/
/
/
/

أكتب هذه المادة وسط أزمة فيروس كورونا في مدينة نيويورك. وإنه لوقت عصيب أن يعرف المرء، بالتحديد، كيف يستجيب لما يجري. فمن الطبيعي في وضعٍ كهذا أنْ نكون نحن مناهضي رأس المال في الشوارع، نتظاهر ونُجيِّش ونحرِّض.

بدلا من ذلك، فأنا في حالة محبطة من العزلة الفردية، في لحظةٍ تتطلب أشكالا جماعية من الفعل. لكن كما قال ماركس ذات مرة، لا يمكننا صنع التاريخ في ظل ظروف من اختيارنا. لذا علينا اكتشاف أفضل طريقة للاستفادة من الفرص التي لدينا.

ظروفي أفضل من غيري نسبيا، إذ بوسعي الاستمرار في العمل، لكن من المنزل. ولم أخسر وظيفتي، وما زلت أتحصل على مرتبي. وكل ما علي فعله هو الاختباء من الفيروس.

يضعني عمري وجنسي ضمن الفئة المهَدة، لذلك لا ينصح بأي احتكاك )مع الآخرين(، مما يمنحني الكثير من الوقت للتفكير والكتابة بين جلسات برنامج «Zoom» وبدلا من الخوض في تفاصيل الوضع هنا في نيويورك، ارتأيت تقديم بعض الأفكار حول البدائل المحتملة والتساؤل: كيف يفكر المناهض للرأسمالية في ظروف من هذا النوع؟

عناصر المجتمع الجديد

أبدأ بتعليق لماركس يوضح فيه ما حدث في الحركة الثورية المهزومة لكومونة باريس (1871). يكتب ماركس:

"إن الطبقة العاملة لم تكن تنتظر المعجزات من الكومونة. إنها لا تنوي أن تحقق، بقرار الشعب، طوباويات جاهزة متممة. إنها تدرك أن عليها، لكي تحرر نفسها وتصل إلى ذلك الشكل الأعلى الذي يسعى إليه المجتمع الحالي بصورة لا تقاوم، بفعل تطوره الاقتصادي ذاته، أن تخوض نضالا عنيدا وأنْ تجتاز سلسلة كاملة من العمليات التاريخية التي تغير الظروف والناس تغييرا تاما وما ينتظر الطبقة العاملة ليس بمُثُل عليا تحققها، إنَّما عليها أن تفسح فقط مجالا لعناصر المجتمع الجديد التي تطورت في أحشاء (مجتمع برجوازي قديم متداع).

دعني أدلي ببعض التعليقات على هذا المقطع. بداية، كان ماركس بطبيعة الحال معاديًا لفكر الاشتراكيين الطوباويين، وكان ثمة الكثير منهم في فرنسا إبان الربع الثاني من القرن التاسع عشر. كان هذا تقليد جوزيف فورييه، وهنري دو سان سيمون، وإيتيان كابيه، ولوي أوغست بلانكي، وجوزيف برودون، وغيرهم.

شعر ماركس بأن الاشتراكيين الطوباويين حالمون، وبأنهم لم يكونوا أشخاصا عمليين سيضطلعون فعليا بتغيير ظروف العمل هنا والآن. فبغية تغيير ظروف هنا والآن، أنت بحاجة لفهم طبيعة المجتمع الرأسمالي على وجه الدقة.

لكن ماركس واضح جدا بخصوص أن المشروع الثوري ينبغي له التركيز على التحرر الذاتي للعمال. والجزء "الذاتي" في هذه الصياغة مهم. إذ أن أي مشروعٍ كبير لتغيير العالم سيستلزم تغيير الذات كذلك. لذا سيكون على العمال تغيير أنفسهم أيضا. لقد كان هذا حاضرا في ذهن ماركس خلال كومونة باريس.

مع ذلك، فماركس يلاحظ أن رأس المال نفسه يخلق فعليا فرصا للتغيير، وذلك عبر النضالات الطويلة، التي ستجعل من الممكن "إفساح المجال" لملامح وقسمات مجتمع جديد يكون بوسع العمال في ظله التحرر من العمل المستلب. تمثلت المهمة الثورية بإفساح المجال لعناصر هذا المجتمع الجديد المتواجدة في رحم نظام اجتماعي بورجوازي قديم متداع.

تحرير الإمكانات

لنتفق على أننا نعيش الآن في حالة مجتمع بورجوازي قديم متداع. ومن الواضح أنه يحمل كل ألوان وأشكال الأشياء البشعة –كالعنصرية ورهاب الأجانب– والتي لا أرغب قطعا في رؤيتها تتحرر. لكن ماركس لا يقول "حرروا كل ما في ذلك النظام الاجتماعي القديم، القبيح، والمتداعي". بل ما يقوله أنَّنا بحاجة إلى أن ننتقي من ذلك المجتمع البورجوازي المتداعي تلك الجوانب التي ستساهم في تحرر العمال والطبقات العاملة.

يطرح هذا السؤال الآتي: ما هي تلك الفرص ومن أين تأتي؟ لا يشرح ماركس ذلك في كراسته عن الكومونة، لكن قسما كبيرا من عمله النظري المبكر مخصص للكشف، على وجه الدقة، عمّا قد تكونه الفرص البنّاءة للطبقات العاملة. أحد المواضع التي يتناول فيها ماركس هذا الموضوع بإسهاب هي في نصه الضخم والمعقد وغير المكتمل المعنوَن بـ (الغروندريسه)، والذي كتبه خلال أزمة 1857-1858.

تسلط بعض المقاطع الضوء على ما قد كان يدور في ذهنه عند دفاعه عن الكومونة. ترتبط فكرة "التحرير" بفهم ما كان يجري حينها داخل مجتمع بورجوازي رأسمالي. وهذا ما دأب ماركس على فهمه على الدوام.

في (الغروندريسه) يخوضُ ماركس بإسهاب في مسألة التغيير التقني، والدينامية التقنية المتأصلة في الرأسمالية. وما يبيّنه هو أنَ المجتمع الرأسمالي، بحكم طبيعته، سيتجه للاستثمار بصورة مكثفة في الابتكار، وفي بناء إمكانيات تقنية وتنظيمية جديدة. ومرد ذلك، أنني كرأسمالي فرد، إذا ما كنت في منافسة مع رأسماليين آخرين، فإنَّني سأحصل على ربح إضافي حال تفوقَتْ تقنيتي على تقنية منافسيّ. وعلى هذا النحو، يكون لدى كل رأسمالي حافز للسعي نحو تقنية أكثر إنتاجية مقارنة بتلك التي تستخدمها الشركات الأخرى المنافِسة.

ولهذا السبب، فالدينامية التقنية متأصلة في صلب المجتمع الرأسمالي. أدرك ماركس هذا الأمر منذ البيان الشيوعي (كُتِبَ في 1848) وما بعد. وهذه إحدى القوى الرئيسية التي تفسر الطابع الثوري الدائم للرأسمالية.

لن يقنع المجتمع الرأسمالي بتقنيته القائمة. وسيسعى دوما لتحسينها، لأنَّها ستعود بالفائدة على الشخص، أو الشركة، أو المجتمع المالك للتقنية الأكثر تقدما. فالدولة أو الأمة أو تكتل القوى المالك لأحدث التقنيات وأكثرها ديناميكية هي من ستتقدم أقرانها. لذا فالدينامية التقنية تقع في صلب الهياكل العالمية للرأسمالية. وهذا حالها منذ البداية.

الابتكار التقني

تعدّ وجهة نظر ماركس بشأن هذا الموضوع تنويرية ومثيرة للاهتمام في آن. حين نتخيل عملية الابتكار التقني، فإننا نفكر عادة بشخص يصنع شيئا ما ساعيا لتحسين تقني في هذا الشيء أيا كان. بمعنى، أنَ الدينامية التقنية حكٌ على مصنع بعينه، نظام إنتاجي بعينه، حالة بعينها.

ولكن يتبيَّن أن العديد من التقنيات تنتقل فعليا من مجالٍ إنتاجي إلى آخر. تصبح هذه التقنيات عامة. فعلى سبيل المثال، تقنية الحاسوب متاحة لأي فرد يرغب باستخدامها لأي غرض يريده. وتقنيات الأتمتة متاحة لمختلف الأشخاص والصناعات.

يلاحظ ماركس أنَّه بحلول العقد الثاني والثالث والرابع من القرن التاسع عشر في بريطانيا، صار ابتكار تقنيات جديدة عملا تجاريا مستقلا وقائما بذاته. أي لم يعد يقتصر الاهتمام بالتقنية الجديدة على شخص يصنع النسيج أو شيء من هذا القبيل يرى أنها ستزيد إنتاجية العمل الذي يوظفه. بدلا من ذلك، يأتي روّاد الأعمال بتقنية جديدة يمكن استخدامها في كل مكان.

وكان المثال الرئيسي عن هذا في زمن ماركس هو المحرك البخاري، إذ كان له مختلف الاستخدامات، من سحب المياه من مناجم الفحم إلى صناعة المحركات البخارية وبناء السكك الحديدية، إلى جانب كونه يستخدم في الأنوال الكهربائية في مصانع النسيج. لذا في حال أردت الدخول في تجارة الابتكار، عندئذ فالهندسة وصناعة الأدوات الآلية كانت أماكن مناسبة للبدء.

اتجهت اقتصادات كاملة –كتلك التي ظهرت على أطراف مدينة برمنغهام والمتخصصة بصناعة الأدوات الآلية– لإنتاج لا التقنيات الجديدة فحسب، بل منتوجات جديدة. حتى في زمن ماركس، أصبح الابتكار التقني تجارة قائمة بذاتها.

السعي للبقاء

في (الغروندريسه) يبحث ماركس بالتفصيل سؤال ما الذي يحدث حين تصبح التقنية عملا تجاريا، حين يخلق الابتكار أسواقا جديدة بدلا من أن يكون بمثابة استجابة لطلب سوق محددة وموجودة سلفا على تقنية جديدة. تصبح التقنية الجديدة قاطرة دينامية المجتمع الرأسمالي.

إن العواقب واسعة النطاق. إحدى النتائج الواضحة أن التقنيات ليست ساكنة أو ثابتة البتة: إذ لا تستقر وسريعًا ما تغدو قديمة. يمكن للحاق بأحدث التقنيات أن يكون مرِهقا ومكلفا. ويمكن لتسريع التقادم أن يكون كارثيا على الشركات القائمة.

مع ذلك، تتخصص قطاعات بأكملها من المجتمع –الإلكترونيات والصناعات الدوائية والهندسة البيولوجية وما شابه– بخلق ابتكارات جديدة لمجرد الابتكار. فمن يتمكن من خلق ابتكار تقني يأسر المخيلة، كالهواتف الخليوية أو "التابلت"، أو يملك أكثر التطبيقات تنوعا، كرقاقات الحاسوب، من المرجح أنه سيفوز. لذا ففكرة أن التقنية بذاتها تغدو عملا تجاريا تصبح، بكل تأكيد، محورية في وصف ماركس لما يعنيه المجتمع الرأسمالي.

إنَّ هذا هو ما يميز الرأسمالية عن الأنماط الإنتاجية الأخرى. فبالرغم من أن القدرة على الابتكار حاضرة طوال التاريخ البشري، إذ ثمة تغييرات تقنية في الصين القديمة، في ظل الإقطاع، لكن الفريد في نمط الإنتاج الرأسمالي هو تلك الحقيقة البسيطة القائلة بأن التقنية تغدو عملا تجاريا، مع منتوجٍ عام يباع للمنتجين والمستهلكين على السواء. هذا حكر على الرأسمالية. ويغدو أحد المحركات الرئيسية لكيفية تطور المجتمع الرأسمالي. هذا هو العالم الذي نعيش فيه، شئنا أم أبينا.

ملحقا بالآلة

يتابع ماركس ليذكر نتيجة طبيعية لهذا التطور. بغية أن تغدو التقنية عملا تجاريا، ينبغي تجنيد أشكال جديدة للمعرفة وفق أساليب معينة. يستلزم هذا تطبيق العلم والتقنية بوصفهما فهما متمايزا عن العالم.

يصبح خلق التقنيات الجديدة على الأرض مقترنا بقيام العلم والتقنية كميادين فكرية وأكاديمية. يلاحظ ماركس كيف أنَ تطبيق العلم والتقنية وخلق أشكالٍ جديدة من المعرفة يصبح أساسيا لهذا الابتكار التقني الثوري.

يحدد هذا جانبا آخر لطبيعة نمطِ إنتاجٍ رأسمالي. تتصل الدينامية التقنية بدينامية إنتاج معارف علمية وتكنيكية جديدة، وتصورات روحية جديدة وغالبا ثورية عن العالم. تتشابك ميادين العلم والتقنية مع إنتاج وتجنيد معارف وتصورات جديدين. ورويدا رويدا يكون على مؤسساتٍ جديدة كليا، مثل معهد ماساشوستس و”كال تك” Cal Tech، أن توجد لتيسير هذا التطور.

يتابع ماركس بعد ذلك ليسأل: ما أثر ذلك على عمليات الإنتاج ضمن الرأسمالية، وكيف تؤثر على الطريقة التي يُدرَجُ بها العمل (والعامل) في هذه العمليات؟ في العصر ما قبل الرأسمالي، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مثلا، كان للعامل عموما سيطرة على وسائل الإنتاج –الأدوات اللازمة– وغدا ماهرا في استخدامها. وصار العامل الماهر، كما يلاحظ ماركس، محتكرا لمعرفة معينة وفهم معين عُدَّ على الدوام فنا.

على كل، فمع بلوغ منظومة المصنع، وأكثر من ذلك مع بلوغ العالم المعاصر، فالحال لم يعد كذلك. تصبح مهارات العمال التقليدية غير ضرورية، إذ تنسخها التقنية والعلم، حيث تدمج التقنية والعلم والأشكال الجديدة من المعرفة في الآلة، ويختفي الفن.

وهكذا، يتحدث ماركس في مقاطع مذهلة من (الغروندريسه) –الصفحات 650 إلى 710 في طبعة دار بينجوين إذا كنت مهتما– حول الطريقة التي تصبح فيها التقنيات والمعارف الجديدة مضمَّنة في الآلة: لا تعود هذه المهارات في ذهن العامل، ويجري دفع العامل ليغدو ملحقا بالآلة، ليغدو مجرد مشرف على الآلة. ويختفي ذلك الذكاء وتلك المعرفة التي كانت ملكا للعمال، وكانت تمنحهم قوة احتكارية معينة في مواجهة رأس المال.

إنَّ الرأسمالي الذي احتاج يوما لمهارات العامل قد تحرر الآن من هذا القيد، وتتجسد المهارة في الآلة. تصب المعرفة المنتَجة عبر العلم والتقنية في الآلة، وتغدو هذه "روح" الدينامية الرأسمالية. هذه هي الحالة التي يصفها ماركس.

تحرر العمل

تصبح دينامية المجتمع الرأسمالي معتمدةً بشدة على الابتكارات الدائمة، يقودها تجنيد العلم والتقنية. رأى ماركس ذلك في زمنه بوضوح. كان يكتب عن هذا كله خلال العام 1858! لكننا اليوم، طبعا، في وضع غدت فيه هذه المسألة بالغة الأهمية والحيوية.

وتمثّل مسألة الذكاء الاصطناعي الصيغة المعاصرة لما كان ماركس يتحدث عنه حينها. فنحن نحتاج اليوم إلى معرفة لأي مدى يجري تطوير الذكاء الاصطناعي عبر العلم والتقنية ولأي مدى يجري توظيفه (أو من المرجَّح توظيفه) في الإنتاج. سيكون التأثير الواضح إزاحة العامل، وفي الحقيقة تجريده من سلاحه وتخفيض قيمته أكثر وأكثر، من زاوية قدرته على تطبيق أو استخدام المخيلة والمهارة والخبرة في عملية الإنتاج.

يقود هذا ماركس ليكتب التعليق الآتي في (الغروندريسه). دعني أورده لأنني أراه مبهرا بحق:

"إن تحول عملية الإنتاج من عملية العمل البسيطة إلى عملية علمية، تخضع قوى الطبيعة وتسخّرها لخدمة الحاجات البشرية، تبدو كأنها ميزة أو خاصية لرأس المال الثابت بدلا من العمل الحي…بذا تتحول قدرات العمل إلى قدرات لرأس المال."

تكمن المعرفة والخبرة العلمية الآن داخل الآلة تحت إمرة الرأسمالي. تنتقل القدرة الإنتاجية للعمل إلى رأس المال الثابت، إلى شيء خارجي بالنسبة للعمل. يُنحَّى العامل. لذا يصبح رأس المال الثابت حامل معرفتنا وذكائنا الجمعيّين حين يتعلق الأمر بالاستهلاك والإنتاج.

بعد ذلك، يركز ماركس على ما يحمله المجتمع البورجوازي المتداعي في أحشائه ويمكن أن يعودَ بالفائدة على العمل. وهو هذا: "يخفّض (رأس المال) –عن غير قصد– العمل البشري والإنفاق على الطاقة إلى أقل ما يمكن. وهذا سيعود بالفائدة على عمل متحرر وهو شرط تحرره". برأي ماركس، فإن ظهور أشياء من قبيل الأتمتة والذكاء الصنعي يخلق الشروط والإمكانيات بغية تحرر العمل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مفكر ماركسي وأستاذ الأنثروبولجيا في جامعة نيويورك

عن: موقع (أوان) - 20 أيار 2020. ونص المقالة بالانجليزية منشور في موقع جاكوبن Jacobin الأميركي اليساري وترجمها علاء سند بريك هنيدي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل