/
/
/
/

شهد القرن العشرون أربع ثورات في روسيا والصين وكوبا وإيران. تمثل الثورة تغييرات هيكلية وقيمية في الحكم، ونقل السلطة في البلاد إلى النشطاء المناهضين للنظام السابق. يعرّف بعض المراقبين ظاهرة الثورة ذاتياً، ويعتبرون أن طبيعتها إيجابية وتفتح الطريق أمام التغيير. لذلك  فإذا ما كانت لهذه الأحداث عواقب مدمرة، فيضفى عليها صفة الشغب أو الكارثة. كل ثورة لها خصائصها ووآمالها وثقافتها المحلية، ولا توجد نظرية شاملة تشرح أسباب حدوثها وتطورها. هناك جانبان مشتركان في الثورات المذكورة أعلاه وهما الدعوة لوجود مهمة عابرة للوطن؛ أي أن الأيديولوجية السائدة في الثورة يمكنها أن توجه القوى الثورية في العالم، ويمكن لها أن تتحدى الأعراف والقواعد التي تتحكم في العلاقات الدولية. وبقدر ما يتعلق برسالة الثورة عبر الحدود، كان الفارق بين القادة الإيرانيين وبين  الروس والصينيين والكوبيين أنهم وعدوا بإقامة مدينة فاضلة غير مسبوقة في التاريخ، بينما تريد إيران الإسلامية العودة إلى أسلوب حياة القبائل العربية القائم قبل 1400 عام. وتجدر الإشارة إلى أن العودة إلى الماضي لا يعني رفضاً للتقدم الصناعي والعسكري الحديث، فولاية الفقيه تريد الاستفادة من هذه التطورات بما في ذلك امتلاك أسلحة نووية وأحدث تقنيات التجسس والتنصت. إن معارضة النظام الإيراني للحداثة تنصب على القيم الثقافية والاجتماعية والعلوم الإنسانية والمساواة بين الجنسين وحق المرأة في اختيار ملابسها والحظر الشامل على حرية المواطنين. وهي لا تطال الشؤون السياسية والاجتماعية فحسب، بل وتشمل أيضاً  تفاصيل الحياة الخاصة.

ومن بين القادة والمتحدثين والمؤيدين للثورات المعنية عناصر أخذت الأحلام الثورية العالمية على محمل الجد، ولكن بعد الجلوس على منصة الحكم، أصبحت هذه الطموحات الإيديولوجية وسيلة للحفاظ على السلطة وتوسيعها وتبرير وسائلها دون أي خطوط حمراء. فبمرور الوقت في كل من روسيا والصين وكوبا، جلب مشروع الثورة والمواجهة الدبلوماسية مع الدول الأخرى عزلة سياسية وتكاليف اقتصادية باهظة، وفي النهاية وصل الاستياء العام وإدراك وهم تصدير الثورة حداً بحيث شكلت فيها الطموحات العابرة للحدود تهديداً للاستقرار في البلاد، مما أثار الخلافات في داخل صفوف النظام، وبدأ التحرك نحو الواقعية والبراغماتية في السياسة الخارجية. اليوم ، فعند تقييم أو نقد أخلاقي أو قانوني تجاه الممارسات الداخلية والخارجية لهذه الأنظمة، فيجب الاعتراف بأن قادة هذه الدول قد أعطوا الأولوية للمصالح الوطنية السياسية والاقتصادية، ولم يكن لموضوعة تصدير الثورة أي دور في هذه السياسة.

إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي الدولة الوحيدة في العالم المعاصر التي تطلق على نفسها في دعايتها الواسعة صفة "أم القرى" أو "الوطن الأم". وتنص مقدمة دستور الجمهورية الإسلامية على أنه " وبالنظر إلى محتوى الثورة الإسلامية في إيران - التي كانت حركة تهدف إلى نصرة جميع المستضعفين على المستكبرين - فإن الدستور يعد الظروف لاستمراريّة هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصا العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلاميّة والشعبيّة حيث يسعى إلى بناء الأمة الواحدة في العالم "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"، ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم".

وتضيف مقدمة الدستور لاحقاً أن " يركز الاهتمام، في بناء القوات المسلحة للبلاد وتجهيزها، على جعل الإيمان والعقيدة أساسا وقاعدة لذلك. وهكذا  يصار إلى جعل بنية جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة تقوم على أساس الهدف المذكور وتلتزم بأعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد. ولا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية حماية وحراسة الحدود فحسب، بل الجهاد أيضا في سبيل الله، والنضال لبسط حاكمية ّ القانون الإلهي في العالم (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوٍة ومن رباط الخيل ّ ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم)".

لقد أدت هذه الطموحات الغريبة عن العلم والتاريخ والفهم العام المستخدمة في دعاية الجمهورية الإسلامية وفي السياسة الخارجية لوالية الفقيه إلى كارثة لحقت برفاه إيران وأمنها ومكانتها، وألقت بالنظام في مستنقع من التناقضات التي تثير أجواء الاستياء وعدم الثقة في صفوف الشعب الإيراني التي أصبحت حقيقة واقعة في المشهد الإيراني. لقد خلقت العقوبات الاقتصادية ضد إيران وضعاً لا يستفيد منه سوى شركاء إيران من قلة من التجار والمهربين المحليين والأجانب.

لقد كانت إسرائيل على استعداد لبيع الأسلحة لإيران منذ بدء الحرب العراقية الإيرانية للحد من طموحات صدام حسين التوسعية. وأبلغ العقيد تقي فاكوري، وزير الدفاع آنذاك، الخميني بحضور أشخاص آخرين، بأن اسرائيل هي مصدر الأسلحة التي تحتاجها إيران في السوق السوداء. وسأل الخميني إلى أي بلد ينتمي هؤلاء الباعة؟ وعندما رد فاكوري بأنهما يحملون جنسيات برتغالية وإيطالية، قال الخميني: "ليس لدينا أي واجب ديني أن نسأل من أين أتوا بهذه الأسلحة". وفي صيف عام 1982، بعد انسحاب القوات العراقية من إيران، عرضت السعودية ودول خليجية أخرى تقديم المساعدة لإيران في إعادة بناء البلاد بمبلغ قدره 20 مليار دولار فيما لو قبلت بقرار مجلس الأمن حول وقف العمليات العسكرية على الجبهة العراقية الإيرانية. ولكن الخميني رفض العرض، مردداً الهتاف التقليدي الرائج بأن "الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء". ولكن بعد ست سنوات، عندما أصبح استمرار الحرب يهدد استقرار النظام نفسه، قبل الخميني بقف إطلاق النار وشبّه قراره بشرب السم.

إن دعاية ولاية الفقيه ضد وجود إسرائيل بإعتبارها عدوة الإسلام أو نعتها بالسرطان، هي أنفس هدية يقدمها حكام إيران لأكثر العناصر السياسية اليمينية المتطرفة في إسرائيل. ويبدو أن الأعداء، نتنياهو وخامنئي، يحتاجون إلى بعضهم البعض. إن تهديدات إيران المناهض لإسرائيل بتدميرها، أثار شعور الخوف وانعدام الأمن في هذا المجتمع، مما عزز المكانة السياسية لليمين والمتعصبين الدينيين، وخلق الصعوبات أمام مؤيدي السلام والمصالحة مع الفلسطينيين. فالتهديد الموجه ضد اسرائيل يضعف النزعات السلمية لهذه الشخصيات والجماعات. ولهذا السبب راح نتنياهو وحلفاؤه المبالغة والمتاجرة بالتهديد الإيراني، وأصبح جزءاً من دعايتهم اليومية. لقد كان ياسر عرفات الزعيم العربي الوحيد الذي وافق الخميني على مقابلته، ولكن عندما التقى عرفات برئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1992، اتهمه خامنئي ورفاقه بالخيانة والعداء للإسلام. واغتيل اسحق روبين على يد يهودي متعصب بسبب تفاوضه مع عرفات ودعم السلام مع الفلسطينيين.

تقدم الجمهورية الإسلامية حاليا مساعدات مادية وعسكرية وسياسية للميليشيات الشيعية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وكان هدفها في سوريا ولبنان هو الحفاظ على نظام بشار الأسد وحزب الله والتهديد العسكري الإسرائيلي. وفي العراق، قدمت الجمهورية الإسلامية الدعم للعناصر التي تسير في ركاب ولاية الفقيه تحت واجهة المطالبة بمغادرة القوات الأمريكية للبلاد. إن النفقات التي تقدمها إيران مادياً إضافة إلى التضحيات البشرية في هذه البلدان هي سرية. ولا يحق حتى لمجلس الشورى الإسلامي رسمياً في معرفة ذلك. ويقدر الخبراء أن حزب الله لديه 25 ألف جندي وتزيد ميزانيته العسكرية على مليار دولار في السنة. وصرح زعيم حزب الله حسن نصر الله بشكل لا لبس فيه أن الجمهورية الإسلامية ستغطي جميع النفقات العسكرية والاقتصادية والإدارية للتنظيم. وبدأت المساعدة العسكرية والاقتصادية الإيرانية لسوريا في أوج لهيب الحرب الإيرانية العراقية وتزايدت على مدار الأربعين عاماً الماضية. ويشير حشمت الله فلاحات بيشه رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الماضي في اليوم الأخير من ولايته إلى أننا:"قدمنا ​​أكثر من 30 مليار دولار لسوريا. ماذا حدث لهذه الأموال؟ علينا أن نعيدها الجميع". وقدرت المساعدات الإيرانية العسكرية والاقتصادية لمؤيدي ولاية الفقيه في العراق بالمليارات من الدولارات على مدى السنوات العشرين الماضية.

في هذا الإطار يطرح السؤال  حول مدى الدافع المادي أو العقائدي لمتلقي الأموال من إيران، لكن لا شك في أن مساعدة إيران لحزب الله وسوريا وأنصارها في العراق واليمن هي ضرب من الفساد. في عام 2003، عندما أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين، كانت إيران الدولة الإسلامية التي لعبت دوراً نشطاً، حيث قام الوسيط أحمد الجلبي عدة مرات قبل الغزو العسكري للعراق، وهو ناشط مناهض لصدام حسين وله علاقات وثيقة مع معظم أعضاء إدارة بوش المباشرين، وحصل على معونة مالية كبيرة كجزء من نفقات الغزو الحرب التي عينها الكونغرس الأكريكي لتعبئة العراقيين المعارضين لصدام. وقدم الجلبي جزء من هذه المعونة إلى الحرس الثوري لتهيئة الجنود العراقيين الذين أسروا في إيران لمهاجمة جنوب العراق. وبعد الإطاحة بصدام، دخلت هذه المجموعات العسكرية ، التي كانت مسلحة ومدربة في إيران ، مدينة البصرة بموافقة الولايات المتحدة. وهكذا يمكن القول أن نفوذ الجمهورية الإسلامية في العراق بدأ مع الغزو العسكري الأمريكي لذلك البلد، ولم يكن له علاقة بـ "الجهاد في سبيل الله"، بل استجابة لطلب أمريكا. طبعاً زعم أئمة الجمعة أن لا تناقض أو تعارض في هذا الأمر، لأن الله استخدم الشيطان الأكبر في أداء مهمة إمام العصر!!!.

وبدأ التدخل العسكري الإيراني في سوريا قبل ظهور داعش، بهدف قمع المظاهرات السلمية للشعب السوري ضد نظام بشار الأسد. كما دخلت قوات حزب الله سوريا بعد التدخل الإيراني. وبعد ظهور داعش واحتلالها لجزء من سوريا والعراق، طالبت روسيا والولايات المتحدة بالحفاظ على نظام بشار الأسد. هذه الدول لم تتردد في قصف سوريا، لكنها كانت مترددة في إرسال المشاة إلى ساحة المعركة. فقد وضعت هذه المسؤولية على عاتق إيران، ثم قرر قاسم سليماني وخامنئي ضم حزب الله وعدد من النازحين والمحرومين من الشباب العراقي والباكستاني والأفغاني. خلفت الحرب الأهلية السورية 11 مليون نازح وأكثر من 600 ألف قتيل، وتعرضت البلاد إلى الدمار لدرجة أن خبراء إعادة الإعمار قدروا أنها ستحتاج إلى إنفاق 400 مليار دولار.

كما نرى فإن تصدير الثورة تحول عملياً إلى تدخل عسكري في أربع دول ممنغمرة في حروب أهلية، وأنفقت عشرات المليارات من الدولارات، وتصاعدت حمى الطائفية وانعدم الأمن في المنطقة. ولم تجلب هذه الحروب وهذه السياسة سوى الكوارث على المصالح الوطنية لإيران، ولا سيما المتععلقة برفاهية وأمن الشعب والمكانة الدولية للبلاد. تحولت مهمة تصدير الثورة إلى ماليخوليا، وأدى طموح  "أم القرى" والحاجة إلى استمرارها، إلى منازعات كلامية ، وجعل النظام يسمي أي نقد هيكلي ورؤية متفاوتة مع أفعاله مؤامرة للعدو، بحيث شرع النظام بدفع الأجهزة الأمنية إلى قمع وتعذيب المتظاهرين الأبرياء واعتبر ذلك عملاً مشروعاً. وفي الحقيقة هي أن ماليخوليا الثورة بات يهدد استقرار وبقاء ولاية الفقيه بالذات.

ما دام خامنئي على قيد الحياة، يظل الجدل الدائر بين من يمسكون بزمام السلطة حول العواقب غير المنظورة لتصدير الثورة سراً من الأسرار، فالرجل ربط مصداقيته بالحرس الثوري الإيراني ووكلائه عبر الحدود وبالوهم الموروث حول توحيد جميع الدول الإسلامية تحت قيادة ولاية الفقيه، و"الجهاد في سبيل الله والنضال في سبيل بسط حكم الله في العالم". ويظهر الفساد المستشري في البلاد والإفلاس الأخلاقي والروحي لملالي ولاية الفقيه أنه بعد خامنئي سيلعب المرشد الأعلى القادم دور إمام صلاة الجمعة في عهد محمد رضا شاه، وعلى الحرس الثوري الإيراني أن يتعامل مع تداعيات تصدير الثورة والمواجهة مع الولايات المتحدة. هذه التداعيات التي قادت النظام إلى العزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية وهروب رأس المال ، ومأزق التدخلات العسكرية في المنطقة، وانتشار الفقر وتفشي التضخم والبطالة والغضب ، والاستياء السياسي والمعيشي والثقافي بين مختلف شرائح المجتمع. ومما يزيد من حدة التحدي الذي يواجهه الحرس الثوري الإيراني في التعامل مع هذه الأزمة هو عدم الفصل بين التدخل العسكري الإيراني في المنطقة ووبين مواجهة الولايات المتحدة.

مادام خامنئي هو الذي يختار جميع قادة الحرس الثوري الإيراني ، فإنه يقدم على إقالته أو تعييّنه في وظيفة مدنية كلما ساورته الشكوك حول التزام أي منهم بولائه لسلطته. ولكن في غياب خامنئي، فإن المنافسة والصراع بين قادة الحرس الثوري الإيراني لقيادة التنظيم الذي سيحكم البلاد أمر لا مفر منه من الناحية العملية. ويكاد يكون من المؤكد إلى حد اليقين بأن الحرس الثوري الإيراني لن يكون قادراً على خلق "رضا خان إسلامي" للقيام بأي انقلاب عسكري مماثل لما قام به رضا شاه في عام 1921، لأن قادته، سيجدون من الصعوبة التوصل إلى إتفاق أو قبول تصويت الأغلبية عندما يشرعون في أية مفاوضات لحل مشكلة ما. وإلى جانب هذه المعضلة، لقد تكرست ثقافة سياسية في البلاد، وسادت رؤية  على سلوك قادة الحرس الثوري الإيراني في نظام خرافي ومطلق التفكير، مما سيعيق طريق التسامح والتوافق. لذلك، من المحتمل أن تتصاعد النزاعات والخصومات في داخل الحرس الثوري الإيراني لتتطور إلى مواجهة، مما سيجبر السياسيين والرأسماليين المعنيين بالنظام على التركيز على النزاعات في داخل الحرس الثوري الإيراني ، الأمر الذي سينتج عنه أزمة غير مسبوقة لولاية الفقيه.

بعد وفاة خامنئي، سيدعي جناح من الفاعلين في الحرس الثوري الإيراني والسياسيين ورأسماليي النظام بأن الجمهورية الإسلامية قادرة على حل مشاكل البلاد الاقتصادية دون تغيير مهمتها في تصدير الثورة ومواجهة الولايات المتحدة. وسيدعي فصيل آخر إن حل المشاكل الاقتصادية وكبح الاستياء العام يتطلب تطبيع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والاقتصادية مع الدول الأخرى. لذلك، ومن أجل استقرار النظام وبقائه، يؤكد الطرف الآخر على تجنب التدخل العسكري في المنطقة وتجنب العداء المطلق للولايات المتحدة. وبين هذين الجناحين، ستكون هناك مجموعات وأفراد آخرين يدعون إلى الاعتدال. وعلى الرغم من أن هذه الاختلافات لا علاقة لها بمصالح الأطراف الفاعلة داخل دائرة الاستبداد ولا بطبيعة النظام وتقسيم المواطنين إلى "مولاة" و "لا موالاة" ، فمن المرجح أن توفر الأزمة الداخلية "لغير المولاة" فرصة غير مسبوقة لكي تستفيد وقد تتناقش حول التوصل إلى تحالف منظم وعملي من الجمهوريين الملتزمين بحقوق الإنسان، يحترم التعددية الفكرية والتعامل بين القوى التي لا ترى في المنافس كعدو لهم.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل