كنا نسمع عنه ونقرأ له منذ النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، حينما كنا لم نزل يافعين. في البحرين كنا نعرفه باسمه الحركي خارج المملكة العربية السعودية (عبد الله محمد) حيث كنا نجهل اسمه الحقيقي (اسحاق).

كنا نتابع كتاباته البسيطة والعميقة في مجلات أو صحف أو دوريات، خاصة، مثل مجلة الطريق اللبنانية الرائدة. في نفس الوقت الذي كنا نتابع فيه ما يكتبه الأقطاب الآخرون في المجلة الفكرية المصرية الشهرية المستحدثة آنذاك "الطليعة" المصرية.  كان يطلّ علينا احيانًا اسم سياسي آخر، بحريني (احمد الذوادي). لست متأكدًا إن كان عبد الله محمد قد كتب في "الطليعة" ذاتها. 

لا تسعفني ذاكرتي في هذه السانحة الصعبة، لكنني كغيري من ذلك الجيل كنا نتابع ما يكتبه العلمان الاثنان، السعودي والبحريني، في حينه. أول كتاب وقع تحت يدي هو كتابه الاثير والمشوق، الموسوم بالتحدث عن شخصيات مناضلة بسيطة. ولا انسَ ما حييت ما كتبه في ذلك الكتاب عن المناضل والعامل التودوي المجهول، الذي كان يكسب رزقه في الكويت، في وقته (خدا داد / نعمة الله).

كانت كتابات عبد الله محمد تهزّنا من الأعماق، نحن أبناء ذلك الزمان. وبالتأكيد كانت تلك الكتابات، تهز وتثقف آلاف مؤلفة من النشء في منطقتنا في ذلك الزمن الأثير.. بل وفي أجزاء قريبة من الوطن العربي، خاصة العراق ولبنان وسوريا والأردن ومصر، اي المشرق العربي.

هكذا بدأت معرفتنا بهذه الشخصية التثقيفية والتنويرية الكبيرة. قبل أن نتعرف عليه، وجها لوجه. كان أول مرة ألتقيه وجهًا لوجه في مطار دمشق ويبدو أنه كان في انتظار شخص ذي أهمية. وقد كان معنا هذه الشخصية غير الاعتيادية في الطائرة من الكويت الى دمشق حيث كنا في طريقنا للدراسة الجامعية عن طريق دمشق. ما أن لمحته، حتى بدا لي انه عبد الله محمد نفسه. وانا لم أره بعد في حياتي، بشكل مباشر.

في اليوم التالي صدق ظني. فهو الذي فتح باب "القبو" لنا، مصوتا على البحريني، الذي كان في انتظارنا: "جاو ربعك!"  كان ذلك في أغسطس سنة 1972. ومنذ ذلك الوقت استمرت صداقتنا، ولم يخذلني قط بعظمة أفكاره، وتطوره اللاحق والطبيعي، نتيجة تطور واعوجاجات الأوضاع. نعم اتفقنا واختلفنا في أمور شتى. ونحن كنا في أعمار ابنه، حيث كان التواضع سمته الرئيس، بالرغم من حدة الآراء أحياناً.

لم أنس ابدا ما كان يردده كلما كان يراني صدفة أو واقعا في السنوات الأخيرة عن أحد الذين يحبهم ويجلهم، بأبو التاريخ المتحرك. كان يوسم، ذلك الشخص المجهول بالنسبة لي، بأنه بالفعل: تاريخ متحرك! اعتقد كان ذلك في المانيا، حيث كان منهمكًا في الدراسة النقابية.

في الحقيقة.. لأبي سامر، الفضل التثقيفي والسياسي والفكري على أكثر من جيل، وربما طلابنا وطالباتنا يعرفون ذلك حق المعرفة ويجلونه. وقد كانت زوجته من ذلك النفر من الطلبة في دمشق. هذا ما نعرفه أو اعرفه من تجربتنا مع هذا الرجل الصادق، الذي لم يعرف المراوغة، حتى وإن أدى ذلك الى زعل أحدهم من حدة آرائه.

لعل ما لا نعرفه الكثير الكثير. فهو بالطبع استاذ ومرشد فكري لمجموعة كبيرة من العمال والطلبة في المدى والأماكن الذي عاش فيه.  ولكن للأسف، وكما الواقع المراوغ، تعرض لهجوم غير مبرر وغير صحيح من قبل بعض الاقزام السياسية. لم يعبأ هو بأي شخص إن انتقده أو هاجمه. بل سار على نهجه القويم، الذي يؤمن به. وبالطبع لا ادّعي انه كان مثاليًا، لأن المثالية في الأشخاص هي من صنع الخيال. لا يوجد ولم يوجد على وجه البسيطة شخص بلا أخطاء او نواقص. لكنه ظل ابدًا حميمًا ووفيًا ومبدئياً وصادقًا في تعامله مع الآخر، سواء كان هذا الآخر شابًا أو عجوزًا. مثقفًا أو بسيطًا. الخلاصة أن بصمته واضحة في التأثير علينا نحن البحرينيين. ولا يمكن إنكار ذلك.

كان فهمه وادراكه للأمور يتسم بالواقعية، خاصة بالنسبة للمشروع الإصلاحي في البحرين، حيث كان فيه سباقا عن الآخرين المترددين. وايضا كان يعرف جيدًا خبايا المشروع الإصلاحي في الألفية ودهاليزه. ويعرف أيضا القوى التقليدية التي قد تحارب المشروع وخاصة، الطارئون على العمل السياسي، أي الاسلامويون أو التيار السياسي الإسلامي المتسم بالنظرة اللاواقعية للأمور. كم كان يتمنى، كما كنا نتمنى، أن ينجح المشروع بلا مناكفات ليعم هذا المشروع التدريجي في كل أقطار دول التعاون الخليجي. اعتقد في هذا المجال بالذات سيقول التاريخ كلمته في المستقبل.

كنا نراه اسبوعيًا، ونحن القلة الباقية، في بيته العامر. وجاءت محنة الكورونا لتفرقنا. ونقاطع بعضنا البعض حسب الضوابط الضرورية، ولكن الوصال لم ينقطع من خلال الهاتف، خاصة أنه كان مريضا لبضع سنوات. وكنت أتعجب من روحه الوثابة والمرحة، وهو يتقبّل كل آلام المرض اللعين. لم يشتك ابدًا، ولو مرة، أمامنا عن معاناته الفظيعة. حقا أن العظيم ببساطته وصبره.

المجد لك ولذكراك، التي سوف لن تمحوها السنون

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل