/
/
/
/

لعل العنوان يشي الى محنة كبيرة يعيشها السياسيون في العراق بشتى الوانهم المعتمة وانتماءاتهم الطائفية والتي باتت تعيش في اقبية التخفي، إحساسا بالهزائم المتلاحقة التي ما برحت تتوالى يوما بعد آخر حيث أن سعير المواجهات مع الشباب المنتفض يتصاعد بشكل غير متكافئ بممارسة طغيان فاق منزلقات البعث وهم (أي الساسة) الذين ابتلى بهم العراق وشعبه وكل المحبين لهذا الشعب المسحوق، حين غطى فاسدو العراق عيونهم وعطلّوا عقولهم واوقفوا مجسّاتهم، والنار تقترب اليهم بشكل يومي، دون أي مسعى للتصعيد من طرف الشباب الثائر، وهم الأقدر على الزحف المخيف ليصل الى مخابئ الصم والبكم من أعداء العراق ومسيرته المظفرة، التي امسك الشباب الثائر والمندفع بحماس وطني اذهل القاصي والداني بتلابيبها واحكموا مغاليق العملية السياسية، ليرسلوا لحظة بلحظة من خلال حراكهم السلمي الذي لم يصل بعد لمستوى المواجهات وكنس المتسلطين، تحذيرات ورسائل لهؤلاء المغفلين من سياسيي الصدفة، ان الكراسي زائلة والامتيازات لا تخلدهم والمحو لا محالة يقترب منهم شيئا فشيئا دون ان يعوا خطورة صمتهم، بل بعنادهم إزاء ما يحدث من غليان سيطيح بهم عاجلا ام اجلا، لأن ضريبة الدم باهظة ودم الشهداء لن يذهب هدرا.

لم يثن الشباب الأسطورة ومفخرة العراقيين شتى حالات المعاناة من ظروف مناخية قاسية ولا رصاص ارعن ولا عبوات حارقة ولا موت يومي ولا نزف دماء متواصل ولا جوع ولا حرمان من ابسط حالات العيش الإنساني الذي ينشده البشر الآمنين في وطنهم ويوفر لهم لقمة العيش الكريمة والحرية التي هي عماد الوجود البشري في كل اصقاع الكون. كل هذه الأهوال وغيرها، مضافا الى الأفعال الجبانة والخسيسة التي يمارسها أعوان السلطة وكلاب حراستها في خطف وتعذيب وقتل وتغييب رموز الثورة وابرز شخصياتها البطلة، ما تراجعوا ولا انخذلوا ولا وهنت قواهم ولا اعاروا للجوع والبرد والعذاب اليومي اهتماما يذكر، وفوق هذا وذاك فهم في إصرار دائم في تحقيق مطالبهم المشروعة بعد أن عمّدوا ثورتهم المباركة بدماء اقرانهم الطاهرة وتصاعد حالات القتل اليومي وتصاعد اعداد الشهداء الذي باتوا ايقونات مقدسة وتحول الأخذ بثأرهم مسألة وجود وكينونة لا يمكن إيقاف او اخماد وهجها مهما بلغت التضحيات وطال الوقت.

إن فاسدي العراق وناهبي خيراته وسماسرته الخونة الذين رهنوا العباد والبلاد بيد الأجنبي، لم يرف لهم جفن ولا تحركت احاسيسهم إذا كانوا مصنفين من مجموعة الآدميين، ومشاهد الدمار في ساحات الشرف والصمود، شاخصة امامهم بكل تفاصيلها الموجعةـ تلك الحالات التي تدمي القلوب حتى عاد ذرف الدموع حالة يومية لا يمكن السيطرة عليها ونحن عن بعد نتابع ما يجري من مآسي مرعبة، ولكن اين هؤلاء اللصوص مما يجري في ساحات الصمود، وكأنهم يعيشون في اكوان بعيدة.

إنه لأمر محير حقا، له وجهان: الأول هو مصدر فخرنا واعتزازنا ونحن نراقب الحراك النسوي المبارك الذي اذهل الجميع وما تقوم به حرائر العراق من كل الأعمار من اسناد ودعم ووقوف بطولي نادر الى جانب اخوانها من الشباب، وهن يتواجدن جنبا الى جنب المنتفضين ويمارسن شتى الاعمال البطولية التي دعمّت زخم الحراك ومنحته صورة مشرفة، يتفاخر بها كافة العراقيين واصدقائهم من العرب والأجانب الأصدقاء والمتعاطفين مع ما يدور من تحدٍ نسوي هو صرخة احتجاج بوجه القتلة وكلاب السلطة، ليتعرضن بدورهن للقتل والتغييب والتهديد بالاغتصاب وتشويه السمعة، والملفت لهذا الموقف الأسطوري، انها ما خشين ولا تزعزعن وما تهاونّ في الوقوف الى جانب الثوار من الشباب وبمختلف الأعمار، ومما يزيدنا عزة، التلاحم الرائع بين صبايا العراق ونسائه وشباب العراق ومسنيه، وكأنهم لحمة واحدة، فلا غرو ان تتهيج المشاعر ونذرف الدموع ونحن امام هذه الملاحم البطولية النادرة.

لا نريد ان نعدد حالات التحدي وصرخات الاحتجاجات الهادرة وهي تصدح باسم العراق والحرية والكرامة طالبة استعادة وطنٍ منهوب وإعادة الكرامة لشعب مسلوب ومقهور، وهو ينتمي لأغنى بقعة كونية.

كنا ونحن نعاني من تسلط الحكم البعثي الفاشي، نضرب اخماسا بأسداس لما يجري حينذاك والعراق ينتقل من حالة حرب مدمرة الى أخرى اشد وافتك هولا من سابقتها، والبلد يمر بحالة ضياع محتوم والناس تتضور جوعا، والأحرار يتعرضون لشتى صنوف الإبادة، ومع ذلك كانت المناشدات تتواصل لإسماع طاغية العراق الأهوج وازلامه الخراف، ان يرحموا شعبهم وينقذوا (وطنهم) والكوارث تتلاحق ومنحنى الخراب آخذ بالازدياد، ومع ذلك لم يتحرك لا طاغية العراق ولا بطانته الخسيسة في انقاذ ما يمكن إنقاذه، ان كانوا يحتكمون على ذرة انتماء لهذا الوطن المنكوب، وفتات من عقول متآكلة، حتى وصلنا الى النهاية المأسوية وما آلت اليه حروب المغامرات "والمكاونات" الصبيانية. فكان مصير الجميع الى مزبلة التاريخ تلاحقهم اللعنات الأبدية.

وما يمر به العراق اليوم هو ذات الخبل والجنون والغباء وحب السلطة القذر ورغبة الدمار لكل شيء، انطلاقا من المبدئ سيء الذكر: دوني والطوفان.

ويبقى السؤال الموجع لنا والغائب عن الفاسدين: هل تحول ازلام السلطة بأحزابهم المرائية إسلامية كانت أو غيرها، الى أجساد برؤوس مركبة لا عقول فيها.

أن أساليب القمع والتغييب والتسويف والخطف وما سواها من صيغ فاشية سوف لن تنفعكم ابدا أيها الطغاة والقتلة، فعودوا لعقولكم واعتبروا للدروس التي مرت في العراق وكنتم شهود عليها، والا فأن مصيركم لا يبتعد عن مصير طاغية العراق، لأنها إرادة شعب مقهور قال كلمته غير القابلة للتسويف والمماطلة وانتم تتناطحون فيما بيتكم لتدوير ذات الرثاثة التي تعرفون انتم قبل غيركم، بانها كانت سببا في خراب العراق وافلاسه وتفتيت لحمته، فتخلوا عن طمعكم ونزوعكم الأهوج للسلطة واحتكموا لسلطة العقل والحكمة، وإلا فأن الندم سوف لن يفيدكم اذا ما وصل الخناق عليكم الى مديات لا يمكن التكهن به.

وقد اعذر من أنذر

المجد لشهداء العراق الميامين

والشفاء للجرحى والمصابين

والحرية للمختطفين

والقدر سيستجيب حتما لحراك فتية العراق وصباياه ومختلف شرائحه

وقد أعذر من أنذر

عاش العراق حرا ابيا خاليا من الفاسدين والطائفيين وكل ادران السلطة الناهبة لخيرات الشعب العراقي المظلوم.       

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل