/
/
/
/

قد يبدو من الخطأ أو المستحيل تماماً التركيز على أي شئ آخر للخلاص من وباء(الكورونا) من أجل البقاء، ومن المعقول أطلاقاً القول، بأنه لا ينبغي لنا أن نتعلم الدروس الا بعد تجاوز الوضع الحالي. لكن هشاشة مجتمعنا، الذي جعل الحاضر مؤلماً للغاية هو بالضبط السبب وراء عدم تأخير بعض المناقشات، ومعاناتنا بسبب أفعالنا يمكن أن تكون أكبر بكثير بما نمر به حالياً.

تخيل أن بلداً يُجري تطبيق التباعد الاجتماعي بين الناس، وفي المقابل البلد الجار المجاور بحصر عشرات الالاف من المواطنين حشراً في ملاعب رياضية كبيرة، يُزرَقون فيها بأدوية جينية كي تساعد مواطنيها في الحفاظ على الانتاجية، لكن الحظ يعاكسهم وتظهر آثار مؤسفة تدمر الجهاز المناعي، وتخيل أن البلد الجار قلل من عدد الاطباء عشرات الاضعاف، هذه الإجراءات سببت في زيادة عدد الوفيات بشكل جذري، ليس فقط في البلد المجاور، ولكن أيضاً بشكل جذري في البلد الاول. مسببات هذا المرض لا تحترم الحدود، فهو ليس أسبانياً ولا صينياً، ولا تحترم الحدود بين الانواع المختلفة، فيروسات الانفلونزا والكورونا تنتقل بطلاقة بين الامم ولاتنفصل الصحة هنا في نطاق الاوبئة بين الحيوانات والبشر وكما هو الحال بين الصحة، أن كانت كورية او فرنسية، التباعد الاجتماعي يعمل، أذا مارسه الجميع بما فيها الحيوان.

اللحوم الحيوانية التي تؤكل يومياً، يجري حشرها بالعشرات في الاقفاص واحدة فوق الاخرى، ولتقوية مناعتها تُعالج بالادوية الدائمة وبغض النظر عن كيفية تسمية اللحم ومانتمناه هو شئ آخر في هذا العالم، ولكن ما نريده هو شئ مختلف، كون مستقبل تربية الماشية منخفض جداً وهي في قائمة الاولويات، والمرء في هذه الحالة يهتم بنفسه أكثر، والمشكلة أننا لسنا أنانيون جيدون بشكل خاص.

لا نعرف حتى الآن التأريخ الكامل لتطور فيروس الكورونا Covid-19 وسلالته التي تُهددنا اليوم ،ونظراً للتهديدات الاخيرة من فيروس انفلونزه الخنازيرH1N1  أو انفلونزة الطيور H5N1 التي ظهرت بلاشك في مزارع الدجاج والخنازير الكبيرة، أظهر التحليل الوراثي أن المكونات الحرجة لفيروس H1N1 ينتشر في خنازيرمصابة في أمريكا الشمالية، في مزارع الدواجن التجارية من وادي السيليكون وعلى وجه الخصوص في مزارع الدواجن الكبيرة، وتواجَد على الاغلب في فيروسات تحورت عند الحيوانات فقط الى شكل يؤذي البشر، والذي يسميه العلماء بالتحول المضاد، وهذه الانواع الجديدة من الفيروسات لايعرفها نظام المناعة لدينا والتي يمكن أن تكون أكثر فتكاً.

ومن بين 16 سلالة من فيروسات الانفلونزا المصنفة حالياً من قبل مراكز السيطرة على الامراض والوقاية منها ، التابعة لوزارة الصحة الاميركية، مثيرة للقلق ،منها 11 ناشئة من صنف H7 أو H5. في عام 2018 قام مجموعة من العلماء بتحليل 39 من التحولات ضد المضادات والتي لعبت دوراً رئيسياً في أنشاء هذه السلالات الخطرة بشكل خاص، وأظهرت النتائج بأن اثنتان منهما حدثت تجارياً، التي بُلغ عنها في مصانع أنتاج الدواجن.

لنتخيل أن قيادة عسكرية تخبر السياسيين، أن جميع الارهابيين الجدد موجودون في معسكر تدريب، لكن السياسيين ليسوا بحاجة لاجراء تحقيق عن هذا المعسكر، ولنتخيل  بأننا نعلم أن هؤلاء الارهابيين يطورون أسلحة أكثر تدميراً من أي سلاح آخر تم أستخدامه أو أختباره في تأريخ البشرية، وهذا هو الوضع عندما يتعلق الامر بالأوبئة والمزارع، وهنا فأن مراكز السيطرة على الامراض تعني سلطة في الولايات المتحدة ويبدو انه لا اهتمام بالشركات التي تسبب الاوبئة، العالم يحترق ونحن نستمر في البحث عن مطفئات حريق جديدة بينما البنزين يَتشربُ في الاقدام.

للحدِ من خطر وباء، يجب أن يكون تركيزنا على صحة الحيوان، وفي حالة مجموعة الحيوانات البرية ومنها على سبيل المثال الخفافيش، التي يشتبه العلماء بأنها اصل فيروس الكورونا، ليكون الحل الافضل الحد من التفاعل البشري معها وتنظيمها ، وقد كُتب الكثير عن هذا الموضوع ،ويبدو أن السياسة تسير بالاتجاه الصحيح، عندما اتضح أن عدداً من الاشخاص أُصيبوا بالفيروس بعد زيارة سوق رطبة في ووهان(في الصين) حيث من المحتمل أن ينتقل الفيروس الى البشر عند طريق الخفافيش من خلال وسيط، أغلقت الصين فيها 19000 مزرعة للحيوانات البرية وحظرت لحومها في الاسواق الرطبة.

وفي حالة حيوانات هذه المزارع، التي تفتقر الى الفهم العام والعديمة الضمير بتوجيه السياسة في الاتجاه الخاطئ وفي جميع أنحاء العالم، تمكنت هذه الشركات من تنفيذ سياسات تستخدم الاموال العامة لتعزيز الزراعة الصناعية، وتشير دراسة أن الجمهور يُقدم في كل دقيقة مليون دولار للاستثمارات الزراعية عالمياً، والتي تستخدم في الغالب لدعم وتوسيع هذا النموذج الفاسد لتزيد من خطر الاوبئة.

معدل وفيات Covid-19 في الولايات المتحدة أقل من أثنين بالمائة، أما اذا كان التعامل على سبيل المثال مع فيروسH5N1 فسيكون أعلى بكثير ،وتتحدث مراكز مكافحة الامراض والوقاية منها عن معدل 60 بالمائة، وبعد الزيادة المفاجئة في عدد الوفيات الناجمة عن فيروس H5N1 في عام 2017، تباطأ أنتشار الفيروس لأسباب غير واضحة، فهل يمكننا الاطمئنان ؟ تقول نانسي كوكس، التي قادت عمليات مكافحة الانفلونزا في مراكز مكافحة الامراض والوقاية منها لاكثر من عقدين من السنين (لانعرف كيف ستنتهي القصة ) وحقيقة فأن فيروس H5N1 لم يصل الى أبعاد وبائية ،يعني ببساطة أننا نتعامل مع أرهابي، الذي هو مجرد طفرة فيروس صغيرة لازالت بعيدة من وضع أصابعها بما يعادل ترسانة سلاح ذرية.

عواقب معدل الوفيات من واحد الى أثنين في المئة موجودة في كل مكان، نصف العالم يعيش تحت الاقامة الجبرية، ولا يذهب الاطفال الى المدرسة، ونفذت الاجهزة المُنقِذة للحياة في المستشفيات، ونواجه الكساد المالي حيث لا يسمح لنا بالحزن الجنائزي معاً، وهل لنا القدرة على تخيل آثار معدل الوفيات 60%؟ أي بزيادة 30 مرة عن وضعنا الحالي، وماذا عن الوباء التالي الذي يصيب الاطفال، حيث يقترب معدل وفيات المصابين بفيروس H5N1 الى 50%، وكيف يكون الشعور عندما يُفقد شخص تُحبه، كمن يرمي قطعة نقود الى الموت الرهيب؟ وكم سيكون من المفيد التضحية لتجنب ذلك؟

السؤال المهم هو ماذا يمكننا أن نفعل؟ لقد تم توثيق العلاقة بين الزراعة في المصانع وزيادة مخاطر الاوبئة بشكل علمي، لكن الارادة السياسية لاحتواء هذا الخطر مفقودة، الآن هو الوقت المناسب لنشوئه، ومن المهم جداً التحدث عن ذلك ونشارك مخاوفنا مع أصدقائنا وشرح هذه المشاكل مع اطفالنا، والتفكير معاً في كيفية تناول الطعام بشكل مختلف، ودعوة القادة السياسيين ومنظمات اللوبي التي تحارب الزراعة التصنيعية، رغم أن تغيير ذلك لا يمكن أن يكون سهلاً، ولكن في هذه اللحظة يمكننا لاول مرة في حياتنا ان نضع الامر على المحك في أمكانية تحقيقه.

نعلم حقيقةً ان نظامنا الغذائي مسؤول بشكل مباشر، ويمكن أن يُعطينا القوة ونحن نعرف كيف نتعامل مع أكبر عامل لمخاطر الوباء، ونعلم كي نحمي أنفسنا وعوائلنا في هذا الوقت الذي يخيفنا أنعدام الأمن ويجعلنا نذكر أن كل شئ يمكن أن يتغير نحو الافضل، ولحسن الحظ يبدو أن Covid-1 يهاجم أطفالنا في حالات نادرة جداً، وإذا تفاعلنا بحكمة كافية، سيكون الوقت الذي تميز بالموت، قد يتم ذكره كنقطة تحول ولحظة مسائلة، بصمت شجاع للتجديد بعد مرور بعض من الوقت.

*وادي السيليكون منطقة في الجزء الجنوبي من خليج "سان فرانسيسكو" شمال ولاية كاليفورنيا الأمريكية، يرجع تسمية "وادي السيليكون" بهذا الاسم إلى وجود عدد كبير من مبتكري ومصنعي رقاقات السيليكون، ولكن في نهاية المطاف، أصبح يرمز إليه على أنه منطقة تضم جميع شركات التكنولوجيا الفائقة في أميركا.

  

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل