/
/
/
/

ان المتابع للتطورات السياسية في مختلف دول العالم، والمصاحبة لأزمة فايروس الكورونا، بالتأكيد لاحظ كيف ان الازمة هزت الأنظمة الرأسمالية وكشفت خوائها الإنساني، ففي الولايات المتحدة الامريكية، في يوم وليلة تحول جميع المرشحين للانتخابات الرئاسية، من جمهوريين وديمقراطيين،  ليقفوا على يسار المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز الذي قبل ازمة الكورونا كان يدعو في برنامجه الانتخابي الى الرعاية الصحية للجميع، لقد  أصبح الجميع فجأة اشتراكيين ويدعون لتوفير الرعاية الصحية مجانا، بل ودعا البعض من الجمهوريين الى تأميم بعض شركات المستلزمات الطبية !

فما الذي جرى؟ وهل حقا كنا بحاجة لأزمة الكورونا ؟هذا السؤال الغريب صار يتردد على لسان الكثيرين، مع استمرار الأيام الصعبة، التي يواجهها الناس في مختلف بقاع العالم، من بعد اكثر من مئة يوم من تفشي الوباء، خصوصا البلدان التي ارتفع فيها عدد المصابين والموتى، حيث وحتى كتابة هذه السطور، تتحدث الانباء عن أصابة أكثر من 1.2 مليون شخص وموت أكثر من 69000 شخص في مختلف البلدان، وبسبب من عدم اكتشاف علاج ناجع للمرض، فإجراءات العديد من حكومات العالم، صار هدفها ليس إيقاف الوباء، بقدر ما الابطاء من انتشاره لتستطيع المستشفيات والوحدات الصحية القيام بواجبها خاصة مع الحالات الخطرة.

تقودنا طبيعة السؤال، الى حال كون وباء فايروس كورونا، وضع الكثير من الأنظمة والحكومات على المحك، وكشف مساوئها في طريقة ادارتها للازمات، وفضح النواقص في كفاءة الأنظمة الصحية، اضافة الى عجز سياسيين وقادة دول وقصورهم في فهم حجم الخطر الذي يهدد بلدانهم والعالم، حيث ادلى البعض بتصريحات قللت من شأن الأزمة، أو تحتوي على معلومات مضللة عن فيروس الكورونا وتنصح باتخاذ اجراءات غير مفيدة إلى حد بعيد، ويقف في مقدمة هؤلاء السياسيين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتهريجاته التي تتناقلها وسائل الاعلام بسخرية وغضب!

لقد واجهت البشرية، على مر العصور والتأريخ، مجاعات وحروب واوبئة أدت بحياة الملايين وانهيارات في الاقتصاد، وتجاوزتها محاولة، ولأجل المستقبل الأفضل، الاستفادة من دروسها الأساسية، فهل ستتوقف الشعوب والأنظمة السياسية عند الدروس المستخلصة من ازمة وباء الكورونا بعد إيقاف الوباء والقضاء عليه واستعادة الحياة الطبيعية؟ هل ستتم مراجعة نظام العولمة الرأسمالية الذي اثبت فشله لأجل نظام أكثر إنسانية؟ هل آن الأوان لتنتبه مختلف الأنظمة السياسية بأن الدولة يجب ان تأخذ دورها الكبير في رعاية مؤسسات التعليم والصحة والسكن والغذاء، والتخلي عن مجرد كونها جهاز بيروقراطي يعمل لصالح أصحاب الثروة ورأس المال؟ هل سيتم الانتباه، على صعيد الحكومات والدول، الى ان الشعوب ليست بحاجة الى ميزانيات عسكرية ضخمة بقدر الحاجة للصرف على المنظومات الصحية؟ وان الامن الصحي هو في مقدمة المهمات وهذا لا يتحقق بالجيوش والصواريخ؟ هل ستنتبه الحكومات والأحزاب الى ان شعوبها سوف لن ترحمها إذا لم تكن تتعامل معها بشفافية ونزاهة وتضع مصلحة المواطن والبلد في المرتبة الأولى؟ وان تحقيق نظام العدالة الاجتماعية بين مواطني البلاد يحمي كرامة المواطن ويضمن أمنه الاجتماعي؟ هل ستنتبه احزاب المعارضة في الحكومات الديمقراطية، الى ان التعامل يجب ان يتم وفق معادلة "نقد ـ تضامن" لأجل مستقبل الشعب والوطن، وليس وفق سياسة النبش عن الهفوات واستغلالها لكسر عظم الاخر؟

وعلى الصعيد الاجتماعي والإنساني كشفت أزمة الوباء، خصوصا في البلدان الفقيرة وبلدان العالم الثالث، حاجة الناس لبعضهم البعض، واهمية التكافل والتعاون الاجتماعي، بإشكاله المادية والروحية، فهو من جانب سيساهم بشكل كبير في سد النقص في عجز المؤسسات الحكومية في القيام بدورها لسد الثغرة الكبيرة في الفرق بين حياة الأغنياء والفقراء. إضافة الى انه سيمنح الناس عموما شعورا بالأمان، لكونهم لا يواجهون مصاعب الحياة لوحدهم وان التضامن الشعبي يرسخ مفاهيم المسؤولية الجماعية. وان حركات الاحتجاج الجماهيرية، وتماشيا مع سياسات العزل والحجر الصحي، يجب ان تبتكر اساليبا جديدة لأجل الإبقاء على قوة الضغط ومن اجل انتزاع حقوق الناس في تحقيق التغيير المنشود لأجل عالم جديد يختلف عن عالم ما قبل ازمة الكورونا!

6 نيسان  2020

هلسنكي ـ عزلة الكورونا

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل