/
/
/
/

 أحدث الحراك الشعبي التشريني الكثير من مظاهر التغيير في البلاد بشكل لم تشهده الساحة السياسية العراقية ربما في كل تاريخها الحديث. فهناك التغيير في الوعي الشعبي السياسي والفكري والاجتماعي، حيث لم تعد الطائفية هي الهوية المفضلة في الممارسة السياسية والاجتماعية، ولم تعد الطائفية تتردد حتى على لسان ممثلي الأحزاب الطائفية التي راحت تعلن عن شجبها لهذه الظاهرة الضارة باستقرار المجتمع. كما هيمن أثناء هذا الحرك الشعبي على المجتمع نموذج فريد من الوعي بأهمية التكافل الاجتماعي والدعوة لرفع شعار "الوطن" بعيداً عن شرور الطائفية والمناطقية والعشائرية. ورغم المحاولات التي قامت بها التيارات الدينية والمذهبية المتطرفة لتهميش دور المرأة ، نصف المجتمع ومدرسته منذ الإطاحة بالنظام السابق، فإن الحراك الشعبي أعاد للمرأة العراقية مكانتها ودورها السياسي والاجتماعي بعد أن جهد المتطرفون والمتخلفون حبس المرأة بين جدران البيت في مسعى للتخلص من الدور المؤثر لنصف المجتمع العراقي، الذي لا يمكن بدونه الحديث عن تفعيل عجلة الاقتصاد وقيادة العراق إلى بر الأمان.

ولا يمكن في هذا الحيز المحدود الاستطراد في شرح ما أنجزه الحراك الشعبي من تأثيرات إيجابية في المجتمع. ولكن الحراك أو جهود التغيير لا يمكن أن تعطي ثمارها بالتضحيات الغالية والإصرار والإستمرارية فحسب على أثرها الكبير، بل هناك حاجة مبرمة كي يتحول هذا الحراك الجبار إلى كيان منظم ومشروع سياسي كي يستطيع مواجهة الأدوات المؤثرة التي كدستها الكيانات الحاكمة خلال أكثر من ستة عشر عاماً في ميدان جمع السلاح وتغلغلها في المؤسسات العسكرية والأمنية وفي دوائر الدولة، وتكديس الأموال الحرام وتعميق ظاهرة المال السياسي وشراء الذمم وسرقة المال العام. هذه أدوات خطيرة بيد الإسلام السياسي المتطرف المدعوم من قبل قوى إقليمية وخارجية. ومن هنا يصبح مطلب التنظيم والتحول إلى المشروع السياسي المنسجم لهذا الحراك المجيد أمراً ملحاً ، فلا يمكن للحراك أن يستمر وإن يحقق أهدافه الرئيسية والمشاركة بفاعلية في التفاعلات السياسية الراهنة، إضافة إلى الإستعداد النشط للمشاركة في الانتخابات المبكرة التي دعى إليها الحراك الشعبي التشريني، وأقرها مجلس النواب العراقي بفعل ضغط الجماهير. ومن دون هذا التوجه تذهب جهود المشاركين في هذا الحراك وكل دماء ضحايا شهداء الحراك التشريني، قرابة 800 شهيد، وتغييب المئات منهم واعتقالهم وإصابة الآلاف من المشاركين في هذا الحراك، نعم كل هذه الضحايا ستذهب في مهب الريح إن لم يعمد المشاركون في هذا الحراك الفريد وجماهير الشعب المساند له إلى الوسيلة الوحيدة المجربة أي التنظيم والانتقال إلى الإعلان عن مشروعهم السياسي السلمي من أجل إحداث تغيير حقيقي في البلاد وإبعاد العراق عن شبح الفقر والفاقة  والفساد والاستبداد وعن التدخلات الخارجية الفظة في شؤون الداخلية.

18/3/2020

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل