/
/
/
/

تثير موضوعة السلبيات الاقتصادية والسياسية للعولمة بصيغتها الرأسمالية على الدولة الوطنية في البلدان النامية، كثيراً من الاهتمام من الباحثين والمفكرين نظرا لتأثيراتها المباشرة على تخريب كثرة من الدول الوطنية ومنها عدة دول عربية، كما يحدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان. ويستغل لهذا الغرض تعطش المواطن إلى الديمقراطية الحقيقة والتخلص من الاستبداد، فيجري الترويج من قبل أنصار الليبرالية الجديدة من المثقفين والسياسيين في كثرة من الدول الوطنية إلى الاستعانة بالقوى الخارجية.

إن الوقائع الفعلية للتدخل الخارجي لنشر الديمقراطية، أدت إلى نتائج عكسية بعيدة عن تمنيات الداعين للتدخل الخارجي لحل النزاعات الداخلية بين قيادة الدولة الوطنية الاستبدادية والقوى الوطنية المكافحة من أجل التغيير. وهذ ما يحاول الدكتور لطفي حاتم تناوله في كتابة الجديد، المعنون: العولمة الرأسمالية والدولة الوطنية الديمقراطية، الذي صدر مؤخرا.  من اجل إعطاء ملموسية لرؤيته، قسم الباحث كتابه إلى ثلاث أقسام، الأول، يبحث فيه الرأسمالية المعولمة وبنيتها السياسية، والقسم الثاني، الدولة الوطنية والطائفية السياسية، والقسم الثالث، الرأسمالية المعولمة وكفاح اليسار الديمقراطي.

يبدأ الباحث االقسم الاول، بتحديد سمات المرحلة التاريخية للرأسمالية المعاصرة، بنقاط عدة من أهمها، الأولى منها، سيادة الليبرالية الجديدة، كفكر سياسي اقتصادي يجري الترويج له لخدمة المصالح الأساسية للشركات الاحتكارية والدول الرأسمالية الكبرى والثانية، كثرة من التناقضات الداخلية والخارجية تلازم التشكيلة الرأسمالية المعولمة، يحددها الباحث بالنقاط التالية:

  1. التناقضات بين العمل والرأسمال وتتجلى تلك التناقضات بالنزاعات الطبقية حول العدالة الاجتماعية وتوزيع عادل للثروات الوطنية؛
  2. التناقضات بين النزعة الوطنية لقوى اليمين المتطرف في الدول الرأسمالية الأوربية وميول العولمة الهادفة إلى بناء التكتلات الدولية الخاضعة للسيطرة الأمريكية؛
  3. تناقضات حادة بين الدولة الرأسمالية الكبرى والدول الوطنية حول السيادة الوطنية والتنمية المستقلة ومقاومة ميول التبعية؛
  4. تناقضات بين الدول الرأسمالية الكبرى حول السيطرة على الأسواق والمواد الخام واستغلال العمل الرخيص في الدول الوطنية.

وتناول الباحث في القسم الثاني، موضوعات كثيرة، منها العولمة الرأسمالية والطائفية السياسية ومخاطر الطائفية السياسية على إثارة النزاعات الداخلية في الدول الوطنية، مستشهدا بدور الاحتلال الأمريكي للعراق في إحداث تغييرات في بنية الدولة العراقية لصالح بناء دولة المكونات الطائفية ـ العرقية وسيطرة الإسلام السياسي على السلطة مشيرا إلى ان هذه السيطرة ادت إلى اعاقة التطور الديمقراطية وبناء دولة فاشلة، وهذا يرجع إلى عاملين، الاول، غياب الرؤية السياسية والفكرية لدى احزاب الإسلام السياسي حول التنمية الوطنية والشرعية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة أدت إلى صراعات اجتماعية ـ سياسية مستمرة، الثاني، تفضي سيادة أحزاب الإسلام السياسي الطائفي في الحياة السياسية إلى إعاقة تطور النزاعات الاجتماعية، بعد تحولها من صراعات طبقية إلى صراعات طائفية وحصرها بآليات ضبط أيديولوجية طائفية.

 في القسم الثالث، يناقش الباحث موضوعات عن الرأسمالية المعولمة وكفاح اليسار الديمقراطي، وهنا يشير الباحث إلى الأسباب التي أدت  إلى تراجع قدرة الدولة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وغيره من الدول  الاشتراكية في تلبية الحاجات الأساسية المواطنين وبالتالي سهولة انهيار الاشتراكية بسبب غياب الدعم الشعبي لها، ويجملها بنقاط أساسية منها، سباق التسلح مع الدول الغربية الأمر الذي الذي كلف مبالغ كبيرة  وأدى إلى اعاقة نمو وتطور التشكيلة الاشتراكية، ومنها، نمو البيروقراطية في قيادة  الأحزاب الاشتراكية بحيث أصبحت طبقة فوق الدولة والمجتمع وما ترتب على ذلك من ركود اجتماعي وسياسي عطل حركة تطور الحزب والدولة والمجتمع، وعدم تطور الديمقراطية السياسية، وبالتالي اضعاف كيان الدولة الاشتراكية، وفتح الطريق امام تنامي النزعة القومية الانفصالية، الامر الذي أدى إلى توفير الظروف المناسبة للانقضاض على التجربة الاشتراكية. لقد تفاعلت العوامل السابقة فأدت إلى أزمة اجتماعية اقتصادية لا يمكن حلها بدون اصلاحات جذرية في طبيعة النظام، فاستغل التيار” الإصلاحي “ ذلك لإسقاط التجربة الاشتراكية.

لقد أدى إنهيار التجرية الاشتراكية إلى تأثيرات سياسية وفكرية ومعنوية  على  التيار اليساري الاشتراكي في العالم ، خاصة في مضامين الفكر الاشتراكي، فيما يتعلق بالسلطة السياسية وكيفية تغييرها وطبيعة القوى القادرة على اقامة دولة العدالة والمساواة والديمقراطية، الامر الذي أدى كما، يقول الباحث، إلى البحث عن مضامين  سياسية واجتماعية جديدة تعطي أجوبة لكثرة من الأسئلة المثارة منها، على سبيل المثال، هل قوى اليسار الاشتراكي قادرة لوحدها على صياغة التوجهات الفكرية والسياسية القادرة على مقاومة سياسية الرأسمالية المعولمة؟ هل تستطيع قوى اليسار الاشتراكي تحديد أساليبها الكفاحية بمعزل عن القوى والتيارات المناهضة لمشاريع الهيمنة الدولية على الدولة الوطنية؟ هل التحالفات الاجتماعية التي يدعو لها اليسار الإشتراكي قادرة على اقامة أنظمة العدالة والمساواة؟

 ولكي تستطيع قوى اليسار الاشتراكي توحيد كفاح القوى الاجتماعية والسياسية المناهضة للعولمة الرأسمالية، عليها ان تبلور رؤية فكرية جديدة تتمثل بالتركيز على المهام الآنية الوطنية والديمقراطية  والإبتعاد عن برنامج الثورات الاشتراكية، حسبما يرى الباحث، حيث يعزز هذا التوجه من  إمكانية القوى الوطنية الديمقراطية للعمل على  منع الدول الوطنية من التفكك وتجاوز الطائفية السياسية من خلال برنامج يعتمد على الركائز التالية:

 الاولى، الحفاظ على الدولة الوطنية باعتبارها الرافعة الأساسية للتحولات الاجتماعية وصيانة حقوق الإنسان وتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي؛

الثانية، بناء الدولة الوطنية على قاعدة الديمقراطية، وما يتطلبه ذلك من رسم نهوج وطنية من قبل الأحزاب الوطنية تتضمن الكفاح من أجل تطور البلاد الاقتصادي والسياسي؛ 

الثالثة، تعزيز الوحدة الوطنية من خلال التفاهمات الطبقية والاجتماعية التي تقوم على الاستجابة للحقوق القومية والمذهبية لكافة مكونات التشكيلة الاجتماعية، إضافة إلى تحقيق قدر معقول من العدالة في توزيع الثروات الوطنية؛

الرابعة، ينبغي ان تستند التوازنات الاجتماعية على التعاون الوطني بين الطبقات الاجتماعية الوطنية المنتجة، عبر الغاء مبدا الأقصاء والتهميش لبعضها البعض.

 الخامسة، التعامل مع الظروف التي تخلقها العولمة الرأسمالية من خلال اقامة العلاقات الدولية على أساس الاحترام المتبادل والمساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

تأتي أهمية الموضوعات التي يناقشها الدكتور لطفي حاتم من راهنية الإشكاليات التي تواجه العديد من الدول الوطنية التي أما تحولت إلى دول فاشلة ينتشر فيها الفساد المالي والإداري، فاصبحت غير قادرة على تلبية الحاجات الأساسية لمواطنيها، على الرغم من الموارد الاقتصادية الكبيرة التي تملكها، أو دول رفضت قياداتها اجراء الاصلاحات السياسية والاجتماعية فوقعت فريسة الحروب الأهلية، كما يجري في العراق وافغانستان وليبيا وسوريا واليمن وغيرها. حدث كل ذلك بفعل تدخل الدول الرأسمالية في النزاعات الاجتماعية الوطنية وتوجيهها بما يخدم الهيمنة عليها. ورغم وضوح النتائج الكارثية التي نتجت عن التدخل الخارجي، ما زال، تيار الليبرالية الجديدة، في كثرة من الدول الوطنية، الذي  يدعي انه يعبر عن أهداف القوى الجديدة التي ترفض الأنظمة الاستبدادية، يدعو إلى الاستعانة بالتدخل الخارجي لاقامة الديمقراطية. إن هذه الرؤية تلتقي في الواقع العملي مع توجهات العولمة الهادفة إلى نقل البلدان العربية من التبعية السياسية ـ الاقتصادية إلى الإندماج بصيغة الالحاق تماشياً والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، وهذا ما أكدته الوقائع الفعلية التي تدحض الحالمين بالديمقراطية التي تجلبها الدولارات والدبابة الأمريكية.

أن موضوعات الكتاب محاولة من الباحث لطفي حاتم، لتقصي تأثيرات التشكيلة الرأسمالية المعولمة على الدولة الوطنية الديمقراطية من خلال دراسة الوقائع الفعلية التي نتجت عن تدخل دول الرأسمالية الكبرى   في الشؤون الداخلية للدول الوطنية واستخلاص رؤى فكرية يمكن أن تستفيد منها القوى الوطنية الديمقراطية الساعية إلى بناء دول وطنية قادرة على مواجهة مخاطر العولمة المعاصرة.

 أخيرا، إن الموضوعات التي تناولها الكتاب بروح علمية نقدية، تفتح حوارا علمياً أمام الباحثين والمفكرين والسياسيين الساعين للبحث عن السبل الكفيلة بالوصول إلى ديمقراطية حقيقة تحافظ على السيادة الوطنية وتحقيق قدرا معقولا من العدالة الاجتماعية في بلدانهم.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل