/
/
/
/

لا يختلف اثنان من المؤمنين بالدين الإسلامي حول اولوية النص القرآني كأساس للتعاليم الدينية ، وحول ثبات نصوص القرآن التي قد تقبل التفسير والتأويل ، إلا انها لا تقبل التغيير سواءً بالحرف ، باعتبارها كلام الله المحفوظ في اللوح ،او بالترتيب الذي هي عليه الآن والذي بين يدي المسلمين منذ قرون عديدة.

إلا اننا نلاحظ تأكيد بعض فقهاء الإسلام في الوقت الحاضر على إمكانية تغيير نص الآية من سورة التوبة والتي تقول :

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾

حيث يعتقد فقهاء الجريمة هؤلاء ان عبارة ( فـَــــيــَـــــقـــــتُــــــلـــون )، اي ان المؤمنين هم الذين يقتلون الآخرين ومن ثم من الممكن انهم ســــ ( يُـــــــقــــتَــــــلــــون )

من قِبَل الأعداء الآخرين في المعركة. وهذا الترتيب في فهم هذه الآية دأب عليه المسلمون المؤمنون باعتباره يشكل الجزاء الأُخروي لمن يقاتل في سبيل الدين ويُقتل نتيجة لذلك.

لقد وجد فقهاء الجريمة مخرجاً فقهياً يبرر جرائم مجرمي داعش وطالبان والأخوان على مختلف عصاباتهم وكل مرتكبي جرائم التفجيرات الإنتحارية والمفخخات البشرية من خلال تغييرهم في تحريك مفردتي القاتل والمقتول في الآية ليفسروها على اعتبار انها يمكن ان تُفسَر بما تقتضيه وساءل جهادهم ، التي يسمونها الحديثة .

لقد افتى فقهاء الجريمة هؤلاء بان المؤمن المجاهد في سبيل الإسلام يمكن ان يحقق جهاده بقتل الآخرين حتى وهو ميت ، وهذا هو الأجر العظيم الذي خص به الإسلام المجاهدين في سبيله ، كما يزعمون . اما كيف يتم ذلك فقد شرحوه بما يمكن تغييره من تحريك الكلمتين بتقديم يُــــقـــتَــــلـــون على يـــَـــقــــتِـــلــــون بحيث يصبح نص الآية :

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فـــــيــــُـــقــــتَــــلون ويَـــــقــــتُـــلون  ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾

اي ان المجاهدين ، كما يفسر ذلك فقهاؤهم ، يستطيعون ان ينالوا شرف الجهاد فيقتلون الآخرين حتى وهم اموات ، وهذا بالضبط ما تحققه الهجمات الإنتحارية التي يقوم بها المؤمنون فيقتلون انفسهم ليقتلوا بذلك الآخرين الذين سيموتون او يُعَوقون حتى بعد موت هؤلاء المجاهدين . هذا هو فقه الجريمة الجديد لشذاذ الآفاق ومسلوبي الضمائر الذين لا يرون دينهم إلا من خلال القتل ، غير آبهين بطبيعة ونوعية ضحايا جرائمهم الذين شكل المسلمون غالبيتهم العظمى ، كما تشير سجلات جرائم الأخوان بكل فصائلهم ، وسجلات جرائم داعش وطالبان وبوكو حرام والشباب الإسلامي وغيرها من عصابات القتل والجريمة  تشير الى ذلك بكل وضوح .

إلا ان هؤلاء الفقهاء حينما يدعون اتباع عقولهم المريضة لإرتكاب مثل هذه الجرائم لم يشرحوا لهؤلاء الأتباع كيف ومعنى ان يُقتل المجاهد في القتال الذي يفسرونه في كتبهم على ان الإستشهاد يعني الدفاع عن الدين اثناء هذا القتال ، بالرغم من ان المجاهد لا ينبغي ان يتغاضى عن الدفاع عن نفسه ايضاً لتحقيق الغرض الثاني من هذا القتال والذي يدور حول الغنيمة التي يرجوها المجاهد ، وهزيمة المسلمين في معركة أُحُد تشير الى ذلك بكل وضوح . اي ان المجاهد يحسب حساب القتل من قِبل الأعداء إلا انه يجاهد ايضاً في سبيل ان يبقى حياً ليشترك في معارك اخرى وليأخذ حصته من الغنيمة ، وعلى هذا التراث كانت تُدار الحروب في ذلك الوقت وعلى اساس هذا الفِهم تبلورت مسألة الجهاد . اما ان يقتل الإنسان نفسه في سبيل ان يقتل الآخرين فهذا فقه جديد لم نقرأ عنه مسبقاً ، وما هو إلا ارهاب ولا شيئ غير الإرهاب .

إنه ارهاب الإسلاميين الذي يفخرون به ، باعتباره منصوص عليه ، كما يدَّعون ( ترهبون به عدو الله وعدوكم ـ الأنفال 60 ) والذي إلتَهَم آلاف وآلاف من الضحايا المسلمين ، بحيث اصبح نداء الله أكبر السمة المميزة لهذا الإرهاب حيث ينادي به القاتل والمقتول على حد سواء.

إلا ان فقهاء الجريمة والإرهاب هؤلاء لم يكونوا ليستطيعوا ان يأتوا بمثل هذه التبريرات والتفسيرات الإجرامية إلا من خلال التغيير المتعمد لأقدس مقدسات المسلمين واساس تعاليم دينهم ، فيخالفون نذلك نصوص دينهم التي تؤكد ، وإنا له لحافظون ، ولو لم تكن هناك مؤسسة دينية وسلطة سياسية متهاونتان مع تصرفات دعاة القتل هؤلاء .

تقوم قائمة هؤلاء الفقهاء المتخلفين لمجرد تفسير احد النصوص الدينية بما لا يتفق وتطلعاتهم الهمجية في جميع ميادين الحياة . اما اذا عملوا هم على التلاعب بما يعتبرونه نص الهي لا يجوز المساس به ، فذلك لا يمانع فيه فقههم الذي جعلوه بضاعة تجارية تخضع للعرض والطلب وليس لها اية علاقة بما يدعونه من ورع وتدين . لقد اثبت الإسلاميون من خلال كل سياساتهم وتصرفاتهم المتخلفة ، حيثما كان لهم حكم سياسي او تأثير اجتماعي او قيادة دينية بانهم غرباء عن هذا العصر ، عصر العلم والثقافة المتحضرة والحرية الشخصية في كل انواع واشكال الإنتماءات ، والعراق اليوم على كل ذلك شهيد .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل