأي، متباكياً على حقوق وحرية السيد ابراهيم الصميدعي المنتهكة، بينما لم يعرف عنه مناشدته، يوماً، جوقة التقاة والمجاهدين من أحزابهم في مجلس النواب بإلغاء القرار الجائر لمجلس قيادة الثورة المنحل 226 لسنة 1969 طوال هذه السنين، او مطالبته بسن وإقرار قانون ديمقراطي للعمل الصحفي، يضمن حقوق الصحافيين الاستقصائيين وحمايتهم من عسف شرطة الثقافة وتكريس الصحافة كسلطة رابعة وضمان حرية الفكر والرأي لكل مواطن… ولا غرابة في ذلك !

 كما أنه لم يطالب مثلاً النائب العام للمحكمة الاتحادية ولا حتى نقابة الصحفيين باتخاذ موقف ضد خطف (زملائه) الصحفيين والإعلاميين وتغييبهم من قبل ميليشيات اجرامية تقوم ايضاً بحرق القنوات الفضائية التي تختلف معها بالرأي، بل سكت وأغمض عينيه وصمّ أذنيه عن كل ما دار ويدور… ولا غرابة في ذلك أيضاً!

وعلى العكس من كل الجرائم المقترفة بحق الجسم الصحفي والإعلامي والشعبي، التي ارتكبتها مجاميع مسلحة ليس لها أي صفة رسمية دستورية، سمّوها طرفاً ثالثاً، ولم تكن ممارساتها مدعمة بقرارات قضائية شرعية، ولم تتبع الأصول القانونية المتبعة كتوفير محامي، ولم تستند الى قوانين الدولة، وبدون تحديد أماكن احتجاز معروفة، مع ممارستها التعذيب الوحشي لانتزاع اعترافات كاذبة، كما كشف ذلك بعض الناجين من براثنهم.  لكن هذا الدكتور وغيره ممن على شاكلته دافعوا عن منفذيها بإستماتة، فأن القوة التي نفذت اعتقال السيد الصميدعي كانت على الأقل تحمل صفة رسمية وتابعة للدولة وتلتزم، بقدر ما، اسلوب التعامل القانوني مع المعتقلين.

ستلجأ الماكنة الإعلامية لتجار الدين ومنابرها الفضائية والالكترونية الى استغلال واستثمار كل زلة او حدث او ممارسة لتحسين صورتهم البشعة امام المواطن العراقي الذي " عجنهم وخبزهم " وكشف كل ألاعيبهم وأكاذيبهم وحسم أمره بشأنهم في شعاره العتيد الذي رددته حناجرهم " باسم الدين باكونا الحرامية”!

 ونحن على أعتاب الإتيان بمحكمة قضاء أعلى جديدة، فربما ستكون من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، إنهاء الازدواجية في القوانين وخاصة تلك التي تعارض روح الدستور والديمقراطية مثل قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل، وتسد الطريق أمام أي تخريجات معادية لحقوق الإنسان وحرية الفكر أو تمهد لعودة الاستبداد بأي شكلٍ كان!

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل