/
/
/
/

اثبتت التجربة التاريخية ان قوة الدولة وهيبتها لا تستقيمان ما لم تأخذ الدساتير والتشريعات القانونية دورها في الحفاظ على النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية وتحقق العدالة لمواطنيها من خلال توزيع الثروات المادية بينهم وتأمينها من عبث الفاسدين الاشرار ولن يتحقق كل ذلك دون رقابة الدولة ولهذا تم انشاء الاجهزة الرقابية التي تختلف تسمياتها في دول العالم   لكي تؤدي هذه الوظيفة بكفاءة عالية.

ومن الطبيعي ان درجة الفساد وسعة مساحته تختلف من دولة الى اخرى ومن مرحلة لأخرى تبعا لشكل نظام الحكم وعقيدته في ادارة الدولة  ولهذا يمكن الحكم على فساد الدولة في المرحلة الراهنة  بحسب موقعها في قائمة منظمة الشفافية العالمية  ولغرض الحد من الفساد الذي انتشر بصورة لا مثيل لها بعد الاحتلال في عام 2003 حيث استبيح العراق من اقصاه الى اقصاد فكانت هذه الفاجعة منطلقا لتأسيس مجموعة من الاجهزة الرقابية فبالإضافة الى ديوان الرقابة المالية الذي كان قديم عهد بين هذه الاجهزة وعرف بدوره المشرف في الكشف عن الفاسدين  في جهاز الدولة ، اضيف اليه مكاتب المفتشين العموميين بموجب قرار الحاكم الاداري الامريكي بريمر رقم 57 لستة  2004 والتي تم الغائها بالقانون رقم 24 لسنة 2019 بالإضافة الى الدور الرقابي للبرلمان هذا عدا اقسام الرقابة الداخلية في الوزارات ليجلس في قمتها مجلس مكافحة الفساد الذي تم تأسيسه في حكومة السيد العبادي ، وبالرغم من كثافة هذه الاجهزة فان الفساد قد تمدد ليشمل ادنى السلم  في الجهاز الحكومي.

واذا استثنينا ديوان الرقابة المالية الذي سجل صفحات مشرقة في مجال الرقابة في عهود سابقة فان الاجهزة الاخرى قد اسهمت في تفشي ظاهرة الفساد لهشاشة بنيتها وتغول الاحزاب المتهمة بالفساد المهيمنة عليها واصبحت لهذا السبب اداة لنهب الثروة وفي هذا المقال سنتوقف عند نشاط ديوان الرقابة المالية ولو بصورة جزئية من اجل تسليط الضوء على دور هذا الجهاز في مراقبة اداء الحكومة.

في الفصل الاول من عام 2019 أصدر ديوان الرقابة المالية تقريرا موسوعيا عن عمل الاجهزة الحكومية بثلاثة فصول اشتمل الفصل الاول على التوقف عند الظواهر العامة المشتركة بين ادارات الدولة اما الفصل الثاني فيشتمل على نتائج تنفيذ رقابة المشروعية ويضم ثلاثة اقسام القسم الاول يخص مجلس الوزراء اما القسم الثاني فيتعلق بالوزارات والقسم الثالث يتناول الدوائر غير المرتبطة بوزارة فيما يتضمن القسم الرابع من التقريرالمحافظات ومجالسها واما الفصل الثالث فيتضمن شؤون الديوان ونتائج تنفيذ العمل الرقابي للفترة بين 1/1-31/3/2019 وبالنظر لغزارة البيانات فسأختصر تناول الجانب المتعلق بمخالفة القوانين والانظمة والتعليمات  في هذا  المقطع الزمني وفي  تقاريره البالغة 978 والتي   وضع اليد فيها على  مخالفات عديدة وما سنشير اليه  ليست سوى امثلة مقتضبة ماخوذة من موسوعة التقارير  :

  • ان العديد من دوائر الدولة والشركات العامة لم ترسل بياناتها المالية للسنة المنتهية في 31/12/2018 والتي يتوجب عليها تقديمها في 1/2/2019 ويعد ذلك مخالفة لقانون الادارة المالية والدين العام رقم 95 لسنة 2004.
  • البعض من التشكيلات تقوم بالإجابة الجزئية على الاسئلة التي يتضمنها تقرير ديوان الرقابة المالية لاسيما الجزء المتعلق بالتقرير الاساسي الموجه الى الوزير واهمال الاجابة عن الاسئلة الاخرى وان تلك الاجابات موقعة من قبل الأشخاص غير المخولين وان بعض البيانات المرسلة الى الديوان لم تستوف متطلبات التدقيق ويترتب على هذا النقص الدخول في دوامة المراسلات الروتينية وهو ما يسبب هدرا في الوقت مما يجعلها ترتكب مخالفة قانون ديوان الرقابة المالية رقم 31 لسنة 2011..
  • ان اغلب الشركات تظهر عجزا مستمرا من سنوات سابقة بالإضافة الى العجز المتراكم لأغلب تلك الشركات بنسبة 50 في المائة ما يؤشر الى ان الوزارات المعنية لم تقم بأعداد وتقويم اقتصادي ومن ثم تقديمه الى مجلس الوزراء لاتخاذ اللازم وبذلك تكون قد خالفت قانون الشركات العامة رقم 22 لسنة 1997 المعدل.
  • ومخالفات اخرى لتعليمات تنفيذ الموازنة الاتحادية الجارية والاستثمارية ترتكبها بعض الدوائر عبر صرف مبالغ التخصيصات المالية المخصصة للموازنة الاستثمارية لأغراض الانفاق التشغيلي الامر الذي يترتب عليه اعاقة عملية التنمية الاقتصادية عن قصد وسبق اصرار مع ما يصاحب هذه المخالفات.
  • والاهم من كل ما تقدم من المخالفات هي تلك المتعلقة بمخالفة تعليمات تنفيذ العقود الحكومية والقوانين والتعليمات الاخرى الخاصة بتنفيذ العقود والتي تتجلى بتأخر المتناقصين عن التوقيع ضمن المدة المحددة ما يترتب

على هذه المخالفات تأخر انجاز المشاريع المحالة اليهم او عدم قيام الشركات المتعاقد معها بتقديم الاعمال المماثلة يضاف الى ذلك عدم قيام لجان تحليل العطاءات باحتساب نسب الترجيح للعروض المالية والفنية لأغراض المفاضلة والترجيح وعدم دقة وتحديث الكلف التخمينية وعدم تحديد تاريخ المباشرة بصورة واضحة في العقد وعدم اطلاع وزارة التخطيط لغرض التحقق من صحة وسلامة موقف الجهات المتعاقد معها من الناحية القانونية (القائمة السوداء)، وفي غالب الاحيان عدم تقديم براءة الذمة للمتعاقد.

  • والاهم من كل ما تقدم فان الملاحظ على معظم العقود تدني نسب الانجاز بسبب التلكؤ والاهمال من قبل الشركات المنفذة وفي نفس الوقت عدم قيام الجهات الحكومية المتعاقدة باتخاذ الاجراءات القانونية خلافا لتعليمات تنفيذ العقود الحكومية.

من كل ما تقدم يتضح ان اموال الدولة معرضة للهدر عبر العقود التي تبرم بصورة مخالفة للقوانين واهمال دوائر الدولة في متابعة تنفيذها كما اظهرت تقارير ديوان الرقابة المالية ليس فقط ضعف الانجاز وانما مخالفة القوانين والتعليمات في صلب هذه العقود وتفاصليها التي تكمن فيها شياطين الانس.   يمكن القول ان هذه المخالفات قد وقعت عن قصد وسبق اصرار بسبب غياب عنصري الكفاءة والنزاهة وهذا لا يمثل الا غيضا من فيض للانتهاكات التي تتعرض لها الدولة مما وضعتها في مصاف الدول الاكثر تخلفا.

 يتبع

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل