/
/
/
/

بعد الغاء النظام الدكتاتوري في 17 ايلول من قبل صدام حسين اتفاقية الجزائر الموقعة في 6 اذار 1975 والتي جرى التفاوض حولها بين النظام العراقي وشاه إيران في العاصمة الجزائر وبرعاية الرئيس الجزائري هواري بومدين. كان يحتل نائب رئيس الجمهورية صدام حسين الشخصية الثانية في العراق بعد رئيس الجمهورية احمد حسن البكر. وكانت المساومة كما يذكرها المتابعون على حساب الثورة الكردية، حيث تنازل النظام العراقي على جزء من شط العرب لإيران مقابل وقف دعم الثورة الكردية من نظام الشاه، وقد ألغى الاتفاقية صدام حسين في 17 ايلول والعودة للمياه الاقليمية قبل الاتفاقية عام 1975.

بدأت الحرب في 22 ايلول 1980 حيث بدأ العراق هجومه بقواته المختلفة على المدن الايرانية واحتلال بعض المناطق الحدودية التي بعضها لا يساوي شيئا. واستمرت الحرب ثمانية اعوام اكلت فيها الاخضر واليابس من البشر والبنية التحتية للبلدين وتضرر الشعبان في حرب مهلكة تدعم بعضها بعض الدول وامريكا المستفيدين من اطالتها اضافة الى عنجهية النظام الدكتاتوري في العراق. بيد ان الامبريالية الامريكية لعبت دور المشجع لمغامرة صدام حسين الذي استعار عباءة سعد بن ابي وقاص وأطلق على مغامرته اسم قادسية صدام2.

وقد ادانت اغلب القوى العراقية هذه الحرب لأنها غير عادلة وان العدوان هو قيام قوات طرف من الاطراف بغزو اراضي الطرف الأخر، وهذ التعريف عرف به بعد الحرب العالمية الثانية من القوى المحبة للسلام. وبالفعل ما قام به العراق، وهي عدوانية للطرف الباديء.

 وتعاقد النظام على شراء اسلحة من الدول الاوربية، من فرنسا 5و2 مليار دولار ومن ايطاليا 8و1 دولار وصفقات مع المانيا والبرازيل وفرنسا ومعدات الالكترونية من دول أخرى وخاصة السويد وسويسرا، مما أثر على اقتصاد العراق بشكل كبير وبالتالي على ابناء شعبنا. اضافة الى سلاح الجو والذخيرة وغيرها. لقد اثرت هذه الصفقات على الوضع الاقتصادي بشكل عام كما الحق الخراب بمينائي التصدير البكر وخور العمية حيث قل الانتاج بشكل كبير الى أدنى مستوى.

في هذه الحرب، جرى تخريب معظم المؤسسات ومعامل الحديد والصلب والبتروكيمياوية ومصانع السيارات والكثير من المشاريع المعدة لبنائها من المعامل الانتاجية. وتحولت المعامل ذات الانتاج المدني الى انتاج الاسلحة والذخيرة وغيرها للحرب.

ونستطيع ان نشير الى:

  - توقف تصدير النفط ودمار القاعدة الصناعية وبعض البنى التحتية.

- إنفاق هائل على ماكنة الحرب وانشاء معامل ومصانع للسلاح والذخيرة.

- خسارة العراق رصيده من الذهب والعملة الصعبة التي تقدير ب 37 مليار دولار.

- الاستدانة من الدول بعشرات المليارات الدولارات.3

تفاقم الازمة الاقتصادية

من الطبيعي ادت الحرب الى ظروف جديدة غير تلك الظروف التي كانت قبلها، وخاصة في الوضع الاقتصادي والاجتماعي وغيرها.

- تفاقم الازمة الاقتصادية وخاصة المعيشية للفقراء واصحاب الدخل المحدود وارتفاع الأسعار.

- اختفاء المواد الغذائية وانقطاع الماء والكهرباء

 - أصبح الشعب العراقي في ظروف اجتماعية صعبة حيث يغلب عليهم طابع الحزن ومشاعر الأسى ولبس السواد من قبل آلاف النساء.

- دمار مدن واحياء سكنية كاملة وتشريد اهلها لاجئين في بلادهم.

- التفريط بالسيادة الوطنية للبلاد عبر التنازلات الإقليمية التي قدمها النظام لكل من السعودية والأردن4.

- تكبيل البلاد بديون ضخمة تقدر بحوالي 85 مليار دولار وتدهور الدينار العراقي الى أدنى مستوى.

- اجبار مئات الالاف من الطبقة العاملة الى الجبهة. واحلال الالوف من العمال الاجانب والعرب بدلا عنهم.

يشير كتاب عقود الى، لجوء الحكام الى افتعال المشاكل الاجتماعية لأشغال الناس، ونشروا الوشاية والوصولية، وشجعوا الارتزاق واستباحة الكرامات وشرعوا القوانين لمصادرة ممتلكات الآلاف من المهجرين، ونشروا اجواء الذعر والارهاب وشددوا من الرقابة البوليسية على المساكن ومواقع العمل والدراسة. واستغلوا اوضاع الحرب لتبعيث المجتمع بالقوة واتخذت النزاعات الشوفينية والعنصرية والطائفية أكثر الاشكال حدة. وساد التخلف والابتذال ميادين الثقافة واتخذت ايدلوجيا العداء للشيوعية صورة لا نظير لها في الضراوة وسادت الافكار اليمينية والنظرات المثالية والسلفية، وجرى تشويه التاريخ وازدراء الفكر العلمي والثقافة التقدمية. وساد الادب والفن جو من الاسفاف والتفاهة واستخدم المال لإفساد الادباء والفنانين5.

تأثير الحرب على الطبقة العاملة

لا شك ان هذه الحرب اثرت على الطبقة العاملة العراقية في القطاع العام والخاص وخاصة منهم الشباب الذين سيقوا الى الجيش كاحتياط او جميع القادرين على حمل السلاح من الشعب العراقي، لحاجة الحرب الى محارق لها. لقد زج في هذه الحرب اعداد كبيرة من الطبقة العاملة المنتجة ومن الفنيين وأصبحوا في الجبهة الامامية من الحرب بدلا من ان يقودوا وسائل انتاج الخيرات المادية، مما ولد وضعا صعبا أثر على الانتاج، مما جعل النظام يستعين بالعمال المصريين والأجانب وأصبح عدد العمال الاجانب أكبر حجما من الطبقة العاملة العراقية6.

ان عمق الازمة يقع بالدرجة الاولى على كاهل الطبقة العاملة، وعموم الكادحين التي تنزف دما، فشعار النظام اليوم مثلما كان بالأمس "ايها العمال اكدحوا" من اجل ثراء البرجوازية أكثر فأكثر، ايها العمال انزفوا دما من اجل ان تنتصر البرجوازية وتبقى في الحكم7.

ان هذه الحرب العدوانية التوسعية،  تحمل الكوارث والدمار والدم لجماهير الشعب، وان الكادحين هم اول من يكتوي بنارها، وان ثمنها الفادح اقتصاديا واجتماعيا، انما يلقى عنوة على كواهلهم التي نتوء بالأعباء الكثيرة، ومن الطبيعي ان تقف الطبقة العاملة ضد هذه الحرب التي اشعلتها البرجوازية الطامحة الى تخليد سيادتها وتحقيق احلامها في التوسع والزعامة، حيث اكثر من نصف العمال مجندون قسرا الى الحرب، ويضطر النصف الاخر، في المصانع وميادين الانتاج على اختلافها الى العمل باجور متدنية، لتغذية ماكنة الحرب، لا من دماء العمال فحسب ، بل من عرقهم وكدحهم ايضاً8.

جرى تشويه الطبقة العاملة واصبحت النقابات جهاز اداريا يعمل على مساعدة السلطة في تجنيد العمال الى الجبهة، فقد ادى الى موت الكثير من العمال مما ولد وضعا اجتماعيا واقتصاديا سيئا. ولنا ان نشير ان الطبقة العاملة العراقية ليس لها مصلحة في هذه الحرب، فهي صراع مصالح لنظامين وحكومتين برجوازيتين ولمصلحة البرجوازية، وخالية من اي مصلحة رغم كل الادعاءات الفارغة والدفاع عن الوطن التي يراد منها حرف النضال الطبقي وتضليل الطبقة العاملة والشعب، وما هو في الواقع سوى دفاع عن نظام الدكتاتوري وكرسي رئاسته على حساب ملايين البشر9.

لقد استقدم العراق العمال المصريين والمغاربة والتونسيين وحتى الليبيين وزاد عددهم مليونين نصف تقريبا بدون توفير أدنى مستوى من الحقوق لهؤلاء الاجانب، حيث لم تكن النقابات سوى اجهزة امنية مدافعة عن النظام وتحويلها الى اجهزة مخابرات ومؤسسات حكومية ولهذا كان خوف العمال الباقين في المعامل والمؤسسات الانتاجية من كبار العمر والمرأة، فكان هاجس الخوف من الاعتقال ممن يطالب بحقوقه.

اضافة الى ذلك في تلك الفترة تم التحول تدريجيا من التصنيع المدني الى الصناعة الحربية، وتم تحويل بعض معامل القطاع العام التي تنتج سلعا وبضائع مدنية، الى معامل لتصنيع الأسلحة10.

استغلال الطبقة العاملة

لقد شوهت الطبقة العاملة العراقية ووقع عليها الطغيان والظلم والحروب ومنها الحرب العراقية الايرانية والتي اصبحت وقودا لهذه الحرب واستغلت بشكل مريع، العامل الجيد هو المنتج الجيد والبعثي الجيد، وعملك شرفك ومن لا يعمل لا شرف له وغيرها من الشعارات التي أنهكت الطبقة العاملة في جميع البلاد. ولم يقف عند ذلك حيث جلب النظام عمال من البلدان الاخرى، الذين اخذوا ينافسون اخوتهم العمال العراقيين الذين لم يبق منهم غير كبار السن والنساء لان اكثرهم سيقوا الى الحرب والتي راح ضحيتها الالاف منهم وبدوره أثر على عوائلهم وعلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي لتلك العوائل11.

عانت الطبقة العاملة من الحرب الكارثية مع إيران وكانت أكبر مأساة عاشتها أثناء فترة الحرب المدمرة التي استمرت ثمان سنوات حيث زج بـ ( 50 % ) منها في سعير تلك الحرب الكارثية، كما أدت إضافة للخسائر البشرية في صفوفها والخسائر الاقتصادية إلى إلغاء ما تبقى من مكاسب قليلة جداً واصبح التجاوز المستمر على حقوقها كطبقة عاملة وحقوقها في العمل النقابي مسألة طبيعية بدون اي رادع ولا سيما استغلال الحرب لصالح النظام الدكتاتوري للتوغل في سياسته الإرهابية في الداخل، واصبحت المعامل في خدمة المجهود الحربي، اضافة الى انخفاض الانتاج بشكل كبير. وقد عوض النظام باستخدام مئات الالوف من العمال العرب والأجانب وخاصة من المصريين الذين بلغ عددهم أكبر من العمال العراقيين، مما دعي النظام الى تشغيل النساء ودعوة العمال القادرين على العمل الرجوع الى معاملهم. كما جرى تفكك في القطاع العام وبيعت بعض المعامل بابخوس الاسعار الى بعض الميسورين او من برجوازية النظام الطفيلية12.

وفي اشارة من اجتماع الحزب الشيوعي العراقي في تموز 1984 يذكر فيها، كانت الحرب قد دخلت عامها الخامس، تتضح صورة الكارثة هذه أكثر فأكثر، اذ صار الحديث يجري عن مئات الالوف من القتلى والجرحى والمشوهين، وصار يجري تجنيد طلبة المدارس والكهول والموظفين لإرسالهم الى جبهات القتال. ويلاحظ الحزب ان كل جانب من جوانب الحرب قد تضخم كثيرا، وتشهد جبهات الحرب وشوارع المدن حملات الاعدام بالجملة بذريعة: الجبن: او الهروب من الخدمة، وصارت التصفيات تشمل حتى بعض اوساط الحزب الحاكم وقادة الجيش وضباطه. وصار الحديث يجري لا عن هجرة الالوف وانما هجرة مئات الالوف وأكثر، وهروب نحو 100 ألف من الجنود والتجائهم الى الاهوار والارياف والجبال وقيام بعضهم بالتمرد على الحكم. واخراج مئات الالوف بالقوة العاملة من ميدان النشاط الاقتصادي ودفعهم الى ميادين الحرب واحلال الالوف من العمال العرب والأجانب13.

ساهمت الحرب، في ظل أجواء عسكرة الاقتصاد والاجواء البوليسية الإرهابية التي تحضر نشاطات الاحزاب السياسية والجمعيات المهنية والنقابية وجعلت من الوطن سجن ومقبرة جماعيتين، وترك تأثيرا واضحا على نضالات الطبقة العاملة العراقية وتأسيسها لتنظيماتها النقابية الديمقراطية في داخل الوطن للقيام في تحركاتها اليومية دفاعا عن مصالحها الطبقية وتصديا للممارسات الديكتاتورية الفاشية الصدامية14.

توقف الحرب

توقفت الحرب بين العراق وإيران طبقا لقرار مجلس الامن الدولي المرقم 598 والصادر في تموز 1987. بعد ان وافق العراق على الشروط الايرانية لأنهاء الحرب واعلان العودة الى اتفاقية الجزائر لعام 1975 التي تم الغائها من قبل النظام والتي الحقة الكوارث بالشعب والوطن. وتركت اثارها المريعة على شعبنا والبنية التحتية للبلاد.

لقد قضى أكثر من مليون قتيل من الجانبين، وتم تدمير كلي او جزئي لأكثر من 50 مدينة وبلدة، وماذا كانت النتيجة؟ في ايلول وبعد شهر على غزو الكويت، اقترح العراق توقيع معاهدة عدم اعتداء مع إيران على ان توضع خطط لاستئناف العلاقات الدبلوماسية. والاهم ما حمله اعلان بغداد من انها مستعدة لان تلتزم كل معاهداتها السابقة مع طهران بما فيها معاهدة 1975 التي أعلن صدام الحرب لإحباطها15.

 ويضيف صاغية وفي هذه الغضون، سمم البعث الاجواء العراقية، وجزئيا العربية، بعنصرية غير مسبوقة في منطقة الشرق الاوسط مصحوبة بعبادة لشخص صدام هي الاخرى غير مسبوقة. فالحرب انما هي قادسية صدام في احالة الى معركة العام 637 م ...ومنذ عام 1980 عام نشوب الحرب بات تحرير القدس على يد نبوخذ نصر يتلازم مع وقوف اليهود في جانب قورش، ملك الفرس الذي حاصر بابل وفتحهم ابوابها له. وكان للضربة الاسرائيلية التي دمرت المفاعلين النوويين العراقيين بعد ان عممت نظرية التعاون اليهودي – الفارسي ثارا من سبي نبو خذ نصر. لقد خسر العراق في الوقع لا في الخرافة 450 مليار دولار16.

عندما انتهت الحرب رسميا في اب 1988 كان الاقتصاد العراقي يعاني من ازمة خطيرة أبرزها، الهياكل الارتكازية والانتاجية المدمرة- ضآلة المواد اللازمة -المستويات العالية للدين الخارجي – التوجه المتزايد نحو استيراد الموارد الغذائية – تعطل الجزء الاساسي من قوة العمل التي جندت في القوات المسلحة – التضخم المفرط – استمرار انخفاض عوائد البترول – السياسات الاقتصادية للحكومة وتسمى بالخصخصة... وغير ذلك.

*1 فصل من كتابي مسارات الطبقة العاملة وحركتها النقابية بين القانون والسياسة

2 زكي خيري – شيوعي مخضرم ص 99

3عزيز سباهي عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ص 208

4التقرير السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي اوائل اذار 1989

5 عقود مصدر سابق ص 202

6ارا خاجادور من تجارب شخصية في العمل النقابي ص586

7بيان الحزب الشيوعي العراقي بمناسبة الاول من ايار المنشور في الثقافة الجديدة 163 ايار 1985

8المصدر السابق ص 5

9خاجادور مصدر سابق ص 95       

10عامر الشيخ عبود نشأة الطبقة العاملة العراقية المواقع الالكترونية27 شباط   2019   

11فيصل الفؤادي – محاضرة للكاتب بعنوان شعارات البعث في استغلال الطبقة العاملة 1985 في كردستان

12عقود مصدر سابق ص 203

13عزيز سباهي – عقود 203– عن اجتماع اللجنة المركزية

14المؤتمر الوطني السابع للحزب الشيوعي العراقي ايار 2001

15حازم صاغية –بعث العراق سلطة صدام قياما وحطاما ص 158

16صاغية مصدر سابق ص 159

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل