/
/
/
/

جميع  الانظمة الانتخابية لا تخلو من مساويء واشكاليات لكن هناك من تختفي اشكالياتها في ضوء تقدم مزاياها، ولايزال الجدل قائماً حول تحديد الحجم الأمثل للدوائر الانتخابية. لايمكن ايجاد نظام انتخابي مثالي عادل قابل للتطبيق والحياة على جميع دول العالم وفي كل زمان ومكان انما يجب ان تأخذ ظروف كل دولة على انفراد وهذا يتطلب وجود دراسات مسبقة لظروف تلك المجتمعات السياسية والاجتماعية  والأمنية والاقتصادية وغيرها قبل الشروع في تشريع نظام انتخابي سواءاً للتصويت اولتحديد الفائزين بالمقاعد البرلمانية، وبالتالي فإن النظام الانتخابي في بلد ما يعد أحد العوامل التي تحدد مدى اهتمام المواطن بالحياة العامة والتي تؤثر على شكل النظام الحزبي ودرجة الاستقرار الحكومي.

ويمكن اعتبار النظم الانتخابية كأدوات لإدارة الصراع داخل مجتمع ما، بالإضافة إلى كونها الوسيلة لإنتخاب البرلمانات والرؤساء. تعمل بعض النظم الانتخابية، في ظل ظروف معينة، على تحفيز الأحزاب السياسية لانتهاج سياسات شمولية تدفع بها إلى حشد المؤيدين من خارج دوائر التأييد الرئيسية أو التقليدية لها. ولكن لسوء الحظ نجد في عالمنا اليوم ازدياداً في عدد النظم الانتخابية غير الملائمة والتي تسهم عملياً في تفاقم الطروحات والمواقف السلبية القائمة، وذلك على سبيل المثال من خلال تحفيز الأحزاب السياسية على التعامل مع الانتخابات على أنها منافسة كلية في سبيل الحصول على كل شئ مقابل لا شئ للآخرين، وبالتالي دفعها للتصرف بروح من العدائية والاستثناء لكل من لا ينتمي لمجموعتها أو دائرة مؤيديها. لذلك ينبغي أن يتمثل الهدف الأعلى في تصميم أية ترتيبات سياسية، بما فيها النظام الانتخابي، في عدم العمل على زيادة الأمور سوءً إن لم يكن بالمستطاع تصميمها بما يحد من تفاقم التوترات الإجتماعية. عندما يتفاوض العاملون بالسياسية حول اعتماد نظام انتخابي جديد، عادةً ما يدفعون باتجاه المقترحات التي يعتقدون بانها تفيد مصالحهم الحزبية في الانتخابات القادمة، إلاّ أنّ ذلك قد يُمثل استراتيجية تفتقد للحكمة في كثير من الأحيان، خاصةً في البلدان النامية، حيث يمكن أن يسفر نجاح الحزب الواحد وهيمنته على المدى القصير عن انهيارات سياسية وتخلخل في السلم الاجتماعي على المدى الطويل.

ويمكننا أن نُعرِّف النظام الانتخابي على أنه الآلية التي يضعها المُشَرِّع لتنظيم سير العمليات الانتخابية في مختلف مستوياتها، والتي نستطيع من خلال اعتماد قواعدها تحويل الأصوات المُعبَّر عنها إلى مقاعد في مجالس منتخبة، مبينة أسس الفوز، الإقصاء والفصل في جميع الإشكالات المتعلقة بسير العملية الانتخابية، كحالات التعادل بين المرشحين.ونظرا لأهمية النظام الانتخابي يجب أن تخضع عملية تصميمه لمجموعة من الضوابط التي تكفل الغايات والنتائج المنشودة منه . لا شك أنّ التجربة، في كل من الديمقراطيات الراسخة والناشئة على حد سواء، تدل على أن تعزيز النظام الديمقراطي على المدى الطويل (إلى أي مدى يعتبر النظام الديمقراطي مُحَصَّناً ضد كافة التحديات الداخلية التي قد يواجهها النظام والأمن السياسي) يتطلب قيام واستمرارية الأحزاب السياسية الفاعلة.

في عصرنا الراهن يتم تصميم النظم الانتخابية ضمن إطار العديد من الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين الدولية الأخرى المتعلقة بالقضايا السياسية. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه القول بأن هناك قائمة موحدة لمعايير الانتخابات المتفق عليها دولياً، إلا أن هناك توافقاً على أن تلك المعايير تشتمل على مبادئ الانتخابات الحرة، والنزيهة والدورية والتي تضمن حق الاقتراع العام دون استثناءات، بالإضافة إلى ضمانها لسرية الاقتراع وممارسته بعيداً عن الإكراه أو القسر، والتزام مبدأ الصوت الواحد لكل فرد (بمعنى أن تتساوى قوة الصوت المخوَّل لكل ناخب مع باقي الناخبين وليس بمفهومه كنظام انتخابي محدد).  

 تُعتبر مسألة ألإختيار للنظم الانتخابية أمراً أساسياً، ولا يمكن التطرق لها بمعزل عن مسائل البناء الدستوري والمؤسسي، باعتبارها حيوية لمجالات أخرى متعددة مثل إدارة الصراعات، وتمثيل المرأة أو تطوير النُظم الخاصة بالأحزاب السياسية. كثيراً ما يتم الإبقاء على النظم الانتخابية غير الملائمة لاحتياجات الديمقراطيات الجديدة، والتي ترثها عن العهود السابقة، دون التمعن في كيفية تأثير تلك النظم وعملها في ظل الواقع السياسي الجديد. تُعتبر مسألة انتقاء النظام الانتخابي من أهم القرارات بالنسبة لأي نظام ديمقراطي. ففي غالبية الأحيان يترتب على انتقاء نظام انتخابي معين تبعات هائلة على مستقبل الحياة السياسية في البلد المعني، حيث أن النظم الانتخابية المنتقاة تميل إلى الديمومة، في الوقت الذي تتمحور الاهتمامات السياسية المحيطة بها حول ما يمكّنها من الاستفادة من المحفزات التي توفرها تلك الأنظمة. وعلى الرغم من أن انتقاء النظم الانتخابية يتم مؤخراً من خلال عملية مدروسة، إلاّ أن ذلك لم يكن كذلك فيما مضى. ففي كثير من الأحيان كانت عملية الانتقاء تتم بشكل عرضي، كنتيجة لتزامن مجموعة من الظروف غير الاعتيادية، أو استجابةً لميول شائعة، أو بسبب تحول تاريخي مفاجئ، دون أن ننسى مسائل الإرث الديكتاتوري وتأثير المحيط كعوامل بالغة التأثير. وتتأثر طبيعة النظم الخاصة بالأحزاب السياسية التي يتم تطويرها إلى حد كبير بالنظام الانتخابي، وخاصةً فيما يتعلق بعدد الأحزاب السياسية الفاعلة في الهيئة التشريعية وأحجامها. وكذلك الأمر بالنسبة للتماسك والانضباط الداخليين ضمن الأحزاب، إذ تساعد بعض النظم الانتخابية على ظهور التيارات المتباينة ضمن الحزب الواحد حيث تتصارع أجنحته المختلفة فيما بينها باستمرار، بينما تدفع نظم أخرى نحو توحيد كلمتهم ونبذ الانشقاقات الداخلية.

ويمكن للنظم الانتخابية التأثير في كيفية قيام الأحزاب السياسية بحملاتها الانتخابية، وفي سلوكيات القيادات السياسية، بما يسهم في تحديد ما يكون عليه الجو السياسي العام؛ وقد تدفع هذه النظم بالأحزاب السياسية نحو تشكيل التحالفات فيما بينها أوعلى العكس من ذلك، أن تبتعد عن تلك الممارسة؛ وقد توفر النظم الانتخابية محفزات للأحزاب السياسية لتوسيع قاعدتها الشعبية على أوسع نطاق ممكن، أو لحصرها في أطر ضيقة ضمن نطاق القبيلة أو صلة القرابة.  ويُعتبر الإختيار بين الدائرة الانتخابية الفردية والدائرة الموسَّعة، وتقسيم الدوائر الانتخابية، من المسائل السياسية البالغة الأهمية والتي تثير خلافات حادة بين الأحزاب والقوى السياسية لما لها من تأثير مباشر في نتائج الانتخابات وفي تحديد الأقلية والأكثرية في البرلمان. ففي الدائرة الفردية، يتم تقسيم الدولة إلى دوائر انتخابية متساوية تسمح للناخبين بإختيار مرشح واحد فرد من بين جميع المرشحين في الدائرة الواحدة. وهذا يفرض إعادة النظر بصورة دورية بتقسيم الدوائر نتيجة عوامل حركة السكان بين الدوائر، إضافة إلى مراعاة الاعتبارات السياسية والحزبية. ويتم عادةً تقسيم الدوائر الفردية من خلال إعتماد التقسيمات الإدارية أو إعطاء صلاحية التقسيم إلى لجنة مؤلفة من أشخاص حياديين أو ممثلين لمختلف الأحزاب السياسية أو إلى لجنة قضائية مستقلة. ومن حسنات الدائرة الفردية، السماح للناخبين بمعرفة المرشحين وإقامة علاقات إنسانية وإجتماعية وخدماتية مباشرة بين النائب وناخبيه، بالإضافة إلى الحد من نفوذ الجماعات والأحزاب وسيطرتها. أما سيئاتها فتتمثل في تغليب الاعتبارات والمصالح الشخصية على الاعتبارات والمصالح العامة وإضعاف دور الأحزاب. على أن يُيَسِر النظام المختار التعبير عـن إرادة الشعب عن طريق انتخابات دورية وصادقة بناءً على اقتراع يجري على قدم المساواة بين الناخبين، خاصة عندما نعلم بأن هناك أنواع متعددة من نظم الانتخاب تختلف فيما بينها في الكثير من الجزئيات، وهو ما يستدعي دراستها والبحث فيما إذا كان اختلافها له تأثير على اتجاهات الناخبين، ومن ثمة على طبيعة التمثيل السياسي الناتج عن العملية الانتخابية .                                

لقد  شهد العراق بعد سقوط النظام الاستبدادي عام2003 نظم انتخابية تراوحت بين المقبولية الجزئية في القواعد وبين التخبط والتزوير  في السياق العام.  وفي حالة استمرار الفشل  السياسي ومداورة ذات الوجوه والتكتلات السياسية النفعية فاقدة المشروعية ،سواءاً بنظام سانت ليغو او ما يقاربه من الانظمة الانتخابية قد يصار الى عزوف شعبي كبير في مشاركة العراقيين غير المنتمين حزبياً في الانتخابات الوطنية والمحلية، وهو ما يؤشر الى فقدان الثقة الشعبية بالنظام السياسي العراقي الجديد وفشله في معالجة قضايا المجتمع المُلِّحَة. وينبغي  الأخذ بعين الاعتبار الآثار التي يمكن أن يخلفها النظام الانتخابي اي التفكير و التروي قبل وضع أو صياغة للقوانين الانتخابية، ولا داعي لاستيراد النظم الانتخابية الجاهزة وذلك لاختلاف الظروف و معايير الديمقراطية، فلكل بلد خصوصيته ثم انه قد يكون النظام الانتخابي ناجحا في بلد ما ولا يمكن ضمان نجاحه في بلد آخر من جهة أخرى قد يكون النظام الانتخابي مناسبا اليوم و قد لا يكون مناسبا غدا وعليه عند صياغة القوانين الانتخابية يجب مراعاة مجموعة الأهداف الضرورية و المراد الوصول إليها في المرحلة الحالية ،كإقامة برلمان تعددي أو التشجيع على قيام حكومة مستقرة و فعّالة التأكيد من أن الانتخابات في متناول الناخب العادي و ضمان نزاهتها .                                          

 ولأجل إبعاد المفوضية العليا  العراقية كجهة اجرائية عن التسيس المكونات  والكتل  ضرورة تعديل قانونها رقم(11) لسنة2007 بما يجعلها بعيدة عن ما اقرته الكتل السياسية فيه ما يعرف بالتوازن السياسي أي تقاسم مجلس المفوضين فيما بينهم وهو ما يجعل المفوضية عرضه للتدخلات السياسية والحزبية ويصبح عملها عرضه للشكوك وفاقد للشفافية والحيادية، والحل هو  التعديل القانوني باتجاه ان يكون الاختيار للاعضاء مجلس المفوضين ورئيسه من النخب الوطنية المستقلة النزيهة او عبر اختيار قضاة لمجلس المفوضين.        لأن للقوانين الانتخابية انعكاسات كبيرة على الأحزاب القائمة سواءاً في عددها وأهميتها في البرلمان ، كذلك تؤدي دورا حاسما في النظام السياسي خاصة عند تحديد الدوائر الانتخابية، طرق الترشح للعضوية في المجالس النيابية، تنظيم الحملات الانتخابية.  وفي الوقت الذي يجب فيه الحفاظ على بساطة النظام، إلا أن ذلك يجب ألا ينحدر بنا إلى المخاطر التي قد تنجم عن الاستهانة بقدرة الناخبين على استيعاب الخيارات المتعددة والمختلفة للنظم الانتخابية المتاحة وقدرتهم على استخدامها بالشكل الصحيح. فعلى سبيل المثال، تم استخدام نظم انتخابية تفضيلية معقدة بشكل ناجح في بعض الديمقراطيات الناشئة في منطقة آسيا-الباسيفيك، بينما أثبتت التجربة الحديثة في كثير من الانتخابات في عدد من الديمقراطيات الجديدة أهمية التمييز بين مستويات الوعي والمعرفة العملية ومستويات الوعي السياسي. وحتى في البلدان الفقيرة يرغب الناخبون عادةً في التعبير عن خيارات وأفضليات سياسية معقدة ومركبة.

مقالات اخری للكاتب

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل