/
/
/
/

حينما ظهرت الكورونا في الصين أطل ذوو الأفكار والنفسيات الانتهازية، والتي تخفي وراءها النزعات العدائية للآخر بسبب الاختلاف في النهج الاقتصادي، أو السياسي، أو الديني، ووزعوا اتهاماتهم في كل اتجاه.

ولكن بعد أن تفشى الكورونا في العالم، واخترق الحدود السياسية وتأثر به كل سكان العالم، اتضح أنه لا مجال لتوزيع الاتهامات على الآخرين، ولا يوجد هناك من هو لديه حصانة من خطرها، بل ان الخطر عام ويستهدف حياة الانسان على هذه الأرض.

ان خطر الكورونا عام ، ولا يحترم الخصوصيات بشتى أشكالها الثقافية أو العاداتية، أو الجغرافية، أو الدينية، أو العرقية، أو القومية، أو الطبقية، ولا حتى الجنس أو اللون.

ان هجوم الكورونا قد كشف، بشكل عاصف، عجز الدول عن الوقوف لوحدها أمام نشاط هذا الفيروس المميت، وبانتشاره السريع كشف النقص الحاد في وسائل الدفاع عن النفس، سواء الدوائية أو الوقائية أو السلوكية أو العاداتية.

كما أظهرت الكورونا فشل كل المخزونات العسكرية بكافة أنواعها التقليدية، أو الحديثة، من قنابل نووية أو هيدروجينية، وصواريخ عابرة للقارات، اذ أثبتت فشلها في ايقاف هذا العدو غير المنظور، المختلف في وسائله وتأثيراته المميتة، والذي لا يعترف بالخصوصيات الدولية، ولا بموازين القوى.

كما أثبت الكورونا عجز مالكي المليارات المتكدسة والرساميل في البنوك، والمعادن الثمينة في إيجاد وسيلة لإيقاف تفشي هذا الفيروس.

الكورونا أثبت افلاس المؤسسات الصحية في النظام الرأسمالي على مستوى العالم وعدم قدرتها على التصدي لهذا الفيروس لأنها كانت مُدارة بهدف تحقيق الأرباح ، والنظر الى الأمراض وانتشارها باعتبارها فرصة لزيادة المكاسب ...

كما كشف الكورونا حجم الاستهتار بحياة الانسان، وظهور دعوات للمناعة المجتمعية بعد التخلص من كبار السن الذين يُثقلون كاهل ميزانية الدولة، والذين يتكدسون في الكثير من البلدان.

الكورونا كشف خواء الأنظمة العشائرية والديكتاتورية والفردية التي تتصرف في منتوج البلاد بوصفه ملكية خاصة لرفاهيتها ونزواتها، ومن جانب آخر لتكريس سلطتها ودعم أجهزتها الأمنية لإرهاب الشعب وتكميم الأفواه، ووأد الأصوات الداعية الى الحرية والعدالة في التوزيع بهدف إطالة عمرها الافتراضي في الحكم.

الكورونا أثبت إفلاس إدعاء دعاة الأديان أن الدعاء للغيب والصلوات والنذور والطقوس والقرابين لها قدرة على حل المشاكل الصحية للانسان وتعديل حياته للأحسن. كما أثبتت حجم وكذب الترويج للطب النبوي والتداوي بالأَحجية، والادعاء أن لها قدرة على إشفاء الانسان من الأمراض على اختلاف مُسبباتها.

كما أثبت الكورونا كذب الادعاءات الفردية وأصحاب الخصوصيات الدينية والمذهبية أو القومية، بأنها محصنة ضد الكورونا.

وهناك مظهر قد برز على سطح أحداث الكورونا وهو قدرة أنظمة الحكم ذات التوجه الاشتراكي على امتصاص الأزمة الصحية التي سببتها الكورونا بين مواطنيها في وقت قياسي، والانتقال الى مساعدة الدول الرأسمالية التي اقتربت من انهيار نظامها الصحي – مساعدتها – في الصمود بوجه هجمة الكورونا سواء بإمدادها بالمواد، أو الأدوات والخبرة في ادارة الأزمات الصحية. فقد بادرت دولة كوبا الاشتراكية والصين الى ارسال الطواقم الصحية المتخصصة الى ايطاليا بعد الوصول الى حافة انهيار المنظومة الصحية لديها.

وباء الكورونا دفع النظام الرأسمالي نحو أزمة عميقة. أسواق الأسهم تنهار، ويبدو أن الركود الاقتصادي أمر محتوم، وعدم كفاءة الطبقة الحاكمة وقادتها السياسيين الذين  يتم فضحهم في كل مكان.

فبدلاً من اتخاذ إجراءات مركّزة على التفشي، نرى أن ميل الطبقة الحاكمة هو نحو حماية السوق الحر بشركاته وبنوكه، والإسراع من أجل حشد المؤن الطبية ومحاولة الحصول على حقوق ملكية للقاحات.

الحكومات البرجوازية حاولت أن تجبر الطبقة العاملة على العمل بالرغم من وجود هذه الحالة الطارئة، حيث تم منع التجمعات لكن ما زالوا يجبرون البعض على العمل وبدون أي معدات لحمايتهم.

لكن في بعض الأماكن جاء الرد من العمال، حيث رأينا عدة إضرابات في البلدان المتضررة مثل ايطاليا، مما أجبر رجال الأعمال على الخضوع.

والاستنتاج الذي لا مفر منه هو أن الكورونا أثبت بما لا يقبل الشك أن الرأسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي قد استنفذت أغراضها زمنياً ، وهي تُصارع في الزمن للبقاء على قيد الحياة بعد أن انتهى عمرها الافتراضي لأنها تجعل من جني الأرباح وتضخيمها في يد الأفراد أو الشركات هدفها الأساسي، دون اعتبار للجموع الغفيرة من الطبقات العمالية وحاجاتها الحياتية، ولا مدى ونوعية الأخطار التي تتهدد حياة الانسان والانسانية ...

وأثبت أن الرأسمالية كمجتمع تلعب فيه المنافسة الشرسة والبطالة والأزمات الانتاجية الدورية، وتسخير الاقتصاد للتسلح كمصدر قوي للتربح عن طريق التفنن في اشعال الحروب، من السمات الأساسية لوجوده، لم تعد تصلح اقتصادياً ولا اجتماعيا ولا صحياً ولا انسانياً لإدارة المجتمع الانساني. وبالتالي لم تعد الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية تعتبر هي النظام الاقتصادي الأبدي لحياة الانسان.

هذا الفيروس هو بداية فترة صاخبة في تاريخ العالم، وهي فترة سترفع من وعي الجماهير بسرعة حينما يتم تعرية النظام الرأسمالي ومؤسساته وقادته.

وأخيراً ، فإن الكورونا أثبتت أن التعاون المجتمعي وتوجيه العمل والمنتوج الاجتماعي لخير الانسان هو الطريق الأمثل لخير الانسان على هذه الأرض.

ان الكورونا العابر للحدود السياسية أثبت أن "الاشتراكية هي الحل".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عن "الحوار المتمدن" - 2 أيار 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل