/
/
/
/

لم يكن العقد الذى سبق الانتفاضة المصرية (25 يناير 2011) خاليا من الفعل الاحتجاجى الرافض لممارسات سلطة الفساد والتبعية، التى كان على رأسها المخلوع (مبارك). فلقد كانت هناك العديد من الحركات الاحتجاجية، السياسية والمطلبية (الفئوية)، على حد سواء. مثل حركة “كفاية” وحركة “9 مارس” لاستقلال الجامعات، و”الحملة الشعبية من أجل التغيير”، و”الجمعية الوطنية للتغيير”، وأخيرا “حركة 6 ابريل”، التى تشكلت عام 2008 عقب انتفاضة عمال مدينة المحلة الكبرى، جنبا الى جنب مع حركات الاحتجاج العمالية والمهنية والطلابية المتعددة.

مدرسة لتدريب المناضلين

وقد بقيت هذه الحركات على الدوام: اما حركات نخبوية، مقصورة على أعداد محدودة من المثقفين والمهنيين، أو ذات طبيعة فئوية، من حيث التكوين، وذات طبيعة جزئية، من حيث المطالب. وكان تأثيرها المباشر ضعيفا وواهنا، وغير ذى مردود واضح أو ملموس. ولكن، على الرغم من ذلك، فقد كانت ذات أثر (تأسيسى) بعيد المدى، أفرخ نتائجه وفعاليته - الى جانب عدة عوامل أخرى بالطبع – في ما شهدته مصر من انتفاضة كبرى.

ويمكن اجمال ما حققته هذه الحركات من انجازات في ما يلى:

أنها حققت ما يمكن تسميته بـ”حرث” الواقع السياسى، وتحريكه، مما أدى الى ابقائه على درجة عالية من التوتر والقابلية للانفجار.

 تجهيز المسرح الاحتجاجى عن طريق اظهار حالة عامة من عدم الرضا، واذكاء “ثقافة الرفض”، باعتبارها الاطار والعنوان الأبرز للمرحلة.

تسليح الشباب والأجيال والقوى الثورية الجديدة بالخبرة التنظيمية والتدريب العملي اليومى على مهارات التنظيم والقيادة. وكذلك تسليحهم بالوعى السياسىوالاجتماعى اللازمين لتغذية روحية الفعل النضالى.

نزع المهابة والقدسية عن السلطة الحاكمة وشخص الرئيس التى استمدها من تراث “تأليه الحكام” الشائع لدينا، وتكريس مفهوم حق الاحتجاج ضده والخروج عليه، وامكانية تخطئته وتناوله بالنقد والمحاسبة.

كسر حاجز الخوف، واكساب الجماهير الجرأة اللازمة والجسارة المطلوبة للممارسة الاحتجاجية .. وهو الأمر الذى أدى الى تحول نفسى وروحى، بالغ الأهمية، لدى الجماهير المنتفضة.

فكانت هذه الحركات بمثابة مدرسة مفتوحة للتدريب على الفعل النضالى. وهو ما أحدث نوعا من التراكم (الكمى) للمفاهيم والمواقف واشكال الوعى والفكر، الذى ينتظر تحوله (الكيفى) النوعىفى اللحظة المناسبة.

ولقد جاء هذا التحول (الكيفى) عندما بات واضحا أن النظام قد فقد كامل أرصدته من الاحترام والثقة والقبول لدى الكتلة العريضة من المواطنين العاديين غير المسيسين وغير المشغولين بالقضايا الكبرى، والذين جرت تسميتهم بـ “الأغلبية الصامتة”.

تغيرات وتفاعلات

ولكى تصل الجماهير الى هذه اللحظة (لحظة الانطلاق)، كان لابد أن يكون الوضع الاجتماعىوالسياسى قد مر بعدة تغيرات وتفاعلات، من شأنها احداث هذه النتيجة وتحقيق ذلك الالتحام بين الطلائع والنخب، من ناحية، والجماهير، من ناحية أخرى. وقد جاءت هذه التغيرات والتفاعلات على النحو التالى:

أولا: احتدام التناقض بين قطبى الواقع السياسى – الاجتماعى، فى المجتمع:

فمن ناحية، كانت هناك السلطة الأبوية الاستبدادية، بجذورها الممتدة الى العصور الاقطاعية، المتشبثة بموروث استبدادىوتسلطى، عميق الغور فى التاريخ السياسى للبلاد. وهى السلطة المحتمية خلف جهاز قمعىشرطى بالغ القسوة والقوة. وهى التى تنكر كل مطالب التغيير السياسىوالاجتماعى، الممكنة والضرورية، سواء كانت نابعة من مظالم وتردى الأوضاع الاجتماعية وتغول أجهزة الأمن فى الواقع المحلى، أو متأثرة بما يحدث فى العالم  الخارجى. وهما اللذان (أى الواقع المحلى والعالم) أصبح اتصالهما وترابطهما وتشابكهما يتزايد ويقوى على نحو مطرد.

ومن ناحية أخرى، كانت هناك القوى المشكلة للواقع الاجتماعىالبرجوازى – المدنى الحديث، والتى طرأت على تكوينها ووعيها ألوان من التطور الذى أحدثته مراحل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتعاقبة والمتراكمة منذ فترات ما قبل الاستقلال، حتى زمن الانتفاضة. فلقد نمت البرجوازية المصرية, عبر تاريخ طويل من التحديث والتطوير، بدأ بعصر محمد على، الذى أوجد النويات الأولى لشريحة الموظف “المدنى” البرجوازى الصغير، لتقوم جنبا الى جنب مع طبقة وسطى ضعيفة ومنهكة من التجار وشيوخ الطوائف (الحرفية)، وصولا الى وقتنا الراهن، حيث تمت الاستفادة من كل أشكال التعليم والاحتكاك والتحديث المدنى، بانتاج شرائح بالغة الاتساع من الطلاب والمهنيين والتجار وأصحاب الأعمال، فى توسيع وتمتين هذه الطبقة، التى شكلت الكتلة الرئيسية للوجود “المدنى” فى المجتمع المصرى الحديث.

لقد أنتج نظام (السادات – مبارك) نوعا من الشرائح الرأسمالية الفاسدة والطفيلية المتحالفة معه سياسيا، والتى كانت، نتيجة لذلك، صاحبة الحظوة والرعاية والصدارة، منذ زمن أنور السادات، ونالت منه ومن خلفه (مبارك) كل الدعم والمساندة، فتم تسهيل استيلائها على معظم المقدرات الاقتصادية للبلاد عبر ما سمى بـ “الخصخصة”، ونهب المال العام .. الخ. بل وتشكلت الوزارات والمجالس النيابية من رموز هذه الشريحة وكبارها، لكى تجسد “توأم الفساد” المعروف والمسمى (زواج المال بالسلطة) ..

بيد أن النشاط السياسى – الاقتصادى الفاسد والمفضوح لهذه الشريحة جاء على حساب المصلحة الاجتماعية والدور التاريخى لشرائح الطبقة الوسطى من البرجوازية الوطنية، وهى التى خسرت الكثير من مواقعها، وتردت قطاعات عديدة منها الى مستوى خط الفقر والعوز، مما أدى الى تنامى الاحساس بضرورة ازالة هذا الحلف المشبوه ونظامه السياسى لدى قطاعات واسعة من هذه الطبقة.

فضلا عن أن الطبقة العاملة والفلاحين وفقراء المدن، الذين عانوا من ويلات التحولات الاجتماعية “الرأسمالية التابعة”، كانوا قد وصلوا الى مستويات بالغة التدنى من الفقر والمعاناة والاحساس بالظلم الاجتماعى، بعد ما تحولت البلاد الى ما يشبه الاقطاعية الكبيرة للأغنياء والأجهزة المتنفذة.

ثانيا: بروز جيل جديد من الشباب، لم يمارس العمل السياسى المباشر فى ظل أحكام قانون الطوارىء، المطبق منذ ثلاثين عاما، هى مدة حكم الرئيس المخلوع، مبارك، وفى ظل لوائح تجريم العمل السياسىفى الجامعات، والتضييق على عمل الأحزاب وتهميش أدوارها وعمليات التخريب الممنهجة لهياكلها وأنشطتها. لكن توفر لهذا الجيل، من الشباب، وعى حديث، ساعدت على بنائه ثورة الاتصالات وانتشار الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعى. مما أسس لوجود احساس حاد بما يحدث فى مصر من انتهاكات حقوقية وانسانية، وأشكال من التردى والتراجع الاقتصادىوالسياسىوالثقافى، وفقدان للدور والمكانة لصالح دول أخرى (اقليميا وعالميا) كانت مصر متقدمة عليها لأحقاب طويلة، مما جعل السؤال مشروعا، والحركة ضرورية، والاحتجاج منطقيا.

غياب القيادة

ثالثا: لقد أدى تجريف الحياة السياسية وتشويه المعارضة، أحزابا وشخصيات، الى أن تصبح الثورة بلا رأس مفكر ولا زعيم مدبر .. فكان عقلها يكمن فى جسدها الحى المتفاعل، وكان وعيها مستمدا من المعاناة الجمعية والحلم العام بضرورة وحتمية الانعتاق والوصول الى فردوس الحرية والعدالة الاجتماعية وعودة الوطن الى ألقه وبهائه المفتقد.

ولا أتصور بالطبع افتقارا كاملا أو مطلقا، لدى هذه الانتفاضة، لقيادة من أى نوع. فلقد كانت هناك بالضرورة قيادات ميدانية وتنفيذية وتحريضية وتنظيرية. ولكن أغلب هذه القيادات، تم فرزها فى أتون الفعل وفى خضم الحركة.

وقد أدى غياب قيادة مركزية واضحة للثورة، من ناحية، الى ارباك خصومها من رجال السلطة، وتوتر واضطراب ردود أفعالهم. فهم لا يمكنهم تصفية هذه القيادة، أو اعتقالها، أو مساومتها، أو التفاوض معها. ولكن من ناحية أخرى، كان غياب هذه القيادة المجربة والواعية، والتى تمتلك رؤية متكاملة لعملية التغيير، يمثل نقطة ضعف بالغة الخطورة فى مسيرة هذه الانتفاضة. فقد أعطت الفرصة لقوى الثورة المضادة للتلاعب بفكرة من الذى يمثلها، على وجه التحديد. وفى الآن نفسه، عمدت الى تشكيل مئات من “الائتلافات” الشبابية، التىلاتتقن الا المناقشات الديماغوجية وافتعال الخلافات، مما أدى الى تشتت جهد الانتفاضة، وضياع زخمها. كما أدى الى اتاحة الفرصة لتسلق قوى الاسلام السياسى (الاخوان المسلمون وحلفاؤهم) عليها وركوبها، مستندين الى قوة تنظيمهم وكثرتهم العددية. وهو ما أدى الى النتائج المعروفة من استلامهم للسلطة فى 2012. ولم ينقذ مصر من أيديهم الا ثورة “الثلاثين من يونيو”، وتلك لها حديث آخر، لتقييمها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل