/
/
/
/

تقترن مفردة مقاومة بمفردات كثير، كالنضال، والمعارضة، والصراع، والمواجهة، والرفض، والتحدي، والكفاح المسلح ايضا … وهذه المفردات مجتمعة تلامس بمستويات مختلفة مسيرة الحزب الشيوعي العراقي ومراحل نضاله، هذا الحزب الذي تعرفت عليه في بغداد وتحديدا ً في الاعظمية، يومها كنت شابا ً يافعا ً، لم أكن ناضجا ً ولم أكن طائشا ً، لكني كنت محبا ً للفقراء، ولا اعرف من شجعني ان أرسم منجلا ومطرقة، كل ما اتذكره ان عمي (شكري) وحال الانتهاء من قراءة كتاب متوسط الحجم، اعطاني اياه قائلا ً: يمكنك قراءته. وكان ذلك الكتاب هو رواية (ايام صعبة) للسياسي (بهاء الدين نوري)، فشرعت انا وأخي التوأم على قراءتها، وكانت هي الشعلة الاولى التي انارت لنا الطريق، بعدها توالت القراءات، وشيئا فشيئا بدأت تتبلور معرفتنا لما يحدث في العراق وفي العالم ايضا من خلال الجريدة والروايات الاجنبية.

 ومنذ ذلك التاريخ اواسط السبعينات، صار لي اصدقاء يساريون وماركسيون وماويون وشيوعيون، وكانوا على اختلاف مشاربهم يتحلون بخصال تختلف عن الاخرين كحبهم للرسم والموسيقى والكتاب. ومع أنى من عائلة برجوازية كون ابي كان موظفا، إلا اننا ننحدر من طبقة فلاحية، ربما لهذا السبب وليس لغيره صار المنجل قريبا الى روحي بدلالاته التعبيرية والاخلاقية، واقترن الفلاح بذهني بإحدى اهم الشخصيات المساهمة برقي الحضارة..

وخلال دراستي للتصميم ترسخت لدي هذه الفكرة، عندما عرفت انه في الألف السادس قبل الميلاد عثر في (أريدو) على أقدم منجل، لتقترن مهنة الفلاحة بذهني بالخبز، الذي أنقذ البشرية في الكثير من الازمات والمجاعات.. ومن طريف ما أتذكره عن المنجل، عبارة لا يمكن ان انساها ما حييت، وهي لأمي التي تحب حديقتها، يوم قالت لي بعفويتها المعهودة: ــ إذا ضاع المنجل، تكاثرت الاعشاب الضارة وفسد الزرع. وبعد ذلك تواصلت قراءاتي وأزداد وعيي لأعرف انه ومن رحم الثورة الصناعية ظهرت الطبقة العاملة من ذوي البدلات الزرق، الذين تحالفوا فيما بعد مع الفلاحين والكتاب والمثقفين.. وصاروا يرددون معا ً نشيدهم الاممي الذي كتبه (اوجين بوتيه) تخليدا ً لكومنة باريس، وصرنا ننشد باحتفالات ميلاد الحزب ذات النشيد: (هبوا ضحايا الاضطهاد ــ ضحايا جوع الاضطرار …. بجموع قوية هبوا لاح الظفر ـــ غد الاممية يوحد البشر).. وهكذا دخلت مفردة الاشتراكية الى ذهني، مؤمنا بان اتحاد العمال والفلاحين بمقدوره ان يبني اوطانا ً سعيدة، لكننا للأسف بقينا نبحث عن الاشتراكية في الكتب، لأننا لم نجدها في واقع بلداننا، وظلت المفردة تلوح في عقولنا كحلم لا نعرف كيف او متى يتحقق ... ومع الهجمة الشرسة التي شنها النظام على الحزب.. تغير فجأة لون الحياة، اعتقل الرفاق الذين نحبهم ، اغلقت الجريدة التي كنا نطالعها كل صباح، ولم يعد لكلمة الحرية من معنى، وصار اي منشور او مطبوع يرسم عليه المنجل والمطرقة يصادر بأمر الجهات الامنية، تلك الجهات التي سخرت كل امكانيات الدولة لقمع جماهير الحزب ومناصريه، ومن المؤسف بانه وعلى الرغم من شراسة الهجمة الا ان قيادة الحزب لم تأخذ الاحتياطات التنظيمية الكافية لاحتواء الازمة او وضع الحلول المناسبة للتصدي لها، بل تركت الحبل على الغارب، مما اوقع الحزب في اشكال لا يحسد عليه، هرب على اثر ذلك الكثير من قادة الحزب والكادر المتقدم الى خارج العراق، ومن بقى في الداخل ذاق الأمرين، حتى صار مجرد الحفاظ على النفس يعد انتصارا ً، في ظل نظام يمكن ان تعدم فيه لمجرد أنك قلت مزحة انتقدت فيها السيد الضرورة. اجل، كانت الحياة بين عامي1980 الى منتصف 1984 مشوبة بالقلق والحذر الدائمين، ولم تخبو أوار الحرب المستعرة، في حينها كنت جنديا ً مكلفا ً طيلة السنتين الاخيرتين ، ومن حس حظي اني قضيت خدمتي العسكرية في بغداد، وكان لي تواصل طيب مع صديقين كرديين، تعززت علاقتنا وصارا يبوحان لي بما يعرفانه عن اخبار البيشمركة، وحين نضجت روحي من الوجع، وسيطرت علي فكرة الالتحاق بالجبل، كنت مأخوذا برومانتيكية الرحلة وثوريتها، ولم يخطر ببالي ما يعنيه ترك بغداد ودلال الاهل، واستبدال كل ذلك بتجربة هي اشبه بمن يشق طريقه في الصخر. لكن في تلك الظروف لم يكن امامي من خيار اخر إلا الاعتصام بالجبل، لذا وطنت نفسي على تحمل ومواجهة الصعاب بدون تذمر.. مؤملا روحي بان الوصول الى المناطق المحررة هو المبتغى والنجاة، وبعد مسيرة راجلة من ناحية عقرة الى العمادية، نجحت في الوصول للمناطق المحررة والالتحاق برفاقي، اولئك الرفاق الذين تصورتهم لونا واحدا، فوجدتهم الوانا عدة، افكارا متباينة وأمزجة مختلفة ومواهب متعددة ونفسيات شتى … ولا اعرف كيف مضت الأشهر الستة الاولى، ولكني اتذكر جيدا انها كانت الاصعب، حيث تحتم علي التكيف مع تفاصيل تلك الحياة القاسية، بعدها بدأت اتلمس الواقع الجديد، وتكشفت لي امور ما كنت اتوقعها، ( فخلف الأكمة ما خلفها) كما يقال، حيث عايشت تناحر القوى السياسية والعسكرية، وما تخفيه ظلال بشتاشان من ذكريات ومن جرح لم يندمل، كل ذلك جعل الحركة الانصارية تتقوقع على ذاتها ولم تتمكن من تحقيق اهدفها المرجوة. بعدها بسنة التحقت بالمفارز، فصارت لي فرصة سانحة لمعرفة الواقع بكل سلبياته وإيجابياته المحتملة، ولكن أكثر ما كان يحز في نفسي هو منظر الفلاحين واهالي القرى المتعاطفين معنا، وقد وقعوا بين سندان النظام القمعي ومطرقة قوى البيشمركة بكل فصائلها التي تدعي الديمقراطية والاشتراكية لكنها في الحقيقة كانت عشائرية بامتياز.

في تلك الظروف القاهرة ومع حصار السلطة الجائر على المناطق الآمنة، وبعد منتصف عام 1986، كنت في قاطع بهدنان، وشهدت ما حصل في تلك الايام من ركود في العمل العسكري، وكيف اصبح الهم الرئيسي للسرايا والمفارز يكمن في تدبير قوتهم اليومي من الغذاء، وعلى الرغم من قسوة الطبيعة وتعقد الظروف التي تحيط بنا، لا يمكنني ان انكر ما كان يتحلى به الانصار من شجاعة ومحبة وايثار ومعاضدة لبعضهم البعض، وكيف كنا نحتفل بعيد الحزب، ونغني النشيد الأممي، ونرسم المنجل والمطرقة ونشعل النار ونلتف حولها مراجعين الذكريات الحلوة والمرة، من دون ان نستشعر الخطر الذي كان يلوح في أحاديثنا او يمر في كوابيسنا حول ما ينتظرنا، الى ان بدأت الاحداث بالتسارع مع نهاية عام 1988، للأسف لا الحزب ولا اي شخص منا كان يتوقع ما ستؤول اليه الحركة من نهاية مأساوية ليس لها من تسمية سوى الانهيار! حيث استطاع النظام الدكتاتوري هزيمتنا عسكريا ً دون قتال، وبعد ثلاثة ايام قضيناها بين الجبال في مسيرة راجلة، مات فيها من مات ونجا منها من نجا، وجدنا أنفسنا في مخيمات اللجوء في تركيا.

 اثناء مراجعتي لهذه الذكريات والكتابة عنها، اعتقد ايها الرفاق اننا جميعا ً كنا مسؤولين عما حدث، ولكن بعيدا عن جلد الذات، يحق لنا ان نتعترف: بان حركة الانصار حتى ولو كانت تجربة طوباوية لا مبرر لها كما يعتقد البعض، فقد ذهبنا اليها مضطرين ومكرهين لا مختارين.. وهذا ما يشفع لنا كل تلك التضحيات!!! اما اليوم وانا احتفل لوحدي بعيد الحزب، ينتابني حزن عميق كوني ارى حزبنا العريق، في موقف لا يحسد عليه، خاصة بعد سقوط النظام، والاحتلال الاجنبي للبلاد، وما رافق ذلك من صعود للتيارات والاحزاب الدينية والعشائرية، وما أعقب ذلك من فساد اداري ونهب للثروات، اقول: كل هذه الاسباب مجتمعة اضاعت على الحزب والقوى الوطنية فرصة التغيير والمساهمة بالنهوض بالوطن. مع ذلك كله ، لي وجهة نظري خاصة لمسيرة الحزب النضالية حيث يتضح لي جليا، عدم قدرة كل قوى الشر في طمس الافكار التنويرية والتقدمية والانسانية التي زرعها الحزب في قلوب اعضاءه ومحبيه، وكذلك لم تتمكن اي قوة غاشمة من اجبارنا على التخلي عن تلك المبادئ والافكار التي نؤمن بها ، وستبقى قلوبنا تسعى للخير والعدالة الاجتماعية في ( وطن حر وشعب سعيد ) خالٍ من الفساد والطائفية ، وسنبقى نكافح مع كل قوى اليد والفكر ، ونغني معا ً :

يا حزبي يا ماي النبع ــ يابو قلب اخضر

يا فرحة بعيون الشعب ـــ طول العمر تكبر

لكل الرفاق الذين داخل الحزب او خارجه، ولكل الذين تعرفت عليهم خلال مسيرة الحياة اقول بمحبة : كنا وما زلنا ذلك الطائر الذي لا يخاف من العاصفة .
مجدا ً لمن يواصل الرحلة .. ومجدا ً لحزب الشهداء والراية الحمراء.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل