/
/
/
/

    ولد الدكتور انغار سولتي، في 14 نيسان 1979، وهو كاتب وعالم اجتماع الماني. عمل كمساعد باحث في جامعة يورك الكندية. وتشمل اهتماماته البحثية الاقتصاد السياسي العالمي، وعلم الاجتماع السياسي، والنظرية السياسية، وعلم الجمال. ومنذ حزيران 2016 يعمل استشاريا لسياسة السلام والأمن في معهد التحليل الاجتماعي في مؤسسة روزا لوكسمبورغ، التابعة لحزب اليسار الألماني. له العديد من المؤلفات والبحوث في مجالات اهتماماته المختلفة.

انتم يامن تجعلون  صورة إيليتش ثابتة

عشرون مترا في قصر النقابات،

لا تنسوا ثقب حذائه أيضا

ذلك الذي شهده الكثيرون، شارة الفقر

يتهادى الى سمعي، انه يشير الى الغرب

حيث يعيش الكثيرون، الذين يعرفون من حذائه ان إيليتش

واحد منهم

)برتولت بريشت(

1 – لينين من تمثال مقدس الى قبعة قديمة

  لم يؤثر أحد على تاريخ العالم كما فعل فلاديمير إيليتش أوليانوف، المعروف بلينين. يمكن ان ينافس لينين على هذا اللقب فقط ماركس، لوثر، محمد. لقد كرّس لينين حياته كلها للثورة، للثورة العالمية. وفي النهاية، لم تصبح ثورة عالمية، لكن ثورة أكتوبر، التي أعتقد أنها ثورة عالمية، باعتبارها اتحادا صريحا وغير قومي للجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، سرعان ما غطت سدس العالم وألهمت - مرة بنجاح، واخرى بفشل ـ الاحداث الثورية في جميع أنحاء العالم.

  لم يتنبأ لينين بمصيرها. كتب في عام "ثورة أكتوبر"، التي خططت كمشروع عالمي: "كان الثوار العظماء يضطهدون باستمرار من قبل الطبقات القمعية خلال حياتهم، والتي تحارب تعاليمهم بغضب شديد وكراهية غاضبة، وتشن ضدهم حملات بأكاذيب وافتراءات منفلتة. وبعد وفاتهم، تحاول تحويلهم إلى أصنام غير مؤذية، وتقديسهم، إذا جاز التعبير، وتعطي اسماءهم شهرة معينة لـ "الراحة'' وخداع الطبقات المظلومة، وحرمانها من محتوى مذهبها الثوري، وكسر قمتها الثورية، وابتذالها (...) "(لينين الاعمال الكاملة، مجلد 25: ص 397). ما كتبه لينين ينطبق بلا شك على مارتن لوثر كينغ، ونيلسون مانديلا وربما ماركس وتشي جيفارا، وربما أيضا على الطريقة التي جرى التعامل بها معه ومع اعماله في ظل اشتراكية الدولة، لكنه بالتأكيد لا ينطبق عندما يتعلق الأمر بالفهم والتوصيف السائدين لمنظر الثورة وممارسها. يوصم اسم لينين اليوم في كتابة تاريخ البرجوازية وجزئياً اليسارية ايضا بالإرهاب أو الفشل.

    بلا شك عدّ لينين لفترة طويلة مقدسا. لقد كان اسمه بالنسبة لأتباعه في جميع انحاء العالم، وخاصة في جنوب العالم، رمزا للاستقلال عن الاستعمار والاستغلال الإمبريالي والتطور اللاحق. وحتى قبل خمسة عقود، كانت كلمات لينين، أو بالأحرى تفسيرات كلماته خارج سياقها، قانونا بالنسبة للأحزاب الشيوعية الجماهيرية في الغرب والشرق. ومع انهيار اشتراكية الدولة، اهتزت الماركسية - اللينينية كعقيدة. وفي اليسار الماركسي في الغرب اختفت ليس الماركسية - اللينينية، بل لينين كمفكر. قرأت اعمال لينين في السابق بوصفها وحيا، ولكنها لم تعد تقرأ، بعد الآن اطلاقا. وحتى في روسيا يعتد اليوم بستالين اكثر من لينين، بسبب التجربة مع بوريس يلسين، وضعفه في السياسة العالمية، وبيعه الممتلكات العامة، وارتباطا بانتشار الشعور بحصار غربي، يكرم القائد والمنتصر في "الحرب الوطنية العظمى"، ولكن يخشى من نبي الثورة والإطاحة بالنظام. ان هناك أسبابا وجيهة ليست في صالح الماركسية اللينينية، وطريقتها في حماية الاتحاد السوفييتي، وفقدان استقلالية الحركات الاشتراكية الثورية في الغرب، وما يرتبط بذلك من ابتذال للماركسية: كل مفكر عرضة للخطأ. كل مفكر تاريخي أيضا. لقد بقي عمل ماركس نفسه غير مكتمل. ومنذ ما يقرب من 150 عاما، ظل المنظرون الماركسيون، بدءا من إنجلز ولينين، يحاولون استكمال نواقصه - مثل النظرية الماركسية للدولة والأسواق العالمية. كانت نظرية لينين حول الإمبريالية واحدة من هذه المحاولات في نقاش حي، ساهم فيه كاوتسكي، هيلفردنغ، لوكسمبورغ، بوخارين، وغيرهم الكثير. وفي الوقت نفسه يجب على الذين ما زالوا يرون أن منهج ماركس وتحليله لأسلوب الإنتاج الرأسمالي "في متوسطه المثالي" صحيح، يجب أن يطبقوها دائما، بشكل جديد، على الرأسمالية في ظروفها التاريخية الملموسة.

لينين، الذي رأى في نفسه مدافعا عن اعمال ماركس ضد التحريفية، هو ايضا منظّر في سياق موقعه التاريخي، ولم يكن ستالين فقط، بل ساهم هو ايضا في تكلس (تحجر) الفكر الثوري لكارل ماركس، على الرغم من تسمية "المصادر الثلاث للماركسية" بشكل صحيح - الفلسفة الألمانية والاشتراكية الفرنسية والاقتصاد السياسي الإنجليزي ـ يمكن ان تكون جملته ان "تعاليم ماركس كلية القدرة لأنها صحيحة"، (الأعمال الكاملة، المجد 19 ، ص3) ** قد تسببت بضرر كبير للتفكير الثوري لكارل ماركس، لانها حولت المنهج الماركسي الحي إلى ما يشبه عقيدة عصور ما قبل التاريخ - "مغلق ومتناغم" (المرجع نفسه).*    بعد انشقاق الحركة العمالية التاريخية بعد الحرب العالمية الأولى، وثورة أكتوبر المنتصرة عام 1917 وفشل الثورة في الغرب (1918 - 1923)، حارب التيار الاصلاحي التقليدي في الديمقراطية الاجتماعية لينين بحزم. وحتى داخل الأحزاب الشيوعية، حفظت الشيوعية الأوربية، بشكل وبآخر، لينين كملف سابق: فلسفة لينين في "المادية ومذهب النقد التجريبي" صعبة الهضم وعفا عليها الزمن. نظرية الحزب عند لينين؟ استبدادية وجامدة. نظرية لينين بشأن الدولة؟ مثالية. نظرية لينين حول الإمبريالية؟ خطأ، لأن الرأسمالية ليست فاسدة وتتداعى بالضرورة، لكن - من خلال "الاستيلاء الداخلي على الأرض" كما هو الحال في "الصفقة الجديدة" و"التراكم من خلال المصادرة" (ديفيد هارفي) - قابلة للتكيف وقابلة للإصلاح. ومع تركز الاحتكار وتصدير رأس المال وكذلك تصاعد المنافسة بين الإمبرياليين عشية الحرب العالمية، ربما كان وصف عصر هذه المنافسة بـ"عصر الإمبراطورية" (ارك هوبسباوم)، ولكن لم يعد التوصيف كافيا بالنسبة للرأسمالية العالمية اليوم؛ حيث حلت البرجوازية فوق القومية محل البرجوازية المحلية. وبدلا من ذلك تصح اليوم موضوعة كاوتسكي عن الإمبريالية المتطرفة، أي قمع واستغلال شمال العالم بشكل مشترك لجنوبه.    ونستمر: نظرية لينين للثورة؟ غير قابلة للتطبيق في الغرب، لأن هيمنة الطبقة الرأسمالية ترتكز في المجتمع المدني، لذلك لا يمكن للمرء ببساطة اقتحام "قصر الشتاء" اليوم للفوز بالسلطة. لذلك حل  غرامشي كمنظّر لفشل الثورة في  الغرب، محل لينين، كأهم منظر سياسي للماركسية. وفي الختام: إرث لينين السياسي؟ الاتحاد السوفييتي باعتباره تجربة ضائعة وديكتاتورية معصرنة فاشلة. لقد مهد الى الستالينية، لانه حل الجمعية التأسيسية، وفتح الطريق لتمييز الستالينية القاتل والمؤثر بين اليسار  واليمين...الخ.   وبناء على ذلك، تم ابراز  لوكسمبورغ - غرامشي" (بيتر فايس) في مواجهة لينين، لانهما يمثلان تقاليد اشتراكية ديمقراطية و"ماركسية غربية" لم تتأثر برعب الستالينية. وغالبا ما يتم الاستشهاد بكتاب لوكسمبورغ "الثورة الروسية"، التي توقعت فيه اتجاهات الركود في اشتراكية الدولة وعرضت فيه إنسانيتها العامة، لوضعها في تضاد مع ثورة أكتوبر. ومن ناحية أخرى، يجري وضع غرامشي باعتباره منظر التحول، في مواجهة لينين منظر الثورة.    وإذا ألقينا نظرة فاحصة، فإن الأمر يصبح معقدا: لوكسمبورغ تريد الثورة العنيفة التي حاول كارل ليبكنخت تنفيذها، اذا كان انتصارها ممكنا . لقد اختلفا في كانون الثاني 1919 على التكتيكات، وكلاهما دفع حياته ثمنا لروحه الثورية. وعلى نفس الشاكلة عدّ غرامشي مضادا الى لينين، لكنه كان - كما أشار بيري أندرسون ودومينيكو لوسوردو مؤرخان ماركيسيان (المترجم) – شديد الاعجاب بالثوري الشرقي. لذا يجدر إلقاء نظرة عن كثب وتجنب الأضداد الخاطئة. إن لوكسمبورغ وغرامشي ليسا صهرين مناسبين للماركسيين!

2 - صحيح لينين

  بلا شك ان بعض التقييمات المذكورة اعلاه للينين، بما في ذلك نظريته حول الإمبريالية، صحيحة. ومع ذلك فان لينين جدير بالقراءة. ليس لان الاسئلة التي اثارها تتمتع براهنية شديدة فقط، بل لان الاجوبة التي طورها لينين تشكل اليوم معينا لنا. ان قراءة اعمال لينين على طريقة تفسير الانجيل خطأ. ولكن عدم قراءتها اكثر من خطأ، انه الغباء بعينه.    لقد كان لينين في الكثير من تقديراته على حق: الرؤية بأن سياسة النوافذ الصغيرة غير الرأسمالية مثل التعاونيات والكومونات الريفية وحدها ليست وسيلة للتغلب على الرأسمالية، كما أنها لا تحميك من الكوارث الكبرى مثل الحرب أو كارثة المناخ الحالية، بل - وعلى عكس ما يقترحه اليوم الأفقيون والفوضويون الجدد مثل جون هولواي (استاذ علوم سياسية ايرلندي – المترجم) ـ لا يمكن تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة صحيح***.

وصحيح القول ايضا: ان الفوضوية واليسار المتطرف ظاهرة مرتبطة قبل كل شيء بـ"الطبقة الوسطى" والبرجوازية الصغيرة القديمة والجديدة، والتي كانت وما زالت "فردية برجوازية مقلوبة" تعبيرا جزئيا عن موقعها الطبقي (الأعمال الكاملة، المجلد 5 صفحة 334 ).    يجب ان يتبنى العمال السياسة المناهضة للرأسمالية، بصفتهم الطبقة المستغَلة، والتي ارتباطا بوضعها الطبقي تمتلك مصلحة موضوعية، وتمتلك بمساعدة الاضراب ايضا الأهلية لمناهضة الرأسمالية ومن اجل الاشتراكية.   إن الرؤية القائلة بأن السياسة المعادية للرأسمالية لا يمكن أن تكون أفقية، وتعمل "كحركة الحركات" (توم ميرتس) بل تحتاج إلى حزب صحيح، والذي يريد رفض ذلك، سيرى أنه، حتى التظاهرات التي شارك فيها مئات الآلاف بعد عام 2011، لم تضر بسياسات التقشف في بلدان جنوب أوروبا. لقد تعلم المرء الدرس وأسس أو أجبر على تأسيس مشاريع حكومة يسارية جديدة (احزاب مثل حزب بودوموس في اسبانيا، وحزب سيريزا في اليونان)، في حين حلت مشاريع كوربن وساندرز محل الانغلاق اليساري في بريطانيا العظمى والولايات المتحدة على التوالي.

 إنه لصحيح القول ايضا بأن سياسة معادية للرأسمالية، وفي مصلحة الجماهير العاملة لا يمكن أن تكون نقابية بحتة، بل تحتاج أيضا إلى جانب هذا "الدرع"، لسيف حزب (ثوري)، حيث "يظهر تاريخ جميع البلدان أنه يمكن للطبقة العاملة بمفردها  أن تخلق الوعي النقابي فقط؛ وهذا يعني القناعة بالحاجة إلى توحيد القوى للنضال ضد الشركات، وانتزاع القوانين الضرورية للعمال من هذه الحكومة او تلك" (المجلد 5 ، ص 385 وما يتبعها). بدون حزب يعتمد نظرية "موّلد للحس"، لا تؤدي النضالات في سياق التناقض الرأسمالي - العمالي تلقائيا، إلى موقف اشتراكي، إلخ. وبدلاً من ذلك، يمكن أن تزدهر الشراكة الاجتماعية و"تحالفات المصانع من اجل العمل" وسياسة الامتيازات في اطار المنافسة بين الشركات. ويمكن أن تزدهر شراكة الأزمات. ويمكن أيضًا أن تنشأ طبقة عاملة مجزأة "التضامن الحصري" (كلاوس دووره – عالم اجتماع الماني - المترجم) بين عمال الشركة الأساسيين وعمال العقود، والعاملين بالإعارة، والتناقضات الزائفة بين قطاع الصناعة وقطاع الخدمات والأجور المرتفعة للذكور والاجور المتدنية للإناث، والقطاعين العام والخاص، والعمل الذهني والعمل اليدوي، إلخ. تتمثل مهمة الحزب في العمل كحزب، وفي النقابات عبر التأثير في وضع سياسة للطبقة بأكملها: سياسة طبقية موحدة؛ بحيث لا يفرض ضيق الأفق ومصالح المجموعة المهنية. من دون ذلك، "يمكن لرأس المال تفكيك الطبقة العاملة قطاعا قطاعا"، كما يقول ليو بانج (اكاديمي ماركسي كندي).

  وانه لصحيح كذلك الاستنتاج الذي توصل إليه لينين عام 1917 بأن الديمقراطية البرجوازية هي "أفضل سلاح سياسي يمكن تصوره للرأسمالية"، لأن "السلطة المطلقة" للثروة "أكثر أمنا" لأنها "لا تعتمد على أوجه القصور الفردية في الآلية السياسية (...)"، ولهذا السبب "لا تغيير، لا في الاشخاص، ولا في مؤسسات ولا في أحزاب الجمهورية البرجوازية الديمقراطية، يمكن أن تهز هذه السلطة (...) (المجلد 25 ، صـ 405). وصحيح أيضا أن الرأسمالية ظلت دائما متوافقة مع أشكال الحكم الاستبدادية والفاشية.

وبالتالي، فان الاستنتاج بأن الدولة الرأسمالية البرجوازية ليست أداة محايدة يمكن للحركة الاشتراكية استخدامها ببساطة، لمصلحة الطبقات العاملة من خلال الفوز بالأغلبية، صحيح. فالدولة في الرأسمالية هي تحديدا دولة رأسمالية. ان الرأي القائل ان التطرف اليساري والفوضوية من جانب، والانتخابات البرلمانية والاصلاحية الضيقة يخدمان بعضهما البعض؛ حيث "ان الفوضوية غالبا ما تكون عقابا على الخطايا الانتهازية للحركة العمالية" (المجلد 31 ، صـ 17 ) وفشلها السياسي، كان ولا يزال صحيحا.

كما انها صحيحة: الفكرة القائلة بأن "المشاركة القوية لفئة" الأكاديميين "في الحركة الاشتراكية" تعزز التحريفية، والـElectoralism  )الانتخابات معروفة النتائج مسبقا)، ومشارب التفكير البرجوازية الأخرى في الحركة العمالية، (المجلد 5، ص 366 ). ولكن ذلك خارج نطاق الفوضوية النقابية "انصار الحركة العمالية الصافية" (المجلد 5، صـ393) – ان مثقفي البرجوازية الذين يخونون طبقتهم، ويتحولون الى صف الاشتراكية مثل ماركس وانجلس، يتمتعون بالتأكيد باهمية كبيرة، (لانهم فقط) يضمنون علمية الاشتراكية.

 ان المطالبة بوحدة النضال الاقتصادي (من أجل أجور أعلى، وظروف عمل أفضل، وتشريعات لصالح العمال، وتحسينات يومية أخرى...الخ)، والنضال السياسي (من أجل هدف بعيد، لتحقيق اشتراكية مبررة علمياً) والنضال النظري (صياغة نظرية ثورية لحزب ثوري)، كلها صحيحة. لقد برر لينين اهمية الحزب بان "الدور النضالي الرائد لا يمكن تحقيقه إلا بواسطة حزب يمتلك نظرية متطورة" (المجلد 5، صـ 380 ).

 ان الموضوعة القائلة إن السياسة الثورية ملموسة وتتعامل مع الظرف الملموس صحيحة، وبالتالي يجب على الثوري أن ينتمي الى الجناح اليساري في الحركة العمالية المنظمة و"من الضروري تعلم العمل العلني في أكثر البرلمانات رجعية، وفيما هو الأكثر رجعية بين النقابات والمنظمات التعاونية ومنظمات التأمين وما شاكلها" (المجد 31 ، ص 13). والحزب الثوري لا يستطيع ولا يجب أن يقاطع الانتخابات والبرلمانات. "وخلافا للفوضويين" كما يقول لينين "يعترف الماركسيون بالنضال من اجل الإصلاحات، اي  تحسينات في اوضاع الشغيلة، عندما لا تزال السلطة بيد الطبقة السائدة (...)" (المجلد 19، ص 363 ).

وان الثورة هاجرت من الغرب إلى الشرق، وستحدث نتيجة لتحالف الطبقة العاملة والفلاحين في البلدان الرأسمالية الأقل تطورا، وأن الثورات ستندلع هناك، حيث تكون مساحة التوزيع بالنسبة للحكام، اضيق مما هو عليه في الرأسمالية المطورة. كان القرن العشرون زمن ثورات بلدان الاطراف، ومن نواح كثيرة كانت الثورات الاشتراكية الناجحة - الصينية في عام 1949، والكوبية في عام 1959، وتشيلي في 1970 وما بعدها، والنيكاراغوية 1979- ثورات البروليتارية الزراعية.

    انها لصحيحة ايضا موضوعة لينين حول هيمنة تحالف الطبقة العاملة مع الطبقات غير المتناقضة مثل شغيلة الفلاحين "ضد الأقلية الصغيرة المتلاشية من مالكي العبيد المعاصرين" (المجد 25،415). وهذا يعني أيضاً استغلال أي تصدعات في وحدة البرجوازية المحلية والعالمية، ولكن ليس كنقد بيري اندرسون (استاذ التاريخ وعلم الاجتماع) المشوه لغرامشي في كتابه "غرامشي: اشادة نقدية"، بشان التحالف مع كتل البرجوزية "التقدمية".

    إن الحرب العالمية الأولى، التي كلفت  17 مليون ضحية، كانت أول "حرب إمبريالية مفترسة" والتي لم يكن فيها  للطبقات العاملة في العالم ما تربحه. ولهذا السبب حتى "أصغر التنازلات" للدفاع الثوري عن الوطن ستكون "غير مقبولة" (مجلد 24 ، 3).

ان انتقاد سياسة قلعة السلام (تجميد الصراعات السياسية والاجتماعية مع القيصر- المترجم) للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، والتي ـ مثلها إدوارد ديفيد في كتابه "الديمقراطية الاجتماعية في الحرب العالمية" (1915) - كانت تأمل بصراحة تامة، التخلص من " اللاوطنيين" (في اسقاط مسيء لما ورد في البيان الشيوعي "ليس للعمال وطن" – المترجم)، وذلك من خلال دعمهم الحرب في المصانع والبرلمان وإقرار الحق العام في التصويت والفوز بتنازلات اجتماعية؟ صحيح. ان سياسة سلام القلعة لم تؤد الى تحقيق الاشتراكية البرلمانية، بل كانت خيانة للثورة. ولم تأت الحرب ولم تفض الى الإصلاح الاجتماعي، بل ان القتل الجماعي وضع الحجر الأساس لعمليات القتل الجماعي المستقبلية و"الإرهاب الأبيض" في "عصر الكارثة" (إريك هوبسباوم) الذي أعقب ذلك.

والرأي القائل بان "ثورة شباط" البرجوازية في روسيا، ليس لها قاعدة اجتماعية وسياسية، ولهذا فهي توفر فرصة لثورة اشتراكية، هو رأي صحيح.

وكذلك القول بان المجالس - التي اسست خلال ثورة 1905 ـ وسيطرت على المصانع والأراضي هي المبدأ الأكثر ديمقراطية من حكم النخبة الليبرالية في البرلمانية التمثيلية.

    ونفس الشيء بالنسبة الرؤية القائلة بأن "سؤالين (...) كان لهما الأولوية على جميع الأسئلة السياسية الأخرى" في عام 1917: "مسألة الخبز - ومسألة السلام!" (المجلد 26، صـ 387 ) وأن تحميل الشراع  الثوري هذين المطلبين وجعل الادارة الذاتية للعمال هدفا، سيؤدي إلى النجاح.

    كما انها صحيحة، تلك الحجة في مواجهة اليسار المتطرف، التي ادعت، ان تنفيذ الارادة الساحقة للسلام، تجعل اتفاقية سلام أحادية الجانب مع التنازل عن مساحة من الأرض مقبولة (صلح بريست ليتوفسك).

ما تضمنته موضوعات نيسان ("بشان مهام البروليتاريا في الثورة الراهنة" نيسان 1917 )، أن كل ثورة ناجحة تبدأ بالسيطرة على القطاع المالي والقيادة والسيطرة الصناعية والقيام بإصلاح الأراضي، صحيح.

انها صحيحة ايضا الموضوعة القائلة إن "الإطاحة بحكم الطبقة المستغِلة" لن تتم "عبر خضوع الأقلية  السلمية للأكثرية التي أصبحت واعية لمهامها" (مجلد 25، ص 415)، بل ان البرجوازية المحلية ستستخدم كل موارد السلطة المتوفرة تحت تصرفها، لكي لا تفقد ملكيتها الخاصة لوسائل الإنتاج كأساس لسلطتها الاجتماعية، وأنها وكما حدث خلال كومونة باريس، والآن بعد عام 1917، ستحصل على دعم البرجوازية الأجنبية ودولها وأجهزتها العسكرية، وهذا هو السبب في أن الثوريين الاشتراكيين "في مسألة إلغاء الدولة كهدف (...) لا يختلفون بأي حال عن الفوضويين"، ولكن يجب أن نفترض أنه "من أجل تحقيق هذا الهدف، قد يكون من الضروري استغلال اجهزة ووسائل وأساليب سلطة الدولة ضد المستغلين" (المجلد 25، ص449).

    لقد اعترفت "السياسة الاقتصادية الجديدة" التي وضعها لينين (وتروتسكي) بأن روسيا في شيوعية الحرب، لم تنضّج بعد للزراعة الجماعية. ولهذا وبعد دمار الحرب الأهلية، ولتأمين الإمدادات مؤقتا، وبالضد من مقاومة قوية داخل الحزب، تم في مثل هذا الوضع، وبشكل مؤقت، العودة الى استخدام  عناصر اقتصاد السوق مثل الملكية الخاصة والربحية. وكان ذلك الاجراء صحيحا.

    وكذلك صحيح الاستنتاج القائل بان نجاح الثورة في روسيا المتخلفة، يبقى معتمدا على انتصار الثورة في البلدان الرأسمالية المتطورة في الغرب.

إدراك أن الثورة في الغرب عام 1923 قد فشلت نهائيا - وبعد عام ـ تحذير لينين من على فراش موته من السيئ  ستالين، الذي سيعلن ويحاول بناء "الاشتراكية في بلد واحد"، كان ذلك صحيحا.

3 - لينين بدلا من اللينينية

    في الواقع، ان اليساريين الجذريين الذين يشاركون لينين اليوم وجهات نظره ليسوا قليلين. لذا فان المفارقة تبقى: لا احد يقرأ لينين، ولكن وفي ضوء الرؤى التي ذكرناها في أعلاه:  هل الجميع  لينينيون؟ من المهم التمييز بين لينين واللينينية، وتحرير تفكير لينين من الجمود. لقد عبّر لينين نفسه عن هذا الاستنتاج. وكان من الواضح بالنسبة له: "يجب تحديد مهام سياسية ملموسة في وضع ملموس (...). لا توجد حقيقة مجردة. الحقيقة دائما ملموسة"(المجلد 9، ص 76 ). ما يبدو صحيحا في لحظة تاريخية قد يكون خاطئا في اخرى. كانت هذه أطروحة كاوتسكي الخاطئة عن الإمبريالية المتطرفة، التي نُشرت قبل فترة وجيزة من الحرب العالمية الأولى. ولكن حتى لو كان الصراع الأمريكي - الصيني المتصاعد، فإن الخلافات في اطار التحالف الإمبراطوري عبر الأطلسي والركود الكبير الجديد، جعلت التنافسات الإمبراطورية المؤقتة ملحوظة مرة أخرى اليوم، فإن أطروحة كاوتسكي الأساسية تتوافق بشكل وثيق مع الإمبريالية الجديدة اليوم، أكثر من تلك التي طرحها لينين. "هناك تنازلات وتنازلات" (المجلد 31، ص 22)، وحذر منظّر الثورة، وشدد على أن النظرية الثورية تجمع دائما بين التحليل المادي التاريخي للظروف الملموسة والتفكير الجدلي المرتبط بالظرف. إن النظرية الثورية تعني وحدة الظرف الموضوعي والتعامل الذاتي بذات المعنى. "القدرة والفن على خوض النضال السياسي" (المجلد 31، ص 12) يعني تقييم اللحظة التاريخية بشكل صحيح، ومعرفة ما يمكن فعله ذاتيا في وضع موضوعي، لاستكشاف القدرة على التعامل في الهياكل المنظمة. "يجب على المرء تحديد المهام السياسية الملموسة في الظرف الملموس" (المجلد 9 ، ص 75). فكّر لينين في "الهيكل" و"الواسطة" قبل وقت طويل من أن يصبح ذلك نقاشا أكاديميا قديما – واضعا امام عينه باستمرار هدفا واحدا: هو الثورة.

   أشاد غرامشي بلينين، لكون ثورته كانت "ثورة ضد رأس المال" – ضد كتاب "رأس المال" بقلم كارل ماركس (أنطونيو غرامشي: فلسفة الممارسة، فرانكفورت على الماين (1967: 24) اكتسب لينين النظرة الثاقبة في الجدلية العامة بين الحرب والثورة في ثورة 1905 الروسية التي أعقبت هزيمة القيصر في الحرب ضد اليابان. كلاهما مترابطان؛ بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت هناك موجة من ثورات اجتماعية ومعادية للاستعمار. ما كان بالإمكان منع الحرب الإمبريالية العالمية، لكن أزمة الحرب ـ القحط الشتوي، متاعب الحرب - يمكن استخدامها كفرصة لثورة اشتراكية، "تحول الحرب الإمبريالية بين الشعوب إلى حرب أهلية [ثورية] (...)، حرب الطبقات المضطهَدة ضد مضطهديها"(المجلد 21، ص350 وما يتبعها). افترض لينين خطأً أن الرأسمالية كانت متعفنة، لكنه انتقد بشدة نظريات الانهيار الاقتصادي وسياسة التردد والترقب الانتهازية التي تبنتها الأممية الثانية. الرأسمالية لا تنهار من تلقاء نفسها: "كل صراع طبقي"، يقول لينين في نصه بمناسبة وفاة فريدريش إنجلز، "صراع سياسي".(المجلد 2، ص 6). غالبا ما يقتبس تعريف لينين لـ"الوضع الثوري" التوصيف "إذا لم يعد بإمكان الاعلى فعل شيء، ولا يريد الأسفل استمرار ما هو قائم". هذا الاقتباس وكذلك الاقتباس عن "السلسلة الإمبريالية" التي "تنكسر في أضعف حلقاتها"، كلاهما منسوب إلى لينين، لكن لم يتم نشرهما مطلقا بهذه الصيغة. والاخير نُسب الى لينين من قبل ستالين فقط (الاعمال الكاملة لستالين، المجلد 12 ، ص 122). ما نجده عند لينين، ما كتبه في ايار 1913 :"ان القمع وحده، وبأي حجم يمكن ان يكون، لا يخلق دوما وضعا ثوريا في البلاد. وغالبا ما يكون غير كاف للثورة، ان الفئات الدينا لا تريد العيش كالسابق. وان المطلوب بالاضافة الى ذلك، هو ان الفئات العليا لا تستطيع ادارة الاقتصاد والحكم كالسابق (...) ان الازمة السياسية تنضج وتكون مرئية للجميع" (المجلد 19 ، ص 212 ). خلال الازمة المالية العالمية، جرى الاستشهاد مرارا وتكرارا بتعريف غرامشي لـ„Interregnum، الذي يشير الى وضع تاريخي مفتوح، ومرحلة انتقالية تنطوي على مخاطر، ولكن ايضا فرص. ولكن نادرا ما يشار الى مدى قرب تعريف غرامشي وتعريف لينين للأزمة السياسية.

بعد سبع سنوات، وعلى خلفية الثورة المنتصرة، يوضح لينين افكاره: "لا يكفي للثورة أن تدرك الجماهير المستغَلة والمضطهَدة استحالة العيش بالطريقة القديمة والمطالبة بالتغيير؛ من الضروري بالنسبة للثورة، ألا يتمكن المستغِلون من العيش والحكم بالطريقة القديمة. فقط عندما لم تعد "الطبقات الدنيا" تريد القديم و"الطبقات العليا" لم يعد بإمكانها الاستمرار بالقديم، عندها فقط يمكن للثورة أن تنتصر(...). إن الثورة مستحيلة بدون أزمة وطنية شاملة (مستغِلون ومستغَلوُن) (المجلد 31، ص 71). إن الشرعية والتمثيل والأزمات السياسية، ليست كافية للثورة. يشمل ذلك ايضا التقييم الصحيح للوضع والتنظيم الصحيح. يقول لينين: "من ضرورات الثورة: أولاً، أن غالبية العمال (أو على الأقل غالبية العمال الذين يملكون وعيا طبقيا، والناشطين سياسياً) والذين يفهمون تماما ضرورة الانقلاب، ويكونون مستعدين للموت من اجله؛ ثانيا، أن الطبقات الحاكمة تمر بأزمة حكومية تجذب حتى أكثر الجماهير تخلفا إلى السياسة (سمة أي ثورة حقيقية هي الزيادة السريعة بعشرات الأضعاف، بل بمئات الاضعاف من ممثلي الشغيلة والجماهير المستغَلة القادرة على النضال السياسي، والتي كانت حتى ذلك الحين غير مبالية)، ما يجعل الحكومة ضعيفة، ويمكّن الثوريين من الإطاحة  السريعة بهذه الحكومة" (المجلد 31، ص 71 وما بعدها). لا يثق لينين - جزئيا، وعلى العكس من لوكسمبورغ – بالانتفاضات العفوية للجماهير، أو بحث الربط بينها وبين سلطة المنظمة القوية. في عام 1902 اعلن لينين في "ما العمل": "أعطونا منظمة من الثوريين وسنقلب روسيا رأسا على عقب!" (المجلد 5، ص 483). يقول لينين "ويكمن فن السياسة بأكمله في إيجاد الحلقة الأكثر أهمية في لحظة معينة، والإمساك بها بقبضة صلبة وراسخة، تلك الحلقة التي تضمن لنا أكثر من أي حلقة أخرى التحكم في السلسلة ككل" (المجلد 5، ص521 وما بعدها).

    وفي هذه الاثناء فشلت الثورة في الغرب، ومما لا شك فيه مع وجود التنظيم أيضا: فشلت ثورة 1918/1919 في ألمانيا بسبب عدم وجود حزب ثوري. لقد بالغ المؤرخون البرجوازيون والديمقراطيون الاجتماعيون والشيوعيون في أهمية عصبة سبارتاكوس. في الإضرابات العامة في كانون الثاني وآذار 1919، أرادت الجماهير الدفاع عن ثورتهم ضد الثورة المضادة التي ارتبطت بالحكومة الديمقراطية الاجتماعية منذ تحالف فردرش  إيبرت (رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي) مع الجنرال فلهيم غرونر (قائد قوات النخبة في الجيش)، ولكنهم افتقروا إلى التنظيم. لقد كان عمر الحزب الشيوعي في المانيا أربعة أيام فقط، عندما بدأ الإضراب العام في كانون الثاني، وتم سحقه بشكل دموي وتصفية روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنشت. وحتى بعد ذلك، فشلت جمهوريات المجالس والانتفاضات السوفيتية وحكومة التحالف الأحمر – الأحمر.

    جادل غرامشي، منظّر فشل الثورة في الغرب: لقد كانت الثورة في روسيا المتخلفة، ممكنة كحرب حركة، لكن في الرأسمالية المتقدمة هناك حاجة اساسية إلى حرب مواقع. اليوم يجري الحديث عن التحول بدلا من الثورة، ما يعني تأسيس جهاز دولة غير رأسمالي، حول دولة رأسمالية. يعتبر البعض التحول مهجا إصلاحيا وسياسة تطورية. فهل لينين منظّر الثورة، وغرامشي منظّر التحول؟ ليس بالضرورة، ويمكن القول أيضا: لينين هو منظر للثورة في بلدان الاطراف، وغرامشي هو منظر للثورة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وطالما أن غرامشي لا يُحصر في السياسة الانتخابية، لكن  هدفه هو بناء سلطة طبقية مضادة.

    ولأن المسألة التي ميزت النظرة النقدية لنظرية الدولة من روبرت ميشيلز (عالم اجتماع وسياسة الماني ايطالي، انتقل من اليسار الاشتراكي الى الديمقراطية الاجتماعية، ثم إلى النظرة النقابية وصولا الى الفاشية الايطالية - المترجم) إلى رالف ميليباند (مختص ماركسي بريطاني في قضايا الدولة – المترجم) ـ "لماذا لا تفعل الاحزاب اليسارية في الواقع (دائما تقريبا) ما قامت من اجله - يبقى السؤال الاستراتيجي الحاسم؟ و: كيف يمكن للقوى اليسارية ـ مثل حكومة ولاية برلين اليسارية وتجميد  سقف الايجارات - ألا تفقد جذريتها داخل الحكومة، بل على العكس، تتعمق جذريتها وما هو الدور الذي تلعبه الحركات السياسية اليسارية الجذرية مثل حركة (مصادرة المساكن الألمانية وما شابه ذلك)؟".

4 – حدود لينين

   لكن إذا كان لينين قد ادرك الكثير بشكل صحيح، فما هو الخطأ في اللينينية؟ حسنا، لقد اخطأ لينين أيضا، أو طرح السؤال الصحيح، لكنه إما أعطى إجابة خاطئة أو أن الإجابة الصحيحة في الماضي، هي اليوم  إجابة خاطئة. وهناك أيضا أسئلة مختلفة تماما وجديدة. وإذا كنت ترغب في فهم الرأسمالية وكيف تعمل وتريد التغلب عليها، يمكنك تعلم الكثير من لينين - وكذلك من لوكسمبورغ وكاوتسكي وأيضا من إدوارد برنشتاين. ومن ناحية أخرى، فإن الجمود الفكري يصيبك بالعمى ازاء النظرية والممارسة الصحيحة.

لذلك ينبغي ذكر بعض الجوانب الملموسة في الخطأ وعدم الدقة والتناقضات والأسئلة التي بقيت بدون اجابات.

اولا: أراد لينين الثورة، ولكن في ظل ظروف التطور الرأسمالي - البرجوازي الذي كانت الطبقة العاملة فيه لا تزال أقلية. حتى خمسينيات القرن العشرين، لم يكن المجتمع البرجوازي حضريا بل ريفي، كانت غالبية سكان الريف، البروليتاريا الريفية أكثر عددا من البروليتاريا الصناعية، ولم يكن لدى الأولى، الا القليل جدا لتقديمه للحركة العمالية خلال فترة طويلة، من ناحية اخرى مُنح الفلاحون الصغار توصيف بروليتاريا المستقبل. وجرى انكار، بما في ذلك لينين، القدرة التنافسية الطويلة نسبيا لملكية الاراضي الصغيرة، لان المرء لم يكن مخطئا، عندما رأى في المسألة الزراعية، كما طرحها جورج فون فولمار وإدوارد ديفيد ورودولف ماير وأوتو براون لاحقا، طليعة التحريفية كما رآها برنشتابن. (ساسة في الحزب الديمقراطي الاجتماعي ـ جمهورية فايمر - المترجم). لقد كان الثمن السياسي باهضا: لم يكن عدد كاسري الاضراب في المدن الصناعية، من فقراء الريف قليلا، والأسوأ من ذلك اصحاب القمصان الرمادية الفاشيين، الذين هاجموا اخوتهم الطبقيين. غرامشي سمى ذلك "قضية جنوب ايطاليا".

    على أية حال، لم تشكل البروليتاريا الصناعية الأغلبية، حتى في الغرب الرأسمالي المتقدم، ودفع التعريف الضيّق لـ"الطبقة العاملة" على أنها بروليتاريا صناعية، بـ"نيكوس بولانتزاس" (استاذ علوم سياسية يوناني ـ فرنسي - المترجم) بولوج طريق الاصلاحية، وفقا لنقد إلين ميكسينز وود (مؤرخة ماركسية امريكية - المترجم) في "التراجع عن الطبقي". وفي هذا السياق كان لينين يعرف جيدا ما هي أفضل الظروف، ربما ليست للثورة، وانما لبناء الاشتراكية. ووفق لينين، فإن إحدى الاستنتاجات الأكثر ثورية لماركس وإنجلز هي: "كلما زاد عدد البروليتاريين، زادت قوتهم كطبقة ثورية، كلما كانت الاشتراكية أقرب وأكثر واقعية" (المجلد2 ، صـ 6). وفقا لهذا التعريف، من المحتمل أن تكون شروط الاشتراكية اليوم أفضل مما كانت عليه في زمن لينين. حتى وإن كانت الطبقة العاملة الحضرية والريفية مجزأة، فهي طبقة الأغلبية.

"للاكثر، وليس للاقل"، صرخة معركة يسار حزب العمال البريطاني، تملك إمكانات حقيقية في المجتمع الطبقي الذي طورته الرأسمالية، حيث أدى تطورها إلى مصادرة جماعية للمالكين الصغار، ولا تزال تفعل ذلك.

ثانيا، كان في ذهن لينين ثورة عالمية، لكنه في النهاية قاد الثورة ونفذها في مجتمع كانت الظروف فيه سيئة للتحول الاشتراكي. تنكسر السلسلة الإمبريالية عند أضعف حلقاتها، والتركيز هنا على مفردة ضعيفة بالمعنى الحرفي للكلمة: إن الظروف لبناء الاشتراكية هنا سيئة للغاية، وقابلية إعادة الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية، لتخطي مراحل تنمية كبيرة - انظر الصين 1978 وفيتنام 1985 وكوبا 2016. في اليونان في العام 2015، على سبيل المثال، كان يمكن تكرار التجربة المأساوية للاتحاد السوفياتي - "الاشتراكية في بلد واحد" – كمهزلة فقط. الاشتراكية في البلدان الرأسمالية المتقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا صعبة بقدر ضرورتها. الأمل في أن الثورات في البلدان الطرفية - مثل بوليفيا أو فنزويلا أو اليونان – ليست باعتبارها مصدر إلهام للاشتراكيين في الشمال العالمي فحسب، بل تؤدي أيضا إلى تحولات اشتراكية ، لم تتحقق بعد.

ثالثا، كان الطابع الخاص للبلاشفة في روسيا، كجزء من حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، والذي تقاسموه مع المناشفة، وتوجههم نحو كادر مركزي وحزب طليعي يعود في الحقيقة الى القمع الاستثنائي للسلطة القيصرية، الدولة الأكثر استبدادا سياسيا في جميع أوروبا، والتي فرضت ان صح التعبير هذا النوع من الحزب. لم يكن لينين يريد حزبا شديد المركزية لذاته. وكمدافع عن فكرة مجالس الديمقراطية الشعبية، لم يكن يريد الاستبداد، بل ولد كضرورة للاضطهاد من قبل طبقة المستغلين. واستمر كرد فعل. قال لينين بحق عن الحزب في الأنظمة الاستبدادية: "تواجه البروليتاريا الروسية اختبارات صعبة بما لا يقاس. انها تواجه النضال ضد وحش. يبدو القانون الاشتراكي في بلد دستوري، عند مقارنته به، قزما حقيقيا (...)" (المجلد 5 ، ص 383 ). ان أطروحة لينين بأن الديمقراطية كانت أفضل قذيفة سياسية للرأسمالية لا تلغي الفرق بين الجمهورية والديكتاتورية: "شكل أوسع وأكثر حرية وانفتاحا للصراع الطبقي والقمع الطبقي، يعني راحة كبيرة للبروليتاريا في النضال من أجل إلغاء الطبقات كليا" (المجلد 25، 467).

 لقد ساد مبدأ الحزب اللينيني أيضا في الأحزاب الشيوعية الغربية. وبقدر تعلق الأمر بالقدرة على العمل فان الحزب المنضبط ومبدأ المركزية الديمقراطية ("حرية النقد، ووحدة العمل" قارن المجلد 10، ص 446 – 448) مفيدة بلا شك. وعادة ما ترى أحزاب اليسار اليوم، مثل حزب اليسار الألماني، نفسها أحزابا تعددية يسارية جماهيرية. وخلال أزمة كورونا يمكن تلمس مدى الصعوبة التي يواجهها الحزب في العمل بشكل استراتيجي وسريع. ويكون من السهل فيها، حتى في ظروف انعدام الأزمات، استقلال الكتل البرلمانية، وحتى استقلال النواب داخلها، كإمارات مستقلة. وكذلك، فإن احزاب اليسار التي تركز اليوم على الحركة، وتنتقد البرلمانية، لا تريد المركزية الديمقراطية أيضا، لكنها ترى نفسها أحزابا تربط بين النقابات والحركات البيئية وغيرها من الحركات الاجتماعية في مشاريع التحول المتماسك. وبهذه الطريقة تضمن، على الأقل، مشاركة واسعة النطاق. ومن يقول، لأسباب وجيهة "نعم" لحزب يساري تعددي، و"للسياسة كمهنة" (اقرأ: الكوادر التي تعيش للسياسة ومنها)، ولا يريدون بعد الآن ان يكونوا مشاريع  لثوريين محترفين، يقول أيضا "نعم" للوصوليين. نعم للتركيز الاستثنائي على الوظائف للأكاديميين  (مقارنة بالعمال غير الدارسين) وأيضًا "نعم" لتوم رادكس هذا العالم (عضو في حزب اليسار الألماني، عمره 18 عاما، احدث ضجة من خلال مقارنته المحارق النازية بتدمير البيئة)، من يقول "نعم" لحزب الحركة، و"لا" للمنظمات الطبقية الجماهيرية (السياج الجماهيري)، سيقول "نعم" ايضا، أن جميع الحركات تقريبا التي ينبغي ان تحل محل منظمات المنظمات الطبقية الجماهيرية، تكون مدعومة من الاكاديميين الحضريين والعاملين بأجر، الذين يعملون على توظيفها. ومن يقول "نعم" لـ الاحزاب اليسارية التعددية، يقول نعم لتطور الاحزاب التلقائي وغير المخطط، حيث لا يقوم الحزب اليوم بنقل كادره بشكل منظم الى المناطق التي يراوح فيها بناء الحزب.

وفي الوقت نفسه، تقدم الديمقراطيات الليبرالية المزيد من المشاركة؛ السؤال الضروري للطبيعة الديمقراطية للاشتراكية. كيف لا تصبح الأحزاب الطليعية منعزلة، وكيف ترتبط هياكل الكوادر المركزية بالديمقراطية الشعبية الواسعة والمشاركة الجماهيرية؟ وكيف يستطيع المرء الحد من الهياكل الاستبدادية القائمة التي تنشأ في الثورة؟ وكيف لا تؤدي المركزية إلى إضعاف الحياة العامة، والتي حذرت بحق منها روزا لوكسمبورغ؟ كل هذه أسئلة لم يتم حلها وتبقى عبارة "اضمحلال الدولة" شفرة، تماما كما كانت دائما عبارة "دكتاتورية البروليتاريا".

ربما ستحل هذه الأسئلة في التاريخ الحقيقي فقط، وليس على الورق؛ وستحدث أي ثورة أو تحول جديد في ظل ظروف غير مختارة. مأساة حياة لينين وثورة أكتوبر كانت، أنها ولدت في جميع انحاء العالم آمالا وحماسا لا يصدق، ولكن الستالينية وجرائمها جعلت الاشتراكية متهمة أيضا. إن قوة البرجوازية وعنفها في الداخل والخارج ساعدت على تشويه وجه الاشتراكية من وجه حي محب للبشر إلى وجه غير إنساني، وهذا غدر استثنائي للتاريخ الحقيقي للرأسمالية والإمبريالية. وسيتم التغلب عليهما دائما بواسطة التعامل  مع ما انجزه لينين ايضا.

* نشرت هذه المقالة في موقع مؤسسة روزا لوكسبورغ/ نيسان 2020 . ونشرت ترجمتها العربية في العدد 413 – 414 من مجلة الثقافة الجديدة

** الجملة التي يوردها الكاتب وردت في الترجمة العربية لـ"مصائر مذهب كارل ماركس التاريخية: ان مذهب ماركس كلي الجبروت، لأنه صحيح، وهو متناسق وكامل، ويعطي الناس مفهوما منسجما عن العالم، لا يتفق مع اي ضرب من الاوهام، ومع اية رجعية، ومع اي دفاع عن الطغيان البرجوازي. (لينين مختارات الجزء الاول دار التقدم 1968 – والنص يعطي صورة واضحة الى ما ذهب اليه لينين – المترجم).

*** الأفقيون: مصطلح شاع في أواخر التسعينات وبداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ضمن امور اخرى، من خلال كتاب جرى تداوله على نطاق واسع لجون هولواي، منظر ماركسي سابق: "تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة". نشأت الأفقية على الشك في "الهرمية الجامدة" في نموذج الحزب اليساري الكلاسيكي. إنه نقد يساري جذري لمأسسة السياسة اليسارية. وبالمقابل تبنى  هولواي وأتباعه مبادئ فوضوية: "الهرمية الأفقية"، دون ممارسة انتخابية، والريبة في مواقف المتحدثين السياسيين، وكذلك في المشاركة في الانتخابات بشكل عام، وما إلى ذلك. باختصار: تعد الأفقية شكلا من الفوضوية الجديدة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل