/
/
/
/

النموذج الطبي لكوبا يتردد كثيرا الان مع انتشار وباء كورونا الذي ضرب اقتصاديات العالم المتقدمة وانظمتها الصحية، ويُنبئ بتغيير السياسات الصحية في كل دول العالم بما يجعلها تفكر بطرق مختلفة لمواجهة جائحة الوباء، ما يعنينا كدول نامية هو أهمية التفكير الجديد في النظام الصحي المتدهور والذي يعاني من الفساد والاهمال وفشل السياسات الصحية، النموذج الكوبي في هذا المجال يمكن ان يعطينا الحل، حيث لا اعذار الفجوة المعرفية ولا شحة الاموال تعيق تنمية رأس المال البشري.
فكيف لجزيرة صغيرة محاصرة من قبل رأسماليات العالم المتقدمة ان تحقق نجاحا باهرا ونموذجا ملهما، الكوادر الصحية للبلد حققت انجازات هائلة وكانت أداة قوة للأقتصاد والدبلوماسية الكوبية وفلسفتها في التضامن الأممي، هم بحق يستحقون اللقب الذي أطلقه عليهم الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو "جنود بمعاطف بيضاء".

حقائق وأرقام

في هذا البلد الصغير تحققت المعجزات الطبية بإمكانات شحيحة وفي ظل حصار اقتصادي امريكي، فمنذ نجاح الثورة الكوبية عام 1959 كان لدى كوبا 6000 طبيب هاجر اكثر من نصفهم بعد الثورة، والان تبلغ النسبة 67 طبيب لكل 1000 مواطن ولا ينافس كوبا في ذلك سوى قطر وامارة موناكو.
سجلت كوبا المستويات الادنى في معدل وفيات الاطفال، تنافس في ذلك البلدان المتقدمة بخفض هذا المؤشر المهم الى 6 وفيات لكل 1000 ولادة حسب احصائيات البنك الدولي عام 2015 بينما بلغ المعدل العالمي للوفيات 42.5 لكل 1000 ولادة، وهذا يدل على تغطية عالية في الرعاية الصحية الجيدة السابقة للولادة والرعاية الماهرة عند الولادة والرعاية بعد الولادة للأم والطفل.
أما معدل الاعمار فيبلغ 79,1 وهو أدنى قليلا من معدل الاعمار في الولايات المتحدة الامريكية الذي يبلغ 79,3 وفق احصائيات البنك الدولي عام 2015.
نجاح هذا البلد في القطاع الطبي يُعزى الى نجاعة اجراءات النظام الكوبي في الرعاية الصحية الاولية، فهو من اكثر الانظمة الاستباقية في العالم نجاحا، توفر كوبا 452 عيادة خارجية لسكانها البالغ عددهم اكثر من 11 مليون، وهذه العيادات مدعومة حكوميا للوقاية من الامراض واجراء الفحوص الشاملة المبكرة وللحصول على العلاج.
عام 2015 خصصت كوبا 10,57% من الناتج الاجمالي المحلي لقطاع الرعاية الصحية وهو اعلى من المعدل العالمي، وطبقا لبيانات البنك الدولي، في العام 2014 بلغت التخصيصات للقطاع الصحي من مجمل الناتج الاجمالي المحلي في اوربا 10% وفي الولايات المتحدة الامريكية 17,1%.
الارتقاء بالثروة البشرية قدم لهذا البلد الصغير واحدة من اهم سياسات القوة الناعمة، اضافة الى روح التضامن القائمة عليها فلسفة الدول الكوبية، فأن مهارة الكوادر الطبية من اطباء وعاملين باتت السمة المميزة لهذا البلد الجميل، تاريخيا انطلقت اولى حملات التضامن بعد سنة واحدة من انتصار الثورة الكوبية عندما تعرضت دولة شيلي الى هزة ارضية عام 1960 نتج عنها الاف الضحايا لتنشأ كوبا معها جسرا طبيا لتقديم الخدمات والمساعدة، وخلال تاريخها ارسلت اكثر من 300 الف بين اطباء وكوادر صحية الى 158 بلد في العالم، ولديها في الوقت الحاضر 50000 بين طبيب وكادر صحي يقدمون خدماتهم في 67 بلدا حول العالم.
هذه الخدمات الصحية ساهمت في تنمية هذا البلد ودفع غائلة الحصار الاقتصادي المفروض عليه، فبموجب اتفاقياته مع فنزيلا ارسلت كوبا 3500 من كوادرها الطبية لهذا البلد لتقديم التدريب وبالمقابل تدفع فنزويلا النفط. الخدمات الطبية تمثل حوالي 60% من الدخل الاجنبي لكوبا والكوادر الصحية لكوبا خارج البلد تجلب عوائد تقدر ب 6,2 مليار دولار سنويا.
دراسة الطب في كوبا تجذب الطلاب من مختلف دول العالم، في العام 2019 وحده تخرج 500 طبيب من 84 بلد في العالم من الكلية الطبية العالمية في كوبا، وفضلا عن المنح التي تقدمها كوبا لدول مختلفة بتوفير المقاعد الدراسية للطلاب، اصبحت دراسة الطب في كوبا شائعة بين الامريكيين من اصل افريقي والاقليات اللذين يعجزون عن دفع تكاليف الدراسة الباهظة في امريكا وسوء مستواهم المعيشي عن اتمامها في موطنهم ( يمثل خريجو طلاب كليات الطب في امريكا من اصل افريقي ومن اصل لاتيني 6% كل عام من مجموع الطلاب)، وعندما قابل الرئيس كاسترو في العام 2001 وفدا من تجمع السود في الكونجرس الامريكي كان قراره انذاك " ان الامريكيين يدرسون مجانا في الجامعات الكوبية حالهم حال مواطني هاييتي والبلدان الافريقية ".

أنجازات طبية

أول مؤسسة للتكنولوجيا الحيوية في العالم تم انشائها في سان فرانسيسكو عام 1976 وهي مؤسسة (Genetech)، تليها مؤسسة (AMGen) في لوس أنجلوس عام 1980، وفي العام 1981 تم إنشاء الجبهة البيولوجية "Biological front " في كوبا وهي مؤسسة طبية متعددة الاختصاصات لتطوير الصناعة الدوائية في كوبا، تضم نخبة واسعة من التخصصات مثل علم الأحياء الدقيقة وبيولوجيا الخلايا والكيمياء الحيوية وعلم الوراثة والهندسة الحيوية والهندسة الكيميائية والبيولوجيا الجزيئية والمناعة، ولتطوير هذا القطاع ذهب العلماء الكوبيون إلى الخارج وخاصة الدول الغربية للدراسة.
كيف يمكن تفسير ظاهرة التكنولوجيا الحيوية الكوبية، التي ظهرت في بلد لم يكن فيه تطور صناعي سابق وتحت الحصار المفرط للولايات المتحدة؟ كيف تمكنت من أن تصبح خطاً اقتصاديًا في غضون بضع سنوات، وكيف تحسنت صحة السكان، وكيف قامت بتصنيع المنتجات الدوائية واللقاحات والالاف من براءات الاختراع؟ ولماذا كان هذا هاجس فيدل كاسترو؟
البداية من الشخص الذي أرشد فيدل كاسترو على مسار التكنولوجيا الحيوية في أوائل الثمانينات، وهو ميكي ليلاند عضو الكونغرس الامريكي من ولاية تكساس ذو الاصول الاثيوبية، والذي أحضر معه إلى هافانا طبيب أورام بارز من هيوستن استخدم عقار الإنترفيرون في علاج السرطان وهو ما طوره العلماء الكوبيون اللذين ينتهزون أدنى فرصة معرفية لأستثمارها في نقل التكنلوجيا الى بلادهم.
كافح ليلاند بشدة عداء حكومة بلاده لكوبا واعتبر أن الحصار ليس له نتائج عكسية فحسب بل يتعارض مع القيم الأمريكية وقال: "يجب على الولايات المتحدة ألا ترفض بيع الأدوية، الضحايا الوحيدون هم المرضى والضعفاء ".مات ليلاند وهو يقاتل ضد الفقر في إفريقيا في حادثة طيران في إثيوبيا بعد وقت قصير من نطقه هذه الكلمات.
كان لا بد من تطوير التكنلوجيا الحيوية، هكذا فكر كاسترو واتخذ في سبيل ذلك خطوات مهمة للأستثمار في الصحة والتعليم، كان هدفه الوصول الشامل والمجاني للمواطنين الكوبيين الى الخدمات الصحية، وتم في سبيل ذلك اقرار الملكية الاجتماعية للمؤسسات الصحية ومراكز البحوث وتحريرها من فخ التنافس ضد بعضها البعض وضمان توجيهها من قبل الدولة للاكتفاء الذاتي وتلبية احتياجات المجتمع الفعلية.
تصميم المؤسسات الطبية في كوبا ينسجم مع الدورة الكاملة للبحث العلمي واقتصاد المعرفة، ويعتمد الانتاجية والابداع، اذ تبدء المؤسسات من مراكز البحوث والانتاج ثم التسويق مع اعتماد التنافسية بين العلماء في البحوث العلمية والابتكارات.
كل هذا يفسر لماذا تمتلك كوبا أكبر برنامج تطعيم في العالم (معترف به من قبل منظمة الصحة العالمية) والذي يتضمن التغطية الشاملة لحديثي الولادة الذين لديهم لقاحات ضد 13 مرضًا، ونظام فاعل في الترصد الوبائي باستخدام المقاسات المناعية لأكثر من 20 مرضًا، وتستخدم المستشفيات بانتظام الأدوية مثل الإنترفيرون، والأجسام المضادة وحيدة النسيلة، والسيتوكينات، والمستحضرات الصيدلانية البيولوجية الأخرى.
طور العلماء الكوبيون علاجا فعالا لمعالجة مرض القدم السكري، وتم ادماجه في الشبكة الصحية الوطنية، ورغم حاجة بلدان لهذا العلاج مثل الولايات المتحدة الامريكية الا ان حكومتها ترفض السماح بتسويق الدواء لأنه يأتي من الجزيرة الصغيرة المتمردة.
اختفت في كوبا العديد من الامراض، بما في ذلك شلل الأطفال والخناق والكزاز والسعال الديكي والحصبة وغيرها من الأمراض التي يمكن السيطرة عليها أو الحد منها، وكوبا اول دولة في العالم تقضي على مرض انتقال فيروس نقص المناعة البشرية من الام الى الطفل وهو انجاز اعترفت به منظمة الصحة العالمية.
أصيبت كوبا عام 1976 بتفشي أنواع التهاب السحايا من النوعين B وC،على الصعيد الدولي كانت اللقاحات موجودة لأنواع التهاب السحايا A و C، ولكن ليس للنوع B.
حصلت السلطات الصحية الكوبية على لقاح من شركة أدوية فرنسية لتحصين السكان ضد التهاب السحايا من النوعC ومع ذلك في السنوات التالية بدأت حالات النوع B في الارتفاع، وتم تشكيل فريق من المتخصصين من مختلف مراكز العلوم الطبية للعمل بشكل مكثف على إيجاد لقاح، وبحلول عام 1984 أصبح التهاب السحايا B أخطر مشكلة صحية في كوبا. بعد اربع سنوات من العمل المكثف، أنتج فريق أول لقاح ناجح ضد التهاب السحايا B في العالم في العام 1988.
بين عامي 1989 و 1990، تم تلقيح ثلاثة ملايين مواطن كوبي من الأكثر عرضة للخطر. في وقت لاحق، تم تطعيم 250.000 شاب باللقاح الجديد المطور وهو مشترك لأنواع التهاب السحايا C وB سجل اللقاح معدل فعالية 95 في المائة بشكل عام، مع 97 با في المائة في الفئة العمرية عالية الخطورة من ثلاثة شهور إلى ست سنوات.
في حين لم يكن لدى معظم البلدان النامية القدرة على الوصول إلى التقنيات الجديدة كالحمض النووي والعلاج الجيني، توسعت التكنولوجيا الحيوية الكوبية وأخذت دورًا استراتيجيًا متزايدًا في كل من قطاع الصحة العامة وخطة التنمية الاقتصادية الوطنية على الرغم من الحصار الأمريكي الذي أعاق الوصول إلى التقنيات والمعدات والمواد والتمويل وحتى تبادل المعرفة. اتسمت التجربة الكوبية بمسارها السريع في البحث والابتكار إلى التجارب والتطبيق، هكذا بدأت التكنولوجيا الحيوية في كوبا لهذا الغرض، ولكن بعد ذلك فتحت امامها إمكانيات تطوير صناعة اللقاحات والمنتجات الطبية لغرض التصدير، واليوم تذهب صادرات التكنولوجيا الحيوية الكوبية إلى 50 دولة.

جهود كوبا العالمية في مكافحة وباء كورونا المستجد

من بين الأدوية الثلاثين التي اختارتها لجنة الصحة الوطنية الصينية لمكافحة الفيروس كان عقار كوبي مضاد للفيروسات يسمى (الانترفيرون الفا 2B) وقد أثبت هذا العقار فعاليته في مكافحة الفيروسات ذات الخصائص المماثلة لتلك الموجودة في فايروس كورونا وان استخدامه يمنع تفاقم المضاعفات لدى المرضى التي قد توصلهم الى مرحلة يمكن ان تتسبب بالوفاة.
طورت كوبا واستخدمت الإنترفيرون لأول مرة لوقف تفشي فيروس حمى الضنك المميت في عام 1981 وحفزت هذه التجربة تطوير صناعة التكنولوجيا الحيوية الرائدة في العالم الآن.
بدأت قصة الانترفيرون خلال فترة التحسن الجزئي للعلاقات الامريكية الكوبية في نهاية عهد الرئيس كارتر، اذ التقى احد الاطباء الامريكان فيدل كاسترو واخبره انه بالامكان معالجة وباء حمى الضنك المميت باستخدام عقار الانترفيرون، بعد ذلك أمضى طبيب كوبي وطبيب امراض اخر بعض الوقت في مختبر في أمريكا وعادوا بأحدث الابحاث حول العقار، وبعدها قضى كادر صحي مدة 12 يوما في فنلندا تعلموا خلالها انتاج كميات كبيرة من الانترفيرون، كانت الفترة التي انتج خلالها هذا العقار بعد عودتهم قصيرة جدا تقدر ب45 يوما وتم تاكيد جودة هذا الانتاج الكوبي في مختبرات اوربية.
الإنترفيرون هي بروتينات "إشارة" تنتجها وتطلقها الخلايا استجابة للعدوى من أجل حث الخلايا المجاورة على زيادة دفاعاتها المضادة للفيروسات.
تعرضت كوبا لوباء حمى الضنك عام 1981 وهو مرض ينتقل عن طريق البعوض. والذي يمكن أن يؤدي إلى حمى الضنك النزفية التي تهدد الحياة في امركيا اللاتينية، أصاب وقتها الوباء 340000 كوبي مع تشخيص 11000 حالة جديدة كل يوم وتسبب بوفاة 180 شخصا.
أمام هذا الوضع الصحي الصعب أذنت وزارة الصحة العامة الكوبية باستخدام الإنترفيرون الكوبي لوقف تفشي حمى الضنك، تم ذلك بسرعة كبيرة، وانخفض معدل الوفيات بشكل كبير، بحلول العام 1986 كان الكوبيون قد طوروا عقار (الانترفيرون الفا B2 ) المهم والذي استفاد منه آلاف الكوبيين منذ ذلك الحين، واثبت لاحقا فعاليته وسلامته في علاج الأمراض الفيروسية بما في ذلك التهاب الكبد من النوعين B و C، ومرض القوباء المنطقية ولأنه يتداخل مع التكاثر الفيروسي داخل الخلايا، فقد تم استخدامه أيضًا في علاج أنواع مختلفة من الأورام السرطانية.
أثرت هذه المصاعب أيجابيا في النظام الصحي وحفزته للخلق والابتكار، فمن خلال ضخ استثمارات الدولة الكبيرة في القطاع الصحي، تم افتتاح المركزالفني للهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في عام 1986.
ترسل كوبا اليوم فرقا طبية لمساعدة الجهد الايطالي والصيني والفنزويلي في مكافحة وباء كورونا، واثار انتشار مقاطع الفيديو التي صورت الايطاليين وهم يستقبلون بالتصفيق الحار الأطباء الكوبيين تساؤلات كثيرة عن سبب الترحيب.
الجواب يكمن في جانبين، الاول: هو الاهتمام بالكادر الكوبي علميا رغم الاجور الزهيدة والشحة المالية، والجانب الثاني: يعود الى كفاءة الطبيب الكوبي، فهو يحمل ميزة مختلفة عن غيره، ميزة أنه عمل في كل الامكنة وفي كل البلدان وتحت كل الظروف، تلك الكفاءة والخبرة التي يصعب الحصول عليها من بلد اخر غير كوبا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
محامي وتدريسي في كلية القانون / جامعة واسط

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل