/
/
/
/

المحطّة الأولى:

 لم يكن عمرها قد تجاوز الخامسة عشر حين عادت من مدرستها يوماً، فوجدت عباءة نسائية مرتّبة وموضوعة بإتقان فوق سريرها، وقد قدّرت أن هذا من فعل والدها، لم تسأل ولم تتريّث بل فتحت شبّاك غرفتها المطل على بستان أهلها وصاحت على إحدى الفلاحات ورمت لها العباءة قائلةً: هذه من نصيبك.. وأعلنت من ذلك اليوم أوّل حالات تمرّدها على الواقع المجتمعي في أربعينات القرن الماضي.

لم تكن " سافرة جميل حافظ " مذ وعت سهلة الانقياد، فهي لم تُذعن يوماً لأي حَيف لحق بها شخصيّاً، ولم تكن قانعة بالذي تراه وتحسّه وتلمسه من ظلمٍ طبقي وفئوي يمنح الرجال صلاحيات لا حدود لها ويغمط حق النساء في العيش بكرامة.

المحطّة الثانية:

حينما بدأ سعيها لتغيير المعادلة المجتمعية غير المتوازنة وغير العادلة ، ترسّخ في قناعتها إن مجهودها الفردي لا يفضي الى نتيجة ولا يقوى على إحداث تغيير يُذكر أمام السطوة العاتية للأعراف والتقاليد والقيم البالية والسائدة وقتذاك ، ولمّا كان فكر اليسار قد تبنّى منذ بواكيره الأولى قضية الدفاع عن حقوق المرأة في المساواة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والسياسية ، أصبح عنصر جذب لها لا تملك سوى الاستجابة لإغراءاته الفكرية والأنانية رغم إنها تنحدر من عائلة ملاّكين كبار رغم هذا اندفعت بإيمان للإرتماء بأحضان هذا الفكر الذي يضر بمصالحها ومصالح أهلها شخصياً .

في نفس الوقت الذي بدأ سعيها وإنتماؤها تتضح معالمه، بدأ ولعها القديم في كتابة القصة القصيرة يظهر للعلن، إذ اخذت طريقها للنشر على صفحات الجرائد الوطنية آنذاك.

 المحطّة الثالثة:

عام 1954 تخرّجت من كلية الآداب / قسم اللغة العربية،

 وكان من زملائها حشدٌ من الطلبة الذين أصبحت أسماءهم بعدئذ تتصدّر قائمة المبدعين ، أبرزهم ( مظفّر النواب وغائب طعمة فرمان وسليم البصري وداود سلوّم وآخرون ) في سني الكليّة تبلورت مداركها واتضحت الرؤيا لديها أكثر وتيقّنت أن المرأة هي ليست الوحيدة مسلوبة الحقوق ، وإنمّا هناك صراعٌ طبقي دامٍ بين غالبية الشعب المسحوق من فلاحين وعمّال وكسبة معدمين بالكاد ينتزعون ما يسد رمق أطفالهم وعوائلهم ، وبين قلّة يمتلكون السلطة والمال والإقطاعيات الكبيرة من أرض العراق،  فأصبح انتماؤها لليسار واقعاً ، فانخرطت في النشاط النسوي التقدمي والتحقت بالرعيل الأوّل من المناضلات  ( نزيهة الدليمي ، عفيفة رؤوف ، روز خدّوري ، سالمة الفخري، إبتهاج الأوقاتي، حياة النهر ..وغيرهنّ ) وأسسّن رابطة الدفاع عن حقوق المرأة، الذي أصبح أوّل تنظيم تقدمي مؤثّر في المجتمع النسوي العراقي، كما انتسبت الى الجمعية النسوية الحكومية ( الأتحاد النسائي ) وكذلك أصبحت عضوة في جمعية الهلال الأحمر وأستطاعت أن تنشّط عمل هاتين الجمعيتين ودفعهما لتقديم المساعدات خاصة الى الشعبين الفلسطيني والجزائري .

وفي إنتفاضة 1952 تم إعتقالها للمرّة الأولى، فرفعت الكارت الأحمر بوجه ذلك النظام الرجعي القائم آنذاك، وأضحت المواجهة مكشوفة بينها وبينه، وأصبح لديها ملفّاً يتنقّل بين أقسام مديرية الأمن العامة، كما أصبح بيتها لا تفارقه العيون الراصدة لرجالات بهجت العطيّة.   لكنّها رغم إنغماسها في نشاطها السياسي عامة والنسوي خاصة، لم تنس " سافرة " همّها الإبداعي، فكتبت مجموعة من القصص استطاعت أن تخرج بها الى رفوف المكتبات تحت عنوان (دمى واطفال) عام 1956.

المحطّة الرابعة:

 بعد ثورة 1958 كانت ضمن مجموعة من الأدباء حضروا الأجتماع التأسيسي الذي تمّ في حديقة بيت الجواهري الكبير، وبه تم الأعلان عن تشكيل (إتحاد الأدباء العراقيين).

أصبح نشاطها ملحوظاً في رابطة المرأة العراقية خاصة بعد نشوب الصراع الدامي بين قوى اليسار وحلفاءه من تقدميين وديمقراطيين وبين التيّارات العروبية وحلفاءها من بقايا الأقطاع والنظام البائد، وأصبحت " سافرة " تمشي على خط النار.

 المحطّة الخامسة:

 تم أعتقالها بعد إنقلاب شباط الأسود عام  1963 وأودعت في أقبية قصر النهاية سيء الصيت ، وبعد ان جرى إعدام زوجها المناضل والقيادي الشيوعي البارز المحامي ( محمد حسين أبو العيس ) ، صدر بحقها حكم الأعدام ، لكن الجلاّد الذي أوكل إليه تنفيذ الحكم جبن أمام إستخفافها بالموت ، وأكتفوا بأن مارسوا معها أبشع أنواع التعذيب لقهر آدميتها وإسقاطها سياسياً وفكريّاً، الاّ أن عنادها المبدأي ورسوخ قناعاتها بالطريق الذي سلكته ، جعلها عصيّة على الرضوخ والأستسلام لوسائل الضغط النفسي والجسدي رغم قساوتها المفرطة وقد ضربت مثلاً أخلاقياً ومبدأياً خلافاً للمثل السائد أن الذي يصمد أمام التعذيب الوحشي هم فقط أصحاب المصلحة الحقيقية بالتغيير أي الفقراء والمعدمين ، وقضت سنة ونصف بين قصر النهاية وسجن النساء وبقية المعتقلات، وتمّ بعدها إطلاق سراحها بوساطات عدّة شرط أن تقضي سنة ونصف أخرى تحت الإقامة الجبرية .

المحطّة السادسة:

لم تبرح " سافرة " أرض الوطن كسواها ممّن تعرّضن الى مثل ما تعرّضت له من ترمّل وتعذيب وحشي الاّ لفترات محدودة أعادت الصفاء الى روحها وشحنت نفسها بشحنات الصبر والعناد الجديد، فمكثت أربعين عاماً وهي تراقب ما يجري على الساحة السياسية وما شهدته من تحالفات هزيلة لم تقوى على الصمود، وظلّت تكتب لنفسها ولم تلوُث قلمها ولا إسمها في النشر بصحافة النظام الدكتاتوري، وبقت تمارس كبرياءها أمام أنظار ذلك النظام دون أن يجد منفذاً للمساس بها، إذ لم تعطيه فرصة واحدة للوصول الى سمو قامتها.. وكان المتخاذلون الذين فقدوا إعتبارهم السياسي حينما يصادفونها، يعرضون عنهـــــا ويولوّن هاربين، إذ كانوا يشعرون بضآلتهم ومهانتهم أمام رفعتها.  كما أستعاضت نشاطها السياسي والأدبي في تلك الفترة بتأسيس (قاعة الدروبي) للفن التشكيلي لأحتضان التجارب الجديدة للفنانين الشباب الذين لم يجدوا فرصة للظهور.

المحطّة السابعة:

 بعد سقوط نظام القمع الأستبدادي عام 2003 تحرّك سريعاً الأعضاء المناضلون لأتحاد الأدباء للملمة صفوفهم وتجميع كيانهم وإعادة تأسيس الأتحاد، وقد أختيرت " سافرة " مجددّاً عضوة في هيئته التأسيسية الجديدة.

أستعادت " سافرة " مباشرة نشاطها فأصدرت مجموعة قصصية (14 قصة) والجزء الأوّل من روايتها (هم ونحن والقادمون) والجزء الثاني قيد الطبع، كما أصدرت مسرحيتين من فصل واحد.  وهي الآن عضوة نشطة في سكرتارية رابطة المرأة العراقية، وعضوة مجلس السلم والتضامن، وعضوة منظمة دعم الثقافة العراقية وعضوة منظمة الثقافة للجميع، وأصبحت الآن وجهاً مألوفا في وسط منظمات المجتمع المدني ومعروفة بشكل واسع كونها داعية من دعاة السفور وتحرير المرأة. ومساهمة منها لرفد الحياة الثقافية بتوفير فرص للقراءة لشتى صنوف المعرفة حوّلت الطابق العلوي لدار سكنها الى مكتبة عامة أطلقت عليها إسم (شمس الأمومة). 

وأخيراً ستظلُّ " سافرة جميل حافظ " قامة مديدة تعرفُ شوارع بغداد وقع خطاها عن بعد، وإسماً سوف تذكره الأجيال القادمة من نسائنا بأعتزاز كبير عرفاناً بتضحياتها وصبرها المستحيل.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل