/
/
/
/

 

الفاشية هي تسمية لتوجه معين لليمين المتطرف، ويمكن فهمها كبديل للتنوير الليبرالي والماركسية، ونشأت أفتراضاتها الثقافية الاساسية في القرن العشرين من مزيج من القومية، ومعاداة السامية والعنصرية، ومعاداة الحركة النسائية، والتسلطية، ومعاداة الماركسية مع تمجيدها للعنف.

أستفادت الحركات الفاشية من الشعبويين، ومجموعة من رجال ومفكرين قبل ظهور الفاشية والذين يُسمونَ بالمحافظين الثوريين كما في حالة النقابيين الفرنسيين.

وفي فترة مابين الحربين العالميتين، وفقاً لإريك هوبسباوم، تشكل تحالف من اليمين (محافظين تقليديين)، وبمشاركة رجعيين من الطراز القديم.

وتحول في بداية الحقبة الفاشية في أوربا أكثر من 20% من الناخبين الى الاحزاب الفاشية، ومن بينها في الاساس أيطاليا، وألمانيا، والنمسا، والمجر، ورومانيا، والجدير بالذكر أن الفاشية تطورت أيضا في أسبانيا، وكرواتيا، حيث كانت الفاشية ظاهرة أوربية.

تبنت الحركة الفاشية الكلمة اللاتينية (fasces)، والتي تعني (حزمة) في روما القديمة، وهي عبارة عن حزمة قضبان مربوطة بجلد حولها فأس، وكرمز لحكم الرومان وتماسكها لإظهار الحق في فرض العقوبات الجسدية والموت.

في الحركة الوطنية والعمالية الايطالية من القرن التاسع عشر كانت حركة القضبان ترمز الى وحدة الامة الايطالية.

بينيتو موسوليني والعضو السابق في الحزب الاشتراكي الايطالي تبنى هذا الرمز عام 1919 بعد الحرب العالمية الاولى، مؤسساً تحالفات مكونة من القوميين، والمحاربين القدماء، والذين أطلقوا على أنفسهم تسمية (الحزم القتالية)، ولدولة أخلاقية تنشد ثقافة مستقلة، والذي يجب أن يشمل المجال الفني والفكري بقدر ما يشمل السياسي، والاخلاقي، وبالتالي خلق الاساس لتطور الفاشية (كدين سياسي علماني).

 وصلت الفاشية الى السلطة بعد أنتقالها من الملك (فيتوريو إيمانويل) الى موسوليني في 29 أكتوبر 1922، حيث أصبح للفاشية معنىً عالمياً، وخاصة بعد إستلام هتلر للسلطة في ألمانيا في 30 يناير 1933، وعلى الرغم من أدوارِ كلٍ من الدكتاتوريَين التي تغيرت بعد سقوط موسوليني، وتحريره من قبل المظليين الالمان، حيث تَشكل على إثرها نظام دمية نازية (جمهورية أيطاليا الاشتراكي) على بحيرة (غاردا) شمال إيطاليا، وكنظام عميل للنازية، فالأصل الفاشي لطقوس الاشتراكية القومية هو فقط الشكل الخارجي النموذجي للفاشية العلمانية.

وأدعت الفاشية في ذلك الوقت، أنها تقدم أجابة جديدة ملفتة للنظر للتحديات السابقة.

يمكن تفسير الحرب العالمية الاولى وما أعقبها على أنها ساعة ميلاد الاشتراكية القومية، فالكساد الكبير أتاحت لها أمكانية القفز لكي يكون حزباً جماهيرياً، وبناءاً للأزمة الاجتماعية التي ظهرت بين عامي 1930 و1933 بين السكان، توفرت رغبة جماعية لقبول عرضهم الجذاب.

لقد حددَ هتلر الآراء والاهداف السياسية للاشتراكيين القوميين في كتابه (كفاحي)، ومنشورات أخرى في عشرينيات القرن الماضي، والتي تحتوي على أربعة عناصر رئيسية .

  1. داروينية اجتماعية عنصرية.

2.سياسة فضاء معيشية عدوانية.

3.معاداة السامية .

4.التطرف القومي.

وهذه الايديولوجية ليست من أختراع هتلر فقط ،بل كانت تكتلاً لافكار وأتجاهات عنصرية معادية للسامية، قوميةـ شعبية، مناهضة للنسوية ،معادية للديمقراطية، يمينية وأستبدادية منذ ماقبل الحرب العالمية الاولى ، وأرتبط بهزيمة القوميين منذ عصر الرومانسية الالمانية في القرن الثامن عشر،و بالمواقف المعادية للاصلاحية تجاه عملية التنوير بالتعويذات الرجعية لروح غريبة، والتي يفترض أن تكون غريبة،ووجدت هذه العقلية طريقها الى الدوائر الفكرية اليمينية في الايام الاولى للاشتراكية القومية ، حيث ربطها المفكرون السابقون للفاشية بما يسمى بالثورة المحافظة، ومواقفهم المعادية للديمقراطية بأوهام الحرب الثقافية، ووضع المؤرخ الثقافي أوزوالد شبينغلر في كتاباته، أضافة الى إرنست يونغر وكارل شميت، حجر الاساس السياسي لمواقف الحركات اليمينية الاستبدادية والفاشية ،ويشير عمل شبينغلر الرئيسي بعنوان(سقوط الغرب ) الى الاسلوب المروع لهذا الفهم العضوي الشعبي للثقافة.

في وقت لاحق وجدت الاستعارة الغربية أيضاً طريقها الى دعاية الحرب الاشتراكية القومية بأسم مستعار (بارباروسا) للهجوم على الاتحاد السوفيتي، مشيراً الى الامبراطور (ستاوفر) الذي توفي خلال حملة صليبية، والتي حولها هتلر كرائد في مفهموم الثقافة الجرمانية.

أن جنون النازيين العنصري الحربي بمعاداة السامية، والقضاء عليهم تم تبريره بشعارات مناهضة للثقافة من أجل (الحفاظ على العرق الآري)، ووفقاً لدعاية هتلر في كتابه (كفاحي) ،يتوجب الحفاظ على الشخص الذي أنشأها ،هذا الحفظ المرتبط بقانون الضرورة الوقح وحق أنتصار الافضل والاقوى .

الفاشية جردت نفسها على أنها ديناميكية، لاهوادة فيها، كقوة معادية للبرجوازية ومتسامية للتجديد القومي، كطريق ثالث بين الرأسمالية والاشتراكية نحو مجتمع (شعب) جديد.

واكد غيورغه موسه على أهمية هذه المدينة الفاضلة "كانت جميع أشكال الفاشية الغربية تشترك في الهروب من الواقع الى أيديولوجية عاطفية، وصوفية، وهذا النوع من الثورة انتقل من رفض الواقع الى تمجيد الايديولوجيا، ومغادرة الهياكل الاجتماعية القائمة بوعوظ كي يكون الحق في الملكية الخاصة"

وتم الاخذ بالوعد الاشتراكي الذي ارتفع بشكل أيجابي، وتحول الى معاداة مادية وقومية ،ليس من خلال الطبقة، بل الامة المتجسدة في الشعب ككيان مفهوم عضوياً حاملاً للوعد الفاشي بدعايتها المميزة شبه الديني بالخلاص، والذي تم تقديمه بإيماءة ثورية ،فلم يكن الفهم الفاشي للثورة اجتماعياً ثورياً ،بل مشحوناً جمالياً ،بتوافق مع تفكير متأصل في القناعة بأن اسئلة الوجود مستقرة في المجالات الثقافية والعاطفية ،وبإفتراض أساسي للثورة الفاشية مفاده ،أن الحياة الاجتماعية يمكن أن تتغير بشكل عميق دون التدخل في الهياكل الاقتصادية القائمة.

وفي المراجعة التأريخية لنظام موسوليني يؤكد التقييم،من أنه على الرغم من أن الفاشية الايطالية في المجال الاقتصادي والاجتماعي وصفت نفسها بأنها ثورية ، الا أن النظام الاجتماعي لم يتغير في الواقع ،وبالتالي يمكن وصف الحكم الفاشي على نحو اكثر ملائمة بأنه ثورة من فوق ،وأصبحت كلمات رئيسية مثل الاخلاق، والفضيلة، والعنف من العناصر الرئيسية للبلاغة الفاشية ،وقد جمعت هذه المواقف منذ القرن التاسع عشر في السياسة الجمالية والرمزية والمسرحية بشكل أساسي من الحركات الثقافية القومية الى الحركة العمالية، وتضمنت بأختصار في قانون الدعاية المناهضة للديمقراطية والشيوعية  ،وفي سياق الازمة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية أتضح أنها فاشية جماعة قومية تربط الوعد بالخلاص مع توجه للترويج للمجتمع القومي كمكان للانتماء ضد مجتمع التعددية والعولمة بشكل متزايد ،وقد تم ترميز ذلك في شعار الفاشية الايطالية (صدق،إطاعة،حرب) وفي الشعار النازي (أنت لاشئ ،شعبك كل شئ).

وهي تعتمد على الطبقات المتوسطة والبرجوازية كقاعدة ووظيفة اجتماعية وكأساس في المرحلة الاولية ،وثم التحالف مع النخب التقليدية في الانتقال الى مرحلة السلطة، وتعبئة الطبقة المعادية للديمقراطية ،وللانقسامات السياسية التي تحصل في الحركة العمالية .

يجب التمييزبشكل أساسي بين الفاشية كحركة أجتماعية وسياسية، والفاشية كنظام للسلطة والحكم. ولهذه أهمية كبيرة لأن جميع الاحزاب الفاشية ترى نفسها في المقام الاول كحركة لتعبئة الجماهير سياسياً، والسعي من أجل نهوض قومي، ويجب أن يوضع في الاعتبار أيضاً، أن السمات الايديولوجية الفردية للفاشية قد تغيرت بشكل كبير، ولأجل القدرة على مقارنة الاشكال والمظاهر المختلفة للفاشية، اقترح الباحث الاميركي روبرت باكستون، من أن للفاشية خمسة مراحل متتالية:

1.ظهور الحركة.

2.جذورها في النظام السياسي.

3.الوصول للسلطة.

4.ممارسة السلطة.

5.التطور على المدى البعيد.

وكان البديل بالنسبة للانظمة الفاشية هو التطرف أو التراجع، ومثل هذه النظرة المتمايزة مفيدة لتحديد التطرف الفاشي .

معظم الفاشيات وصلت الى طريق مسدود في مكان ما، وتراجعت خطوة الى الوراء، وأحياناً تم الحفاظ على خصائص المراحل المختلفة في نفس الوقت، بينما كانت بذور الحركات الفاشية تنبت في معظم المجتمعات الحديثة في بداية القرن العشرين، لكن القليل منها كانت في النهاية أنظمة فاشية. فقط في المانيا النازية وصل النظام الفاشي الى اقصى آفاق التطرف.

ولهذا فأن فحص المراحل المختلفة من التطور الفاشي يجعل بالامكان أيضاً من تحليل مقارن لدرجة التأثير الفاشي والتهديدات المحتملة.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل