/
/
/
/

ما أن تمكنت عصابة البعث من السلطة  في بغداد عام 1968  حتى بدأت تظهر بوادر فاشيتها ، ومن أبرز تلك الظواهر كانت شرطة آداب خير الله طلفاح ، خال صدام وعراب تربيته المنحطة . كان خير الله طلفاح سلطة سياسية ودينية واجتماعية ، باختصار هو سلطة متخلفة جامعة للسلطات القضائية والتنفيذية ، لذلك كان الناس يلقبوه خال الحزب مرة ووالي بغداد مرة اخرى وشر الله طلفاح مرة ثالثة ، ولقب الحجي في آخر المطاف .

كان متعطشا للسلطة واراد اخضاع المجتمع لاهوائه ، فتراه يقدم المحاضرات السخيفة في التلفزيون محاولا الظهور بمظهر الواعظ الديني او  برداء الداعية القوماني الذي ينافس جمال عبد الناصر ، او بقبعة المحارب المجاهد لدرجة أنه ترأس جمعية المحاربين القدماء  ، ولم يكتف بذلك بل افتتح جمعية استهلاكية تبيع البيض  والدجاج والادوات الكهربائية وتستولي على الاراضي التي تملكها الدولة ويبيعها للعشيرة والاتباع .

وامعانا في اخضاع المجتمع البغدادي شكل شرطة دعاها شرطة الاداب ، مهمتها فرض آراء خير الله طلفاح  على اساس انها الاداب العامة وفي الحقيقة هي قمة اللا آداب كما اطلق عليها الناس هذه الصفة التي تستحقها .

وكان من واجباتها التجوال في شوارع بغداد الشهيرة مثل شارع الرشيد وشارع الكفاح او السعدون او الكرادة او شارع النهر الذي يعج بالشباب والشابات الانيقات ، لكي يعاقب من يخالف قوانين خير الله طلفاح ومنها ان تنورة الفتاة يجب ان تصل الى تحت الركبة ، وبنطلون الشباب يجب ان لايكون ضيقا ولا عريضا من الاسفل - موديل كان يسمى جارلستون- اما شعر رأس الشباب فيجب ان لا يكون طويلا - آنذاك شاع موديل فرقة الخنافس البريطانية البيتلز -  وكان سلاح الشرطة المقص ، فان كان شعرك طويلا يقصوه بصورة عشوائية لكي تبدو كالمهرج في السيركس ، اما البنطلون فكانوا يقطعونه بشكل يثير الشفقة ، واما الفتيات اللواتي يرتدين ملابس فوق الركبة - تنورة ميني جوب - فتتعرض الى صبغ سيقانها باصباغ - البوية - نوع من الدهان المعبأ بعلب معدنية - بخاخ- .

أثارت هذه الممارسات الهمجية المتخلفة استياء الناس وعلا الاحتجاج على هذه الاساليب حتى ان الجواهري الذي كان في براغ آنذاك قال قصيدة جميلة في هذه الممارسات موجهة الى وزير الداخلية عماش يوم ذاك جاء فيها :

نُبئـتُ أنّكَ توسع الـ / أزياء عَتّاً، واعتسافا

تقفو خطى المتأنقا / تِ كسالكِ الأثرِ اقتيافا

وتقيس بالأفتار أر / ديةً بحجّة أن تَنافى

ماذا تُنافي؟ بـل وما / ذا ثمَّ من خلُقٍ يُنافى؟

أترى العفاف مقاس أقـ / ـمشة؟ ظلمتَ إذن عفافا

هِوَ في الضمائر لا تخا / ط ولا تقصُّ، ولا تكافى

بعد ذلك  وبدلا من السير في الحكم  بطريق السلم الاهلي ، تطورت ممارسة حزب البعث الفاشية عكسيا  فعهد للمجرم ناظم كزار تـنفـيذ أبشع عمليات التعذيب والاغتيال والاغتصاب التي  لم يسلم منها الرجال والنساء وسجلت شهادات من نجى منهم في منظمات حقوق الانسان .

حتى بعد التغيير وسقوط نظام العصابة الصدامية لم يتوان الامريكان من ممارسة نفس الاساليب الخسيسة في  سجن ابو غريب ما اضطر رئيس الولايات المتحدة الاعتذار عن تلك الممارسات اللااخلاقية من تعذيب وحشي ومهين للسجناء ما نتج عنه احتجاجات المنظمات الدولية  التي سجلت نقطة سوداء في سجل الولايات المتحدة الامريكية اضافة الى سجلها الحافل في انتهاك حقوق الانسان .

أما القوات العسكرية  التي استلمت المهام الامنية  بعد سقوط العصابة الصدامية فقد سارت على نفس النهج الذي ورثته من اساليب صدام ،  تعذيب وحشي غير مبرر، تمثل مؤخرا في فيديو تعذيب الطفل حامد ما يثير عدة تساؤلات، منها هل هذا الفيديو صنع ونشر لحساب جهة معينة لها اهدافا سياسية ؟ أم انه نشر احتجاجا على أساليب التعذيب المعمول بها في اروقة السلطات الامنية والميليشاوية !

بادئ ذي بدء نقول ان هذا العمل المنحط والتعذيب المهين والعبارات البذيئة بحق هذا الطفل مدانة اشد الادانة ، ولا عذر لاي مشارك في هذا العمل الجبان ، وعلى الحكومة والسلطات العسكرية المسؤولة تشكيل محكمة عسكرية واحالة المدانين لها وفق السياقات العسكرية .

ومن الجدير بالذكر الالتفات الى عمق الحدث وكشف الملابسات كاملة في مثل هذه الفيديوهات ، لان من المعمول به القيام باعمال مقصودة تهدف الى الاساءة للقوات العسكرية ومثل هذه الاعمال كانت تقوم بها بعض اجهزة الشرطة العراقية في عهد الجمهورية الاولى ، في زمن الزعيم عبد الكريم قاسم ، فقد كانت  شرطة العهد المباد التي استمرت في مواقعها الامنية بعد الثورة تقوم بالقاء القبض على الوطنيين المؤيدين للثورة وتشبعهم ضربا أمام الناس بحجج واهية لكي تحرض المواطنين على أجهزة الامن والشرطة وتنشر الاستياء بين المواطنين ونجحت في ذلك ، كما كانت الزمر البعثية تقوم باعمال منافية للقانون وتلقي تبعاتها على القوى الوطنية ، وهذا ما اعترف به حسن العلوي الذي كان بعثيا وشهد على قيام البعثيين باتهام الشيوعيين بتمزيق القرآن زورا وبهتانا لكي يشوهوا سمعة الشيوعيين المؤيدين للجمهورية الاولى ، وحققت تلك الممارسات الدنيئة  بعض اهدافها . ومثلها ما حدث في احداث كركوك عام 1959 .

لذلك يجب التحقيق المعمق بهذا الحدث ومعالجة ارتداداته ، وحسنا فعل الكاظمي من اجراءات بحق المتهمين واستقبال الضحية حامد وتوكيل محام للدفاع عن حقوقه .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل