/
/
/
/

هل نشهد أزمة أخرى، ربما نهائية، من عقيدة النيوليبرالية؟ وهل تتماشى جائحة كورونامع الديناميكيات السياسية التي نعيشها منذ أكثر من عشر سنوات، منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 والى ألاحتجاجات الاخيرة في أوربا، شيلي والشرق الاوسط.

هناك بالفعل نقاط انطلاق لما يحدث، تساهم فيها البنى التحتية المهدمة بالادخار السلبي ولاسيما في النظام الصحي، المُوجه نحو زيادة الارباح، وهي أزمة تمسُ الجميع وتتفاقم في الوظائف غير الآمنة والايجارات المرتفعة والمطالبات بزيادة الاجور وخاصة العاملين في المجال الصحي، والطلبات التي تجاوزت بجمع تواقيع لحوالي 400 ألف شخص (في ألمانيا)، والسؤال المثير هو، الى أي مدى يمكن تحويل هذا الهجوم الجديد وأنتقاد السياسة النيوليبرالية، لتُترك وراءنا.

فالرأسمالية تقوم على التوليد الدائم لتدفق الدخل، يحتاج العمال فيها الى دخل مستمر، والشركات الى تدفق مستمر للأرباح من أجل البقاء في السوق، بيع السندات وخدمات القروض. وتم الكشف عن نضوب مصادر الدخل بما تراكم على مدى العقود الماضية في جبل ضخم من الديون ،فـأصبح النمو مُصطنعاً في عصر النيو ليبرالية ، وماحدث عام 2008 وكأنها نهايتها، بسيطرة الدولة على الصناعات الكبرى ،لتعود بعد فترة قصيرة بسياسات التقشف ،الذي ظهر جلياً في اليونان واسبانيا وأيطاليا والهزيمة التي لحقت بجيرمي كوربن في بريطانيا وحملة ساندرز للانتخابات الرئاسية في أميركا ،بدت فيها بعد غزو كورونا نهاية  النيو ليبرالية.

وخفف اليمين الجديد في سياسته من أزمة شرعية للنيو ليبرالية من خلال أعادة تفسير عدم رضاها القومي لاصحاب الاجور من جهة ،وخلق خصم جديد للمركز  النيوليبراليي كي يُبَرِز نفسهُ ،وبدلا من سياسة اقتصادية جديدة ظهرت اختلافاتها الاستبدادية في السنوات التي اعقبت الازمة المالية.

التطورات في السياسة الطبقية الجديدة أدت الى رضوخ حكومة سيريزا في اليونان لاملاءات شروط الاتحاد الاوربي في تموز 2015 ،ونجاح دونالد ترامب في حملته الانتخابية ،وحملة بريطانيا للخروج من الاتحاد الاوربي 2016، الى مناقشات عميقة في وسط اليسار الاجتماعي للمرحلة الذي بدأ فيها الوداع البطيء لليسار السياسي والثقافي للحزب من الطبقة العاملة ،وعدم تمكن المشاريع الاجتماعية اليسارية البديلة من القيام بذلك والجدل الداخلي لسياسة طبقية جديدة لإرساء سياسة يسارية للحياة اليومية، والضمان الكبير لمصالحهم الملموسة كنقطة بداية.

ويمكن تصور النقاشات الحالية حول المهن المرتبطة بمرض الكورونا ،ومنها مجال التمريض، في النضال من اجل اجور افضل ووسائل نقل عام رخيصة رغم أن تصورات تحقيق ذلك  بشكل اتوماتيكي سابق لاوانه.

وقد تُثبت الازمة الحالية أيضا انها علاج لتجديد النيوليبرالية ،فالاجراءات التي تجري مناقشتها حالياً أو التي تم تنفيذها فعلاً ،تغيير قواعد الديون محلياً ،وقف الايجار ،وقواعد الديون في منطقة اليورو والسندات ،والتي يمكن تدريجياً ان تُثَبت لاحقاً لسياسة تخفيض اكثر جذرية ،ومنها لقطاعات شركات تضررت بسبب الكورونا من خلال هيكلة نفسها على حساب دعم الدولة.

أضافةً لوجوب ان تكون هناك سياسة أجتماعية وأخرى مناخية جديدة لدرء الخطر الحقيقي للنيوليبرالية أثناء وبعد كورونا ،وربطها بمشروع برمجي سليم اقتصادياً مع التفكير في كيفية تدخل الدولة الحالي وتعديله من اجل سحب قطاعات أقتصادية كاملة من السوق وتحويلها الى نظام تخطيط أقتصادي ديجيتالي ديمقراطي .

لكن، هل يوجد مشروع كهذا يُهيمن عليه اليسار؟ حملات من هذا النوع موجودة، استمدت قوتها بعد الكورونا ومن أجل إنهاء علامات سوداء لاعادة توزيع تكاليف الازمات للاستثمار الضخم في قطاع النظام الصحي والخدمات العامة، من أجل حماية مناخية جذرية والمبنية على مصداقية شرعية علمية وهي صراعات مهمة لازالت بعد نموذجاً جديداً يمكن ان يحدد نظاماً اقتصادياً بافكار ملموسة كتعريف لاقتصاد مُقاوم للازمة الاجتماعية والبيئية.

هذا البديل المعارض لايمكن تصميمه على لوحة الرسم ،بل في المناقشات الملموسة ،التي تكون سريعاً في متناول اليد وبالضبط في الاتجاه المعاكس ،في حملة نحو أمور التنشئة الاجتماعية  ،السلع المشتركة وأعادة التوزيع الجذري وسياسة المناخ بتراكماتها ،ولانه لايوجد سياق أقتصادي عام لتصورهذه البدائل تعمل فيه بشكل صحيح على الاطلاق ،والناس ليسوا اغبياء ،لوجود مجموعة من الامثلة التاريخية ،منها على سبيل المثال فشل حكومة سيريزا ،ببساطة لاتوجد خطة لكيفية تنفيذ واستقرار الاشكال البديلة للتنظيم الاقتصادي على المستوى العالمي.

من المفيد في هذه المرحلة  ان يفصل المرء نفسه عن الافكار الشائعة لتغيير النموذج ،وغالباً ما يفسر الانتقال للتسوية الطبقية مابعد الحرب الى النيوليبرالية على انه صدمة ايديولوجية ،ولكن بالاضافة الى ازمة الركود ،التي جرى فيها تحدي الكينزية ،كان التحول الاعمق على مستوى نمط الرأسمالية للتراكم أمراً بالغ الاهمية ،فلم تعد طريقة التراكم القائمة للدولة القومية مربحة بما فيها الكفاية .

عولمة الانتاج ومعها الاسواق المالية التي نشرتها النيولبيرالية بنموذجها الجديد يمكن كشفها في رأسمالية ثلاثينات القرن الماضي  كعامل تمكين لمرحلة جديدة من توسعها ،كانت فيها الطبقات الاجتماعية الوسطى كمحرك للاستهلاك والنمو ،لهذا فالنموذج الجديد بحاجة ،أضافةً لتفوقه في الخطاب ،الى قاعدة أقتصادية يمكن أن يزدهر فيها على المدى الطويل.

"صفقة خضراء جديدة " هي كنموذج جديد للنمو ويمكن ترجمته بما يعني ،ان النيوليبرالية ستستمر حتى ظهور نموذج أقتصادي جديد اكثر أنتاجية ووظيفية من النموذج الحالي ،وهذا النموذج الذي برز الآن قبل كورونا كحلٍ للازمة ،يهدف الى الحد من قوة الاسواق المالية ويوفر أستثمارت ضخمة في قطاعات الاقتصاد الخضراء ،ودعوتها صفقة خضراء جديدة ،على الاقل في نسختها الاكثر راديكالية التي يطالبون بها ومنهم الاشتراكيون الديمقراطيون الامريكيون ،تفتح فيها  جبهة مهمة ضد النيوليبرالية لاعتقادها بأنها تعرض مطالب أجتماعية سياسية وأيكولوجية وعروضا اصلاحات ملموسة .

ولكن علينا تفسير علامات عصرنا بشكل صحيح ،فهل يمكن أيقاف ما ينزلق أقتصادياً في الوقت الحالي من خلال حزمة أستثمار خضراء ؟

لن تكون حزم الاستثمار المعتمدة لحد الآن كافية للحد من الضرر الاقتصادي الناشئ ولن يستمر الاغلاق الاقتصادي لاشهر فقط ،بل سيعود على شكل دورات حتى يتوفر اللقاح .

ويبدو أن الصفقة الخضراء الجديدة لاترقى الى ما تريده ،فهي لاتحقق تأثيرات التوظيف واعادة التمويل كمعدلات نمو حالمة ،فموارد النمو الرأسمالية العالمية وبالمعنى الحرفي لمواردها المادية ،قد أستنفذت على المدى الطويل ،وهناك تهديدات جدية في تغير المناخ والاوبئة العالمية والتي تتطلب شكلاً مستداماً ومخططاً لممارسة الاعمال التجارية.

يشير العديد من الكتاب اليساريين الى أن الجدل حول الانتاج الضروري والانتاج القليل الاهمية، كتحويل الانتاج على سبيل المثال من موردي السيارات الى الاجهزة الطبية ودعم الدولة للشركات التي تُقدِمُ على هذا الاتجاه ،أضافة الى متطلبات السياسة الاجتماعية الواضحة ،وفي حالة كهذه يتعين مناقشة المناهج لنموذج سياسة أقتصادية جديدة، يمكن أن تشكل بديلاً أقتصادياً للنيوليبرالية في المدى القريب ،اضافة الى أعادة التوزيع الاجتماعي الضخم و الهيكلة البيئية للاقتصاد ،يتوجب أن يشمل هذا النموذج البديل أيضاً عناصر التنشئة الاجتماعية والتخطيط الاقتصادي الديمقراطي المدعوم رقميا(الديجيتال).

ونظراً الى الاثر الاقتصادي لوباء Covid19 والتهديدات الوجودية الاخرى وبالأخص تغيرات المناخ، سيحدث تحول عميق، فالاتجاه الذي تسير فيه يعتمد على الاجتماعي البيئي أو الاستبدادي وكيفية تحديد المسار الآن، ويمكن للأفكار الجديدة أن تقود الاقتصاد الذي مزقته الازمة الى مسارات جديدة، إن كانت هناك أفكار، اليسار الاجتماعي هو الذي يجرؤ على قول ذلك.

  

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل