/
/
/
/

الرئيس الوطني للحزب الشيوعي التشيلي

كان ذلك عام 1952 وكان سلفادور أليندي يواجه حملته الانتخابية الرئاسية الأولى بموارد قليلة. حصل آنذاك على دعم الحزب الاشتراكي، الذي دعم العديد من مناضليه كارلوس إيبانيز والحزب الشيوعي الذي كان محظوراً ويعمل بصورة سرية. وقد عملوا باعتبارهم “الجبهة الوطنية للشعب”. وارتفعت التوقعات حينها لأن النساء كن يصوتن لأول مرة في انتخابات رئاسية.

في تلك الأيام كان قلة من الناس يعتقدون أن أليندي سيصل، بعد حوالي 20 عاماً، إلى قصر لامونيدا (المقر الرئاسي). انتصر الديكتاتور السابق كارلوس إيبانيز ديل كامبو في ذلك العام، وفاز بأغلبية كبيرة من خلال وعود بالقضاء على الفساد وتوفير الخبز للأسر التشيلية.

لكن سرعان ما حاصرته الاضطرابات الاجتماعية. وفي عام 1958 فرض النضال الجماهيري الغاء القانون السيىء الصيت الذي حظر الحزب الشيوعي التشيلي. وسمح هذا الانتصار بإعادة الشرعية للحزب وإعادة تسجيل مناضليه في السجلات الانتخابية. وساهم ذلك في إعطاء زخم جديد للتنظيمات العمالية والاجتماعية.

جبهة العمل الشعبي

وفي اعقاب ذلك جرت تعبئة للقوى الاجتماعية والسياسية حفزت اجراء تغييرات جوهرية. واستندت هذه التغييرات إلى رؤية الحزبين الاشتراكي والشيوعي وغيرهما. وتشكلت “جبهة العمل الشعبي” التي تمكنت، بالتضافر مع شخصية أليندي، من إنضاج برنامج للإصلاحات والاجراءات البنيوية التي كانت مناهضة للإمبريالية، ومناهضة للأوليغارشية، ومعادية للإقطاع. وقد دعت الى تأميم النحاس، والإصلاح الزراعي، وتبني سياسات للأجور، بالإضافة إلى إصلاحات في التعليم والصحة ركزت بشكل خاص على الأمومة وصحة الطفل. وخسر أليندي الانتخابات الرئاسية لعام 1958 أمام خورخي أليساندري (مرشح الحزب الوطني اليميني) بأصوات قليلة جداً. ومنذ تلك اللحظة، لفتت “جبهة العمل الشعبي” انتباه الحكومة الأمريكية ونزعتها التدخلية، بسبب طبيعة برنامج الجبهة والدعم القوي الذي حظيت به من اكثر من 30 بالمائة من الناخبين والطابع المميز لقيادة سلفادور أليندي.

وفي عام 1964 تم ترشيح سلفادور أليندي مرة أخرى كمرشح رئاسي. وفي هذه المرة تدخلت حكومة الولايات المتحدة بشكل مباشر وعملت لضمان فوز إدواردو فراي مونتالفا (رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي). فمن خلال توفير تمويل استثنائي لحملته وتوجيه أصوات اليمين لصالحه تمكنوا من الحؤول دون فوز أليندي.

هل كانت الحكومة الأمريكية مهتمة بالديمقراطية؟ كلا، لقد كانت مهتمة بملكية شركات النحاس التشيلية، حيث كان لدى اتحادات الشركات (الكونسورتيومات) الأمريكية تسهيلات غير محدودة للاستغلال والأرباح. وكان بإمكانها قبول إصلاحات محدودة مثل تأميم النحاس والإصلاح الزراعي على النحو الذي دعا إليه “التحالف من أجل التقدم” (منظمة اطلقها الرئيس الامريكي جون إف. كينيدي للتعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة وامريكا اللاتينية وكانت مناهضة للثورة الكوبية). لكنها لم تكن على استعداد للقبول بحكومة يرأسها أليندي.

على الرغم من هذه الهزيمة الانتخابية جرى الحفاظ على النهج الذي اقترحه أليندي، وفي 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1969 تم إنشاء تحالف “الوحدة الشعبية”. وأخيرا، في 4 ايلول (سبتمبر) 1970، حقق هذا التحالف ومرشحه أليندي فوزه التاريخي بنسبة 36.6 في المائة من الأصوات.

حاول مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر منع الكونغرس في تشيلي من إعلان أليندي رئيساً وتعيين خصمه خورخي أليساندري بديلاً عنه، مع ترتيب أن يستقيل أليساندري لاحقاً لصالح إدواردو فراي. في الوقت نفسه، كان كيسنجر يبحث عن مؤيدين في الجيش التشيلي يمكنهم فرض هذه الصيغة.

كان القائد العام للجيش، الجنرال رينيهشنايدر، ملتزماً بالدستور وحذر من أن الكونغرس يجب أن يتخذ القرار بشكل ديمقراطي من دون تدخل عسكري. لذا أمر كيسنجر شخصياً بإزاحة شنايدر. وتم تنفيذ عملية اختطافه في 22 تشرين الأول (اكتوبر) 1970 من قبل أعضاء منظمة “الوطن والحرية”  الفاشية بقيادة الجنرال الانقلابي السابق روبرتو فيو.

سلفادور أليندي رئيسا

وعلى الرغم من هذه العملية، التي أصيب فيها شنايدر بجروح خطيرة، أكد الكونغرس تنصيب سلفادور أليندي كرئيس في 24 تشرين الاول (اكتوبر) 1970. وقد وصف بأنه “أول رئيس ماركسي في العالم يصل إلى السلطة من خلال انتخابات عامة في دولة القانون”. وكان هدفه تأسيس الاشتراكية “بوسائل ديمقراطية”.

توفي الجنرال رينيهشنايدر في 25 تشرين الاول (أكتوبر) 1970 وهو يدافع عن الدستور ويتمسك بمبدأ عدم التدخل العسكري في النزاعات السياسية أو الاجتماعية. هذه العقيدة ، كما نعلم ، سحقها التدخل الأمريكي واليمين في تشيلي الذي نجح في النهاية في تقويض الديمقراطية عن طريق إفساد منتسبي القوات المسلحة وتطبيق استراتيجية زعزعة الاستقرار والحصار والتخريب وشح السلع وتشكيل قوات شبه عسكرية. لقد بدأ الانقلاب يتطور قبل أيام من تولي أليندي منصبه كرئيس.

كانت حكومة الوحدة الشعبية تتويجاً لعملية تمتد جذورها في الناس وتعبّر عن مشاعر السخط والاستياء على مدى سنين، ضد استغلال العمال، وضد العبودية للاقطاعيات الكبيرة، وضد التجاوزات لشعب غالبا ما كان يتم قمعه وخداعه، وكان ضحية للظلم الطبقي والعنصري. تطلب الفوز بحكومة الوحدة الشعبية سنوات عدة. وصحيح أن تحالفاً من الأحزاب هو الذي قاد العملية، لكن قوة العمال والفلاحين وعمال المناجم هي بالأساس ما جعل التغيير ممكناً.

إنه درس من التاريخ يجب أن يؤخذ في الاعتبار هذه الايام مع تفشي الجائحة. ولكنه، قبل كل شيء، درس في النضال من أجل تحقيق تغييرات أساسية  من ضمن أكثرها اهمية صياغة دستور جديد لتشيلي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل