/
/
/
/

أشار ماركس إلي أن الرأسمالية في سعيها المحموم لتحقيق أقصى الأرباح تدمر البيئة. وجاءت التطورات الراهنة لتؤكد أن التراكم الرأسمالي والتوسع اللامحدود للسوق يتعارض مع متطلبات حماية البيئة والانسان، وأن قانون القيمة يجعل من الصعب توقف الرأسمالية عن نهب الموارد الطبيعية واستغلال قوة العمل. فالرأسمالية تعتمد على الاستحواذ على الموارد الطبيعية (الماء، الخشب، الأرض ، المعادن.. الخ)، وأن قضية البيئة لا تنفصل عن القضية الاجتماعية، فالرأسمالية لا تمتص رحيق الحياة من البشر، بل تمتصها من الطبيعة والكوكب الذي يحتضننا جميعا بلا رقيب أو حسيب. في الرأسمالية لا يمكن الفصل بين بين التناقض بين الرأسمال والعمل، وبين الرأسمال والطبيعة. كما يقول ماركس في مؤلفه، رأس المال، المجلد الأول: "كل التقدم المحرز في الزراعة الرأسمالية هو تقدم في نهب العامل وتدمير التربة، وكل التقدم المحرز في زيادة خصوبة التربة لفترة معينة، هو تقدم نحو تدمير المصادر الداعمة لتلك الخصوبة". كما أشار ماركس الى أنه "لا يمكن تلبية الاحتياجات الأساسية المادية والروحية للإنسان بدون علاقة جيدة مع البيئة".
جاءت تطورات الأحداث بعد أزمة كورونا لتؤكد عمق أزمة الرأسمالية وخطورة المستوى المتقدم الذي وصلته في تدميرها للبيئة الذي كان له أثره في الدمار الاقتصادي أكثر من أزمات الرأسمالية السابقة، فقد ظهرت أزمة كورونا، وقبلها ظهرت الأوبئة التالية:
• فيروس نقص المناعة " أيدز" الذي ظهر في ثمانينيات القرن الماضي.
• متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) في 2003.
• انفلونزا الخنازير في 2009.
• متلازمة الشرق الأوسط التنفسية في 2011 .
• فيروس "ايبولا" في الفترة من 2014 الى 2016 .
وهي أوبئة جاءت نتاجا لتدمير البيئة والطبيعة والغابات، ومن صنع الرأسمالية وسعيها المحموم للربح وتدميرها للبيئة، حيث تولدت بسبب رداءة معايير الصحة، وتدمير النظم الطبيعية، والترابط النامي في عالم تسوده العولمة. لا شك أنه في ظل استمرار الجشع الرأسمالي وتدمير البيئة سوف تتكرر تلك الأوبئة، وتكون تكلفتها الاقتصادية والصحية ومخاطرها أشد بكثير من الراهنة.
وقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية بأكثر مما حدث في أزمة 2007 – 2009، التي لم تتم معالجة آثارها جذريا حسب منهج الرأسمالية في المسكنات أو تهدئة الأزمة التي سرعان ما تنفجر من جديد، مما أدي لتفاقم الأزمة بشكل حاد، ويجري الانتقال من الركود الأعظم الى الكساد الحاد بسبب الآتي:
- تراكم الديون والعجز عن سدادها، والتصدي لأزمة كورونا، والعجز المتوقع أن يصل الى 10 % من الناتج المحلي الاجمالي، وارتفاع مستويات الدين العام في دول كثيرة، وفقدان شركات وأسر لدخلها، وارتفاع دين القطاع الخاص الى حد لا يطاق، وتزايد حالات الافلاس والعجز عن سداد الديون.
- تصاعد نضال الطبقة العاملة والكادحين والفئات المتوسطة من أجل تدخل الدولة التي عجزت عن مواجهة الوباء، لتحسين الخدمات الصحية، بعد تهاوى سياسة الليبرالية الجديدة التي اعتمدت الخصخصة وتشريد العاملين ورفع الدولة يدها عن خدمات التعليم والصحة وتقليص الضمان الاجتماعي وحماية الشيخوخة والأمومة والطفولة، باعتبار أن الرعاية الصحية الشاملة كما أكدت جائحة كورونا من الضروريات لا الكماليات. اضافة لتصاعد النضال ضد البطالة جراء فقدان الملايين لوظائفهم، وانخفاض الأجور، واشتداد حدة الصراع الطبقي والاجتماعي واضرابات العاملين بسبب تدهور الاوضاع المعيشية والاقتصادية ونقص الخدمات الصحية، وتفشي البطالة، وعدم المساواة والأمن الاقتصادي، وتأثر الطبقة العاملة (ذوو الياقات الزرقاء) بالأزمة.
- تنامي خطر الانكماش الذي يؤدى لركود ويخلق كسادا هائلا في البضائع، واغلاق المصانع أو تقليل العمالة، أي ركود في سوق العمل (البطالة).
- انخفاض أسعار النفط والمعادن الصناعية، وأثره على الدول المنتجة لها.
- استمرار انخفاض قيمة العملة، وتراجع العولمة والنزوع للحماية.
- تزايد الاستقطاب الطبقي جراء التفاوت في الدخل والثروة، وارتفاع نهب البلدان الرأسمالية للموارد الطبيعية في البلدان المتخلفة لتعويض الخسائر والمزيد من افقارها وتفكيكها، وخلق الحروب الأهلية والأزمات والفوضى داخلها بهدف نهبها، وتقليل المساعدات لها، والتدخل في شؤونها الداخلية، كما حدث في فصل جنوب السودان.
- تزابد شدة الاستغلال للعاملين عن طريق امتصاص فائض القيمة النسبي منهم، بإحلال التكنولوجيا والآلة محل الانسان، مع الضغط لانخفاض الأجور، وتزايد البطالة جراء تشريد العاملين والمزيد من افقارهم.
- التضليل الايديولوجي للكادحين حول الأزمة وتصويرها ليست ناتجة عن الرأسمالية التي تعمق التفاوت الطبقي والعنصري والجنسي والقومي وبين البلدان الرأسمالية المتطورة والنامية، لكنها ناتجة من الأجانب، وتأجيج النزعات العنصرية والقومية، وكراهية الأجانب، ونمو النزعات الشعبوية الفاشية.
- اشتداد التناقض بين نمط الإنتاج الرأسمالي الذي كان منذ نشأته يتجاوز الحدود القومية بحثا عن الأسواق منذ اكتشاف السكة الحديد والسفن البخارية والكهرباء والطائرات في الثورة الصناعية الأولى والثورة الصناعية الثانية التي ارتبطت بثورة المعلومات والكمبيوتر، وتزايد وتائر العولمة كما هو الحال الذي نعيشه. التي أدت الى ترابط العالم، والاتجاه للتعامل مع جائحة كورونا بالعزلة وتشديد الحماية، والمحاولة اليائسة لتفكيك العولمة، باشتداد القيود والأحكام على حركة البضائع والسلع والخدمات والأموال والعمالة والبيانات والمعلومات، كما يحدث الآن في قطاعات الدواء والمعدات الطبية والغذاء، وفرض القيود على التصدير.
- هروب الدول الرأسمالية وعلي رأسها أمريكا للأمام والعودة للحرب الباردة بتحميل الصين مسؤولية جائحة كورونا، ورفض الصين لذلك باعتباره تآمرا من أمريكا لمنع تقدمها، ليس ضد الصين فحسب، بل ضد روسيا وايران وكوريا الشمالية، وتصعيد الحرب الجرثومية والالكترونية السرية، وتصعيد النزعات العسكرية، والاستمرار في صرف تريليونات الدولارات للمجمع الصناعي العسكري الأمريكي، بدلا من توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين في الصحة والتعليم ومستوى المعيشة الرافي والأمن والاستقرار، وحماية الشيخوخة والطفولة والأمومة، وبناء علاقة عقلانية مع البيئة، ووقف الحرب الجرثومية والانحباس الحراري، وتدمير الغابات، وقيام نظام أكثر تعاونا واستقرارا خاليا من التوترات والحروب، والاستعداد للتصدي للكوارث والأوبئة التي سوف تتكرر، مما يؤكد ضرورة تجاوز الرأسمالية الى الاشتراكية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن: موقع الحزب الشيوعي السوداني – 2 أيار 2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل