/
/
/
/

التطور الحر

في المقطع الذي أوردته من كراسة ماركس حول كومونة باريس، تتسم مسألة التحرر الذاتي للعمل والعامل بأهمية محورية. وذاك الشرط هو شيء لا بد من التمسك به. لكن ماذا عن هذا الشرط الذي يجعل من التحرر أمرا محتملا؟

الإجابة بسيطة. يزيد العلم والتقنية من الإنتاجية الاجتماعية للعمل. فعامل واحد يشرف على هذه الآلات بوسعه إنتاج عدد مهول من السلع في وقت قصير جدا. وها هو ماركس مجددا في الغروندريسه:

"بقدر ما تتطور الصناعة الكبرى، فإن خلق الثروة الحقيقية يغدو أقل اعتمادا على وقت العمل وعلى كمية العمل الموظف مقارنة مع اعتمادها على قدرة الفاعلين الموضوعين قيد العمل خلال وقت العمل، والتي [أي القدرة] لا تتناسب "فعاليتها الهائلة" بدورها على الإطلاق مع الوقت المباشر المنفق في إنتاجها لكنها تتوقف بالأحرى على الحالة العامة للعلم وعلى التقدم التقني أو توظيف هذا العلم في الإنتاج… تكشف الثروة الحقيقية عن نفسها –ويتضح ذلك في الصناعة الكبرى– في التفاوت المهول بين وقت العمل المستخدم ومنتوجه."

ولكنه يضيف عقب ذلك –وهو يقتبس هنا من كتابات اشتراكي ريكاردي في عصره– ما يلي: "إن أمة ثرية بحق يكون يوم العمل فيها ست ساعات عوضا عن اثنتي عشرة ساعة. فالثروة ليست بالسيطرة على فائض وقت العمل…بل بالأحرى على الوقت المتاح خلا الوقت المطلوب للإنتاج المباشر من أجل كل فرد ومن أجل المجتمع ككل".

إن هذا ما يدفع بالرأسمالية لإيجاد إمكانية "التطور الحر للأفراد"، بما في ذلك العمال. وبالمناسبة، لقد قلت هذا سابقا، لكنني سأقوله مجددا: يشدد ماركس على الدوام بأن تطور الفرد هو النتيجة النهائية التي يدفع الفعل الجماعي باتجاهها. هذه الفكرة عن أن ماركس لا يعنيه سوى الفعل الجماعي وقمع أو طمس الفردانية فكرة خاطئة.

بل على العكس من ذلك، فماركس يؤيد تجنيد الفعل الجماعي من أجل كسب حرية فردية. سنعود إلى هذه الفكرة بعد قليل. لكن إمكانية التطور الحر للأفراد هي الهدف البالغ الأهمية هنا.

العمل الضروري وغير الضروري

يقوم الأمر برمته على "التخفيض العام للعمل الضروري"، أي على كمية العمل اللازمة لتجديد إنتاج الحياة اليومية للمجتمع. سيعني ارتفاع إنتاجية العمل أن الحاجات الأساسية للمجتمع يمكن تلبيتها بكل سهولة. مما سيوفر وقتا متاحا وفيرا يفسح المجال لإمكانية التطور العلمي والفني للأفراد.

بداية، سيحظى بهذا الوقت قلة ذات امتياز، ولكن في آخر المطاف، فإن ذلك سيخلق وقتَ فراغ متاحا للجميع. وهذا يعني أن إفساح المجال أمام الأفراد ليقوموا بما يريدونه هو أمر بالغ الأهمية، إذ سيكون من الممكن تلبية الضروريات الأساسية باستخدام التقنية المتطورة.

المشكلة، كما يقول ماركس، أن رأس المال بحد ذاته "تناقض متحرك". فهو "يضغط لتخفيض وقت العمل للحد الأدنى، في حين يتخذ من وقت العمل مقياسا ومصدرا وحيدا للثروة". وبالتالي فإنه يقصر وقت العمل بشكله الضروري –أي ما هو ضروري حقا– لزيادته بشكله الفائض.

الآن، يسمي ماركس هذا الشكل الفائض بفائض القيمة. والسؤال هو، من سيأخذ هذا الفائض؟ والمشكلة التي يحددها ماركس ليست أنه ما من فائض متاح، بل أن هذا الفائض ليس متاحا للعمل [العمال]. ففي حين أن الميل "على المقلب الأول هو خلق وقت متاح"، إلا أنه على الجانب الآخر يتمثل بـ"تحويل هذا الوقت إلى فائض عمل" يعود بالنفع على الطبقة الرأسمالية.

لا يجري توظيف هذا الوقت لتحرير العامل حين يكون ذلك ممكنا. بل يجري توظيفه لتتنعم به البورجوازية، وعليه لمراكمة الثروة بالوسائل التقليدية في حدود البورجوازية.

إليك التناقض المركزي. يقول ماركس "ثروة الأمة بحق. كيف يمكن لنا فهم ذلك؟ حسنا، يمكنك فهمه من زاوية مقدار النقود وخلافه تحت إمرة شخص ما". لكن بالنسبة لماركس، كما رأينا سابقا، "إن أمة ثرية بحق يكون يوم العمل فيها ست ساعات عوضا عن اثنتي عشرة ساعة. فالثروة ليست بالسيطرة على فائض وقت العمل بل بالأحرى على الوقت المتاح خلا الوقت المطلوب للإنتاج المباشر من أجل كل فرد ومن أجل المجتمع ككل".

بمعنى: ستقاس ثروة المجتمع بمقدار ما نملكه من وقت فراغ متاح، لفعل ما يحلو لنا دون أي قيود، إذ لبينا حاجاتنا الأساسية. وحجة ماركس كالتالي: عليك امتلاك حركة جماعية لتضمن أن مجتمعا كهذا يمكن بناؤه. لكن ما يعترض طريقنا، بطبيعة الحال، هو واقع العلاقات الطبقية المهيمنة وممارسة الطبقة الرأسمالية سطوتها الطبقية.

في ظل حظر التجول

ثمَّة، اليوم، صدى مثير للاهتمام لكل هذا في وضعنا الحالي من حظر التجول والانهيار الاقتصادي كأحد تبعات فيروس كورونا. والعديد منا، على صعيدٍ فردي، في وضع فيه الكثير من الوقت المتاح. فغالبيتنا عالق في المنزل.

لا يمكننا الذهاب للعمل؛ لا يمكننا فعل الأشياء التي نفعلها عادة. ما الذي سنفعله بوقتنا؟ إذا ما كان لدينا أطفال عندئذ سيكون لدينا، بطبيعة الحال، الكثير لفعله. لكننا وصلنا إلى وضعٍ لدينا فيه الكثير من الوقت المتاح.

الأمر الثاني أنَّنا نواجه اليوم بطالة جماعية. إذ تشير أحدث البيانات إلى أن زهاء 26 مليون شخص في الولايات المتحدة فقدوا وظائفهم. ومن الطبيعي أن يقول المرء إن هذا كارثي، وهو بالطبع كارثي، لأنك حين تخسر وظيفتك فإنك تخسر القدرة على تجديد إنتاج قوة عملك بالذهاب إلى السوبر ماركت كونك لا تملك نقودا.

لقد فقد العديد من الأشخاص تأمينهم الصحي، ويواجه آخرون صعوباتٍ في الحصول على إعانات البطالة. تتعرض حقوق الإسكان للخطر مع اقتراب موعد سداد الإيجارات أو أقساط الرهن العقاري. ولا يملك الكثير من سكان الولايات المتحدة –ربما ما يقرب من 50% من إجمالي الأسر– أكثر من 400 دولار من الفائض النقدي في البنك لمواجهة حالات الطوارئ، فما بالك بأزمة عاصفة كالتي نحن فيها.

طبقة عاملة جديدة

من المرجح أن ينزل هؤلاء الأشخاص إلى الشوارع قريبا، إذ تحدق المجاعة بهم وبأطفالهم. لكن دعنا نلقي نظرة أعمق على الوضع.

إن القوى العاملة التي من المتوقع أنْ تعتني بالأعداد المتزايدة من المرضى، أو تقديم الحد الأدنى من الخدمات التي تسمح بتجديد إنتاج الحياة اليومية، هي، كقاعدة عامة، شديدة الاستقطاب من ناحية التصنيف الجندري والعرقي والإثني. تتصدر هذه "الطبقة العاملة الجديدة" الرأسمالية المعاصرة. فعلى أعضائها تحمل عبئين: فهم يواجهون خطرين في آن، إذ هم الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالفيروس بسببٍ من وظائفهم، وخطر الاستغناء عنهم بدون أي موارد مالية بسبب التقشف الاقتصادي الذي يفرضه الفيروس.

إنَ الطبقة العاملة في الولايات المتحدة –المكونة في الغالب من أمريكيين من أصل أفريقي ولاتيني ونساء بأجر– بين نارين: إما المعاناة من العدوى في سياق رعاية الناس والحفاظ على الأشكال الرئيسية من الإمداد مفتوحة (مثل البقاليات)، أو البطالة بدون أي إعانات (كالرعاية الصحية الملائمة).

لطالما جرى تكييف القوى العاملة هذه لتتصرف كذوات نيوليبرالية صالحة، ما يعني إلقاء اللوم على النفس أو الله إذا ما وقع خطب من دون الجرأة على التفكير ولو للحظة بأن الرأسمالية ربما تكون هي الخطب والمشكلة. لكن حتى الذوات النيوليبرالية الصالحة يمكن أن ترى أن ثمة خطبا ومشكلة في طريقة الرد على هذا الوباء، وفي العبء المفرط الواجب عليهم تحمل وطأته لمواصلة تجديد إنتاج النظام الاجتماعي.

اجعله جديدا

يلزم أشكال جماعية من الفعل لإخراجنا من هذه الأزمة الخطيرة في التعامل مع كوفيد-19. إننا بحاجة إلى فعلٍ جماعي للسيطرة على انتشاره –حظر التجول وسلوكيات التباعد الاجتماعي، وما شابه ذلك. هذا الفعل الجماعي ضروري ليتيح لنا كأفراد، في نهاية المطاف، أن نحيا وفق الطريقة التي نحب، إذ لا يمكننا اليوم القيام بما نحبه.

يتضح أن هذه الأزمة تشبيهٌ جيد لفهم ماهية رأس المال. إنها تعني خلق مجتمع يكون فيه غالبيتنا أحرارا في فعل ما يريدون، لأننا فعليا مشغولون بإنتاج الثروة للطبقة الرأسمالية.

ما قد يقوله ماركس هو، حسنا، ربما إذا تمكن أولئك الـ26 مليون عاطل عن العمل من إيجاد طريقة ما للحصول على ما يكفيهم من النقود لإعالة أنفسهم وشراء السلع التي يحتاجون إليها للبقاء على قيد الحياة واستئجار منزلٍ يسكنونه، عندئذ ما المانع من أن يسعوا إلى تحرر جماعي من العمل المستلب؟

بعبارة أخرى، أنريد الخروج من هذه الأزمة بالقول ببساطة أن ثمة 26 مليون شخصا بحاجة إلى العودة للعمل في بعض الوظائف الرهيبة التي ربما كانوا يؤدونها من قبل؟ أهذه هي الطريقة التي نريد بها الخروج من ذلك؟ أم نريد أن نسأل: هل ثمة من طريقة لتنظيم إنتاج السلع الأساسية والخدمات بحيث يتوفر لكل امرئٍ شيء ليأكله، ومكان لائق ليسكنه، ويكون بوسعنا إيقاف عمليات الإخلاء ولأي كان أن يسكن بالمجان؟ أليست هذه اللحظة هي اللحظة التي يمكن للمرء فيها التفكير جديا بشأن خلق مجتمع بديل؟

إذا ما كنا أقوياء ومتقدمين بما يكفي لمواجهة هذا الفيروس، عندئذ لم لا نواجه رأس المال؟ فبدلا من القول إننا نرغب جميعا بالعودة للعمل واسترداد تلك الوظائف واستعادة كل شيء كما كان قبل بدء الأزمة، ربما ينبغي علينا القول: لم لا نخرج من هذه الأزمة عبر خلق ضرب من النظام الاجتماعي مختلف كلية؟

لم لا نأخذ تلك العناصر الكائنة في أحشاء المجتمع البورجوازي المتداعي –علمه المبهر وتقنيته وقدرته الإنتاجية– ونحررها، مستفيدين من الذكاء الصنعي والتغيير التقني والأشكال التنظيمية ليتسنى لنا خلق شيء مختلف جذريا عن أي مما سبق؟

لمحة عن بديل

في نهاية المطاف، فإننا نجرب في خضم هذه الحالة الطارئة أنظمة بديلة من كل شكل ولون، من إمداد الأحياء والمجموعات الفقيرة بالأغذية الأساسية مجانا، إلى العلاج الطبي المجاني، إلى هياكل وصول بديلة عبر الإنترنت وما إلى ذلك. في الواقع، تتبدى بالفعل ملامح وقسمات مجتمع اشتراكي جديد –لعل هذا هو السبب في أن الجناح اليميني والطبقة الرأسمالية متلهفون للغاية على إعادتنا إلى الوضع السابق.

هذه فرصة سانحة للتفكير في ما قد يبدو عليه البديل. هذه لحظة تحمل معها إمكانية وجود بديل. فبدلا من مجرد الرد بطريقةٍ متعجلة والقول: "أوه، يجب أن نسترد هذه الوظائف الـ26 مليونا حالا"، ربما ينبغي علينا التطلع إلى توسيع بعض الأشياء التي تجري بالفعل، مثل تنظيم الإعالة الجماعية.

يحدث هذا بالفعل في ميدان الرعاية الصحية، وبدأ يحدث أيضا عبر إضفاء طابع اشتراكي على توريد الأغذية بل والوجبات المطبوخة. ظلت العديد من أنظمة المطاعم، في مدينة نيويورك اليوم، مفتوحة، وبفضل التبرعات فإنها تقدم في الواقع وجبات مجانية لجمهرة السكان التي خسرت وظائفها ولا يمكنهم التجول.

بدلا من القول: "حسنا حسنا، هذا ما نقوم به فقط في حالة الطوارئ"، لم لا نقول إن هذه هي اللحظة التي يمكننا فيها البدء بإخبار تلك المطاعم أنّ مهمتها هي إطعام السكان بحيث يتوفر لكل امرئ وجبة لائقة مرة أو مرتين في اليوم على الأقل.

مخيلة اشتراكية

لدينا بالفعل عناصر هذا المجتمع هنا: مثلا توفر العديد من المدارس وجبات مدرسية. لذلك دعونا نستمر في ذلك، أو أقله استيعاب ما يمكن لنا تحقيقه إذا ما عزمنا. أليست هذه لحظة يمكن لنا فيها استخدام هذه المخيلة الاشتراكية لبناء مجتمع بديل؟

هذه ليست يوتوبيا. بمعنى، انظر إلى كل تلك المطاعم في الجانب الغربي الشمالي لمانهاتن والتي أغلقت وتجثم الآن هناك هاجعة. لنرجِع الناس إلى هناك –فبوسعهم البدء بإنتاج الطعام وإطعام السكان في الشوارع والمنازل، ويمكنهم تقديمه لكبار السن. نحن بحاجة هذا النوع من الفعل الجماعي ليغدو كل فرد منا حرا.

وإذا ما كان على 26 مليون عاطل عن العمل العودة اليوم إلى العمل، فربما ينبغي أن يكون ذلك لست ساعات بدلا من اثنتي عشرة في اليوم، كيما نحتفي بظهور فهمٍ مختلف لما يعنيه العيش في أثرى بلدٍ في العالم. لربما هذا ما سيجعل أمريكا عظيمة بحق (تاركين "مرةً أخرى" لتتعفن في مزبلة التاريخ).

هذه هي النقطة التي يوضحها ماركس مرارا وتكرارا: أن أساس الفردانية الحقيقية والحرية والتحرر، على عكس تلك المزيفة التي تبشر بها الأيديولوجيا البورجوازية على الدوام، هو حالة تُلبَّى فيها جميع حاجاتنا عبر الفعل الجماعي، بحيث لا يتيعن علينا العمل سوى ست ساعات في اليوم، ويمكننا استغلال بقية الوقت كما يحلو لنا.

في الختام، أليست هذه لحظة مثيرة للاهتمام للتفكير حقا في دينامية وفرص بناء مجتمع اشتراكي بديل؟ لكن بغية السير في هذا المسار التحرري، علينا أولا تحرير أنفسنا لندرك أنّ مُتخيَّلا جديدا ممكن جنبا إلى جنب مع واقع جديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مفكر ماركسي وأستاذ الأنثروبولجيا في جامعة نيويورك

عن: موقع (أوان) – 20 أيار 2020. ونص المقالة بالانجليزية منشور في موقع جاكوبن  Jacobinالأميركي اليساري وترجمها علاء سند بريك هنيدي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل