/
/
/
/

مع أواخر ثمانينيات القرن الماضي طلع علينا المنظّر الأميركي الشهير ( من أصل ياباني ) بمقال تحت عنوان " نهاية  التاريخ " يحتفي فيه مبتهجاً ؛ ليس بانتصار  النموذج الرأسمالي الليبرالي الذي يبشر البشرية جمعاء بصحته وصلاحيته لكل دول العالم فحسب ، بل وبأن التاريخ ها هو قد أنتهى بهذا النموذج لا ينازعه فيه منازع  ، وذلك على إثر بداية انفراط أنظمة دول " المنظومة الاشتراكية " في اوروبا الشرقية حينذاك وسقوطها  تباعا ، بالتوازي مع وصول الأزمة التي يعاني منها الاتحاد السوفييتي  - القوة العظمى الغريمة لبلاده -  إلى ذروتها ؛  وبخاصة في ظل ما عبّر عنها سياسيا إفلاس القيادة السوفييتية ممثلةً في أضعف قائد سوفييتي  ، ميخائيل جورباتشوف ، بمحاولة  حل الازمة  داخلياً بشعارات رنانة ، صحيحة لكن فات أوانها وتُطبق بذهنية  يمينية تهادنية مفرطة  مع أعداء لاشتراكية في الداخل والخارج ؛  من قبيل : البيروسترويكا ، والتفكير الجديد ، وإعادة البناء ( الجلاسنوست ) إلخ ؛  و حيث تخفي أيضاً تحتها نهجاً انتهازياً عبثياً لإستمالة الغرب ومغازلته  ( وعلى رأسه أمريكا ) وتقديم شهادة حسن سيرة وسلوك له تكاد تكون مجانية ومن طرف واحد ، بغية الحصول على دعم الغرب نفسه ، سياسياً واقتصادياً ، لتجاوز  الأزمة الداخلية أو تخفيف حدتها . 

مقالة فوكو ياما التي حظيت بأصداء أمريكية وغربية واسعة النطاق في التفاعل والترحيب بها نُشرت في الأصل في مجلة "  ناشيونال انترست " " صيف 1979 ، ثم توسع فيها وأصدرها كتاباً أواخر التسعينيات ؛  و إذ أسرف فيها بتبشير  العالم ب " نهاية التاريخ "، لربما توهم صاحبها بأن سخط شعوب العالم من النموذج الغربي الذي تمثله الدول الرأسمالية الكبرى ، وعلى رأسها الولايات المتحدة ، هو بفعل ما لعبه الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه وقوى اليسار العالمي من دور في خلق هذا السخط وتراكمه ، وفي عدادها قطاعات واسعة من شعوب الدول الرأسمالية نفسها.  ولكن فاته أن اليسار كتيار سياسي شعبي عريض يمثل المحرومين والطبقات المضطهدة وُجد تاريخياً - بغض النظر عن الفكر المعبّر عنه دينياً أو سياسياً وفق التشكيلة الاجتماعية السائدة - منذ أن أنقسمت الشعوب أو الجماعات البشرية إلى طبقات وتشكلت الدول والامبراطوريات المستبِدة  الممثلة والمنحازة للطبقات القاهرة ضد الطبقات المقهورة  في شتى أرجاء المعمورة ؛ وذلك منذ ما قبل مجيء كارل ماركس بقرون أو عصور طويلة ؛  و ما كان لماركس من دور سوى أن قُيّض له تاريخياً أن يكون الإبن الشرعي لبيئته الاجتماعية  الصناعية في تطور علاقات الأنتاج التي جاءت به الثورة الصناعية بما بلغته من مستوى متطور في القرن التاسع عشر؛ لينحاز الرجل للطبقة العاملة التي هي بدورها وليدة الثورة الصناعية و المستغَلة ( بفتح الغين ) من قِبل الطبقة المستغِلة  ( بكسر الغين ) الرأسمالية . بعبارة اخرى كان ماركس الإبن الشاهد على بيئة عصره الراصد بعين فاحصة في اكتشاف خصائص الطبقة الرأسمالية وأسرار قوتها في شراء واستغلال قوة العمل المتمثلة في الطبقة العاملة الواقع عليها الجور القسري من فعل الرأسماليين وسلطة الدولة أو النظام السياسي الذي يمثلهم. وقد جاءت مساهماته العبقرية الهامة بمثابة منعطف تاريخي حاسم  في مسيرة تطور فكر ونضالات اليسار العالمي بفضل تشييده منظومة فكرية - نظرية علمية عالمية رصينة وذات مداميك قوية لم تزل  تحتفظ - بوجه عام - بصحتها حتى يومنا هذا ؛ حتى أخذ مفكرون غربيون يسلمون بصحة على الأقل جوهر بعض أهم وجوهها الاقتصادية ومقدرته الفذة في التنبؤ  بأزمات الرأسمالية الدورية الأشبه بالقوانين الاقتصادية، وذلك  منذ أزمة الركود الذي واجهته الرأسمالية ( 2008 -  2009 ) بغض النظر عن متغيرات هائلة اقتصادية وسياسية واجتماعية شهدها العالم على مدى مائة وأربعين سنة على رحيل المفكر العبقري الذي سبق عصره والعصور اللاحقة حتى يومنا هذا .

لكن سرعان ما  تقوضت - كما نعلم - أفتراضات فوكو ياما  التبشيرية بنهاية التاريخ ، فما أن  أنهار الأتحاد السوفييتي حتى ظهرت مجاميع واصطفافات طبقية وقوى جديدة متضررة من الرأسمالية في طورها المتوحش لا تحمل الفكر الماركسي ، لكنها  تبدي احتجاجاتها القوية ضد الرأسمالية تحديداً ، رغم أنها  جاءت من مواقع اجتماعية مختلفة لا تقتصر على الطبقات العاملة ، وإن شاركت قوى يسارية فيها إنما  لم يكن لها دورها فيها هو الحاسم في تلك الاحتجاجات الشبابية .  وقد برزت احتجاجاتها في محطات ومناسبات عديدة يصعب حصرها، حتي داخل الولايات المتحدة  نفسها ، بدءاً منذ التسعينيات ، منها على سبيل المثال لا الحصر : لاحتجاجات العارمة التي شهدتها مدينة سياتل ، ومدن اخرى أمريكية وأوروبية ، والمظاهرات السنوية ضد مجموعة " قمة العشرين " التي أصبحت تقليداً سنوياً ، ناهيك عن احتجاجات جماعات البيئة التي برزت منذ الثمانينيات . وبالتالي فالرأسمالية بطبيعتها الاستغلالية، وبخاصة في طورها المتوحش، هي  نفسها تولّد التناقضات المعادية لها.

وهاهي أخيراً قد  تعرت أخلاقها بامتياز مع تفشي جائحة "  كوفيد - 19  " ، وكلنا نعرف بطبيعة الحال بأن الشواهد على ذلك أكثر مما تحصى ، حتى باتت تغطي معظم البلدان التي اجتاحها  الوباء ، ومنها على وجه الخصوص التي تتصدرها في عدد الإصابات والوفيات ، كإيطاليا  وأسبانيا وأخيراً الولايات المتحدة  التي مافتئت  بؤرة انتشاره فيما يحصده من ضحايا وموتى بعشرات الألوف ( والحبل على الجرار ) أي بأرقام تخطت ضحايا كل حروب أميركا الخارجية .  ومع  أن ثمة محطات مهمة من الأحداث العالمية خلال فترة الثلاثين سنة الماضية نفسها ( 1990- 2020 ) تعرت خلالها الأخلاق الحضارية المزعومة للرأسمالية العالمية  ، إلا أن المحطة التاريخية الراهنة - ممثلة في جائحة كورونا -"هي المحطة الأهم ، في تقديرنا التي وضعت  تلك الأخلاق العفنة على محك الواقع الفعلي أمام مرأى الرأي العام العالمي بأسره بلا رتوش ؛ ودونما حاجة لتوعيته وتنبيهه عنها سواء من قِبل  قوى اليسار أو أي من قوى تمثل شرفاء العالم  . 

على أن كتّاب اليسار، من باحثين ومحللين ومتخصصين كبار في شتى مجالات العلوم الإنسانية والعلمية،   إ نما برز دورهم في هذه المحطة / المرحلة من خلال ربط تلك الظواهر المتجردة من كل معايير الاخلاق والقيم الإنسانية ووضعها تحت المجهر العلمي المادي  لتشريحها  وربطها بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحيث لم يستطع حتى كبار مفكري الرأسمالية  ومنظريها تبريرها . وفي هذا الشأن نستطيع القول بأنهم استطاعوا عن جدارة على تفاوت مستوياتهم وخبراتهم وتجاربهم ومؤهلاتهم  أن يدبجوا مئات المقالات والدراسات العلمية الرصينة ؛  ولربما أعداد منهم  تعكف الآن على تأليف كتب قد تصدر خلال الجائحة، وبعضها الآخر لعله يصدر بعد استصال الفيروس من على وجه البسيطة . لكن ثمة كتابات نُشرت ليساريين بدت وقد شطح الخيال بكتّابها إلى ما هو أبعد من تعرية وإدانة الرأسمالية، ليس إلى التبشير بقرب زوالها فحسب، بل و نحى بعضهم الآخر للأسف منحى الحنين اللاشعوري بتذكير العالم بإيجابيات النماذج  الاشتراكية السابقة أواخر القرن الماضي ، وكأنها معجزات مبهرة لا يأتيها الباطل لا من أمامها ولا خلفها ، ولم يتحقق العديد منها مقترناً  البتة بأي تجاوزات خطيرة من مطبات الممارسة والتطبيق ! . وهذا في تقديرنا ليس مما يجانب الصواب فحسب  ؛  بل يفضي موضوعياً انطلاقاً من حسن نوايا إلى نتيجة عكسية في وصول الرسالة للمتلقي القارئ ، أكان ممن سبق الإطلاع لهم بهذا القدر أو ذاك على تلك الممارسات وتكونت لديهم صورة وردية من ثم أضحوا شديدي الاحباط من تلك التجارب بعد سقوطها لكنهم غير معادين للفكر الاشتراكي ، أم من المعادين له ومطلعين إطلاعاً واسعاً كافياً عليها ( التجارب ) لكن بعيون طبقية  ماكرة حاقدة لا بعيون ناقدة نقداً موضوعياً محايداً على الأقل  ، ومن ثمَ قد يستغل مثل هؤلاء الأعداء الطبقيين  مثل تلك الكتابات لتوظيفها مجدداً في  انتقاداتهم الديماغوجية المضللة الخبيثة والتي قد تشوش عقول من يتمتعون بمناعة فكرية هشة هي أجدر بأن تتقوى لتكون في صف اليسار في هذه المرحلة التاريخية الحساسة . 
وتأسيساً على كل ما تقدم نرى أن المحطة التاريخية الراهنة المتمثلة في جائحة كورونا التي نحن شهود على فصولها التي لما تنته بعد ، إذ تشكل فرصة مثلىٰ لقوى اليسار في العالم للملمة صفوفه وتقويتها وانهاء انقساماته فإنه ينبغي ألا تقتصر على ترديد خطاب فضح أخلاق الرأسمالية فحسب ، رغم  أهميته ومشروعيته ، أو الإفراط في التغني بالماضي العتيد لأمجاد الاشتراكية ؛  بل يتوجب عليها بأن يقترن كل ذلك بتقديم نفسها للجماهير المتلقية كقوى يسارية جديدة ديمقراطية متماشية مع روح عصر ما بعد " الانهيار " - قولاً وتطبيقاً - وذات مصداقية قولاً وفعلا وخُلقاً أيضاً ؛ لتكون قادرة على اقناعها بجدارة كممثلة بديلة عن كل القوى اليمينية والشعبوية والرجعية ، وبخاصة ذات الفكر الإسلاموي السياسي في عالمنا العربي  التي تمكنت من  استمالة شرائح منها  إلى صفوف، ثم نجحت - بدرجة أو اخرى - مستغلةً في ذلك ظروف الانكسار الكبير الذي ما برح اليسار العالمي - وفي عداده العربي - يعاني منها منذ ثلاثة عقود على انهيار " المنظومة  الاشتراكية " . وهذا لن يتأتى بطبيعة الحال إلا من خلال إعمال الفكر والعقل من أجل استعادة قوى اليسار زمام المبادرة في صفوف الجماهير والقوى الإجتماعية والطبقية المتضررة من الأنظمة القائمة ، إن في عالمنا  العربي ، وإن في البلدان الرأسمالية نفسها ، وإن في البلدان الاشتراكية السابقة ، وذلك حسب الظروف النضالية الملموسة في كل دولة على حدة ، فضلا عما يمكن القيام به من نضالات اممية مشتركة  ، وصولا لرسم معالم الطريق الصحيح الذي يحدد المهام النضالية الاستثنائية الجديدة وذات الخصوصية والسمات المتوافقة مع ظروف عصرنا الدولي الراهن خلال مرحلة جائحة كورونا ، لا سيما وأن  كل الشواهد تُنبئ مسبقاً بأن الظروف ستكون مهيأة سياسيا واجتماعياً تماماً لقوى اليسار العالمي لملء الساحة ولخوض غمار هذه النضالات في مرحلة ما بعد زوال الوباء ، ولن تكون بطبيعة الحال هذه النضالات معبدة الطريق سهلة  بعد سنين طويلة من الانحسار.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل